بسم الله الرحمن الرحيم إنها الجنة وصف ابن القيم للجنة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد قال ابن القيم رحمه الله واصفا للجنة وكيف يقدر قدر دار ررسها الله بيده وجعلها مقرا لأحبابه وملأها من رحمته وكراماته ورضوانه ووصف نعيمها بالفوز العظيم وملكها بالملك الكبير وأودعها جميع الخير بحذافيره وطهرها من كل عيب وآفة ونقص فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران وإن سألت عن سقفها فهو عرش الرحمن وإن سألت عن بلاطها فهو المسك الأذفر وإن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر وإن سألت عن بنائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب وإن سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب وفضة لا من الحطب والخشب وإن سألت عن ثمرها فأمثال القلال ألين من الزبد وأحلى من العسل وإن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل وإن سألت عن أنهارها فأنهار من ماء غير آس وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر اللذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى وإن سألت عن طعامهم ففاكهة مما يتخيرون ولحم قير مما يشتهون وإن سألت عن شرابهم فالتسنيم والزنجبيل والكافور وإن سألت عن آنيتهم فآنية الذهب والفضة في صفاء القوارير وإن سألت عن سعة أبوابها فبين المصر عين مسيرة أربعين عام وليأتي ين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام وإن سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها فإنها تستفز بالطرب لمن يسمعها وإن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع وفي ظلها مائة عام لا يقطعها وإن سألت عن سعتها فأدنى أهلها يسير في ملكه وسرره وقصوره وبساتينه مسيرة ألف عام وإن سألت عن خيامها وقبابها فالخيمة الواحدة من درة مجوفة طولها ستون ميلا من تلك الخيام وإن سألت عن علاليها فهي غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وإن سألت عن ارتفاعها فانظر إلى الكوك بالطالع أو الغارب في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار وإن سألت عن لباس أهلها فهو الحرير والذهب وإن سألت عن فرشها فبطائنها من استبرق مفروشة في أعلى الرتب وإن سألت عن أرائكها فهي الأسرة عليها الحجال مزررة بأزرار الذهب فما لها من فروج ولا خلال وإن سألت عن وجوه أهلها وحسنهم فعلى صورة القمر وإن سألت عن أسنانهم فأبناء ثلاث وثلاثين على صورة وإن سألت عن أبي البشر وإن سألت عن سماعهم فغناء أزواجهم من الحور العين وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين وأعلى منهما خطاب رب العالمين وإن سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها فنجائبوا مما شاء الله يسير بهم حيث وإن سألت عن حليهم وشارتهم فأساور الذهب واللؤلؤ على الرؤوس ملابس التيجان وإن سألت عن غلمانهم فولدان مخلدون كأنهم لؤلؤ مكنون وإن سألت عن عرائسهم وأزواجهم فهن الكواعب الأتراب التي جرى في أعضائه نماء الشباب فللورد والتفاح ما لبسته الخدود وللرمان ما تضمنته النهود واللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور وللرقة واللطافة ما دارت عليه الخصور تجري الشمس في محاسن وجهها إذا برزت ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت إذا قابلت حبها فقل ما تشاء في تقابل النيرين وإذا حادثت فما ظنك بمحادثة الحبيبين وإن ضمها إليه فما ظنك بتعانق الغصنين يرى وجهه في صحن خدها كما يرى في المرآت التي جلاها سيقلها ويرى مخساقها من وراء اللحم ولا يستره جلدها ولا عظمها ولا حللها لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين الأرض والسماء ريحا ولستنطقت أفواها الخلائق تهليلا وتكبيرا وتسبيحا ولتزخرف لها ما بين الخافقين ولا غمضت عن غيرها كل عين ولطمس الضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم ولآمن من على ظهرها بالله الحي القيوم ونصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها وبصالها أشها إليه من جميع أمانيها لا تزداد على طول الأحقاب إلا حسنا وجمالا لا تزداد لها طول المدى إلا محبة ووصالا مبرأة من الحبل والولادة والحيض والنفاس مطهرة من المخاط والبصاق والبول والغائط وسائر الأدناس لا يفنى شبابها ولا تبلى ثيابها ولا يخلق ثوب جمالها ولا يمل طيب وصالها قد قصرت طرفها على زوجها فلا تطمح لأحد سوا وقصر طرفه عليها فهي غاية أمنيته وهواه إن نظر إليها سرت وإن أمرها بطاعته أطاعت وإن غاب عنها حفظت فهو معها في غاية الأمان والأمان هذا والمثها قبله إنس ولا جان كل ما نظر إليها ملأت قلبه سرورا وكل ما حدثت ملأت أذنه لؤلؤا منظوما ومنثورا وإذا برزت ملأت القصر والغرفة نورا وإن سألت عن السن فأتراب في أعدل سن الشباب وإن سألت عن الحسن فهل رأيت الشمس والقمر وإن سألت عن الحدق فأحسن سواد في أصفى بياض في أحسن حور وإن سألت عن القدود فهل رأيت أحسن الأغصان وإن سألت عن النهود فهن الكواعب نهودهن كالطف الرمان وإن سألت عن اللون فكأنه الياقوت والمرجان وإن سألت عن حسن الخلق فهن الخيرات الحسان التي جمع لهن بين الحسن والإحسان فأعطين جمال الباطن والظاهر فهن أفراح النفوس وقرة النواضر وإن سألت عن حسن العشرة ولذة ما هناك فهن العرب المتحببات إلى الأزواج بلطافة التبع التي تمتزج بالروح أي امتزاج فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها وإذا انتقلت من قصر إلى قصر قلت هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها وإذا حاضرت زوجها فيا حسن تلك المحاضرة وإن خاصرته فيا لذة تلك المعانقة والمخاصرة وإن غنت فيا لذة الأبصار والأسماع وإن أنست وأمتعت فيا حب ذا تلك المؤانسة والامتاع وإن قبلت فلا شيء أشهى إليه من ذلك التقبيل وإن نولت فلا ألذ ولا أطيب من ذلك التنويل هذا وإن سألت عن يوم المزيد وزيارة العزيز الحميد ورؤية وجهه المنزه عن التمثيل والتشبيه كما ترى الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه وذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد والجرير وصهيب وأنس وأبي هريرة وأبي موسى وأبي سعيد فاستمع يوم ينادي المنادي يا أهل الجنة إن ربكم تبارك وتعالى يستزيركم فحي على زيارته فيقولون سمعا وطاعة وينهضون إلى الزيارة مبادرين فإذا بالنجائب قد أعدت لهم فيستوون على ظهورها مسرعين حتى إذا انتهوا إلى الواد الأفيح الذي جعل لهم موعدا وجمعوا هناك فلم يغادر الداعي منهم أحدا أمر الرب تبارك وتعالى بكرسيه فنصب هناك ثم نصبت لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة وجلس أدناهم وحاشاهم أن يكون فيهم دني على كثبان المسك وما يرون أن أصحاب الكراس فوقهم في العطايا حتى إذا استقرت بهم مجالسهم واطمأنت بهم أماكنهم ناد المنادي يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكم فيقولون ما هو ألم يبيض وجهنا ويثق الموازين ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نور أشرقت له الجنة فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا أهل الجنة سلام عليكم فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام فيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى يضحك إليهم ويقول يا أهل الجنة فيكون أول ما يسمعونه منه تعالى أين عباد الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني فهذا يوم المزيد فيجتمعون على كلمة واحدة أن قد رضينا فارض عننا فيقول يا أهل الجنة فارض عنكم لم أسكنكم جنتي هذا يوم المزيد فاسألوني فيجتمعون على كلمة واحدة أرنا وجهك ننظر إليه فيكشف لهم الرب جل جلاله الحجب ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله تعالى قضى ألا يحترقوا ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه تعالى محاضرة حتى إنه ليقول يا فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا يذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول يا ربي ألم تغفر لي فيقول بلى بمغفرة بلغت منزلتك هذه فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم في الدار الآخرة ويا ذلة الراجعين بالصفقة الخاسرة وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة أن يفعل بها فاقرة فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطان نا ونسلم اللهم إنا نسألك الجنة ونعيمها ونسألك الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب ولا عذاب اللهم آمين وللرحلة بقية إنها الجنة