بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه الزمان ليلة السابع عشر من رمضان في سنة أربعين للهجرة حين تشقى طوايا النفوس تشقى أفعالها فلا تراعي وقت إذ حرمة ولا تعرف لذي حق حقا ولا لمقدس قداسة فالزمان لديها سواء والأمكنة عندها لا تختلف فلا فرق حينئذ بين الأشهر الحرم وسائر الشهور ولا بين رمضان وشعبان ولا بين البلد الحرام وغيره من بقية البلدان ولا بين النفوس المؤمنة والنفوس الكافرة وشقاء الإنسان بشهوة من الشهوات أهون من شقاوته بشبهة من الشبهات التي تتمكن من قلبه وتتحكم بعدها بأعمال جوارحه وتصوراته عبد الرحمن بن ملجم المرادي شخصية عرفت في التاريخ الإسلامي بالشقاء لانتحاله الفكرة الخارجية المنحرف والذي حمله على قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في شهر رمضان المبارك عن زيد بن أسلم أن أبا سنان الدؤالية حدثه أنه عاد علي رضي الله عنه في شكوى له أشكاها قال فقلت له لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه فقال لكني والله ما تخوفت على نفسي منه لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق يقول إنك ستضرب ضربة هاهنا وضربة هاهنا وأشار إلى صدغي تسيل دمها حتى تختضب رحيتك ويكون صاحبها أشقاها كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود وعن عبد الله بن سبع قال سمعت علي رضي الله عنه يقول لتخضبن هذه من هذا فما ينتظر بي الأشقى لقد كان أمير المؤمنين أبو الحسن رضي الله عنه مجمعا للخلال الكريمة والشي من نبيله وكيف لا يكون كذلك وبيت النبوة كان مرباه وعلى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعر عصباه فما بلغ إلا في كنف الإسلام ولا نمى شبابه إلا في مهاد الطهر والنقا فلذلك كان الإيمان وأعماله وأعماله هي شعاره ودثاره والحاكم على أفعال ظاهره وباطنه فإن سألت عن التقوى والزهد فإنه كان علما من أعلامه الباذخة وإن سألت عن حب الآخرة وبغض الدنيا فإنه كان مثالا من أمثلتها السامقة ولو سألت عن قوته وبطولاته وشجاعته فإنه كان صاحب القدح المعلى في ذلك ولو سألت عن علمه ومعرفته بالقضاء فهو البحر الذي لا ساحل له ولو سألت عن كرمه وصبره ونبله وخلقه وسائر صفات الخير فستجده من ذو الرتب العليا في كل ذلك رضي الله عنه وأرضاه اسمه ونسبه رضي الله عنه هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد منافن القرشي الهاشمي أبو الحسن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته فاطمة الزهرى وأبو سبطي الحسن والحسين رضي الله عنهما قيل إن اسمه السابق لاسم علي حيدرة ومنه قوله في خيبر أنا الذي سمتني أمي حيدرة وكانت أم علي فاطمة بنت أسد سمته حين ولدته أسدا باسم أبيها وأبو طالب إذا كغائب فلما قدم سماه علي وحيدرة من أسماء الأسد وسمي بذلك لغلض رقبته ولادته رضي الله عنه ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فربي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفارق صفاته الخلقية قال ابن عبد البر وأحسن ما رأيت في صفة علي رضي الله عنه أنه كان ربعة من الرجال إلى القصر ما هو أدعج العينين حسن الوجه كأنه القمر ليلة البدر حسنا ضخم البطن عريض المنكبين شثن الكفين عتد أغيد كأن عنقه إبريق فضة أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه كبير اللحية لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضاري لا يتبين عضده من ساعده قد أدمجت إدماجا إذا مشا تكفأ وأذا أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس وهو إلى السمني ما هو شديد الساعد واليد وأذا مشا للحرب هرول ثبت الجنان قوي شجاع منصور على من لاقاه إسلامه وهجرته رضي الله عنه كان علي رضي الله عنه أول من أسلم من أهل الأرض بعد خديجة رضي الله عنها فكان بذلك ثارث ثلاثة في الإسلام وقد أسلم وعمره عشر سنين وقيل ثلاث عشرة سنة ولما جاء الإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة أبقى علي رضي الله عنه مكانه لأمرين النوم على فراشه إيهاما للمشركين بأن رسول الله ما زال في البيت وأداء ودائع الناس التي كانت عند النبي عليه الصلاة والسلام قال ابن عبد البر وهو يتحدث عن علي وتتابع الناس في الهجرة وكان آخر من قدم المدينة من الناس ولم يفتن في دينه وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخره بمكة وأمره أن ينام على فراشه وأجله ثلاثا وأمره أن يؤدي إلى كل ذي حق حقه ففعل ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم علمه رضي الله عنه كان علي رضي الله عنه على قدر كبير من العلم والمعرفة والدراية والحصافة فإلى جانب ما وهبه الله تعالى من الاستعداد الفطري للعلم كان يحرص حرصا شديدا على سماع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤاله فلذلك عرف بين الصحابة بالعلم والفتياء والقضاء قال عمر رضي الله عنه علي أقضانا فضائله رضي الله عنه لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه فضائل كثيرة ومناقب وفيرة فمن فضائله العامة ما ورد في فضل الصحابة جملة وفي المهاجرين وفي أهل بدر وفي أهل بيعة الرضوان وفي الذين أسلموا قبل الفتح وأما فضائله الخاصة فمنها أولا مشابهته لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المسابقة إلى الخير وعظم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم له فعن البراء رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أنت مني وأنا منك أي في النسب والصهر والمسابقة والمحبة وغير ذلك من المزايا ولم يرد محضى القرابة وإلا فجعفر شريكه فيها ثانيا رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه قال عمر عن علي رضي الله عنهما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض ثالثا عظم محبته لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم له عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأُعطيَنَّ هذه الرَّايةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيُّهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلُّهم يرجو أن يعطاها فقال أين علي بن أبي طالب فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأى حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الرَّاية فقال علي يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم دعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر نعم رابعا اختصاصه بعظم الحب والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سعد بن أبي وقاصر رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى خامسا حبه من الإيمان وبغضه من النفاق عن عدي بن ثابت عن زر قال قال علي رضي الله عنه والذي فلق الحبة وبرأ النسم إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي ألا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق سادسا موالاته من موالات رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كنت مولاه فعلي مولاه والموالات هنا بمعنى المحبة والنصرة قال الشافعي يعني بذلك ولاأ الإسلام وذلك قول الله عز وجل ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم قال القرطبي أي وليهم وناصرهم فالمولى الناصر هاهنا قاله ابن عباس وغيره خلافته رضي الله عنه استخلف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبويع له بالمدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مقتل عثمان رضي الله عنه في ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين للهجرة وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر وقيل أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام وقيل ثلاثة أيام استشهاده رضي الله عنه قتل علي رضي الله عنه في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة على يد الشقي عبد الرحمن بن ملجم وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وقد ثبت عن الحسن بن علي من وجوه أنه قال لم يترك أبي إلا ثمانمائة درهم أو سبعمائة فظالت من عطائه كان يعدها لخادم يشتريه لأهله