نسيم السحر لا تحزن إن الله معنا كلمة ذكرها القرآن الكريم وسطّرها خالدة في الذكر الحكيم دون سائر كلام النبي في الغار ورحلة الهجرة لتبقى على جبين الدهر منارا في طريق المؤمنين المتفائلين ومثابة آمنة فيها التطمين عند هجوم أي حزن أو خوف فمن قالها ولمن قالها وأين قالها وفي أي مناسبة قالها فالإحاطة بإجابات هذه السؤالات تكشف لنا سموة تلك الثقة بالله وعظمة تلك النفس القائلة لها والغاية السابقة التي وصل إليها إيمان صاحبها الذي استهان بكل التهديدات واستصر في جنب الله كل القوى المعادية لقد قالها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه في الغار والمشركون على بابه يبحثون عنهما قالها النبي الكريم ومشركوا قريش يتحرقون غيظا عليه يطلبون رأسه حيا أو ميتا وبذل الدية في ذلك فراحط اللابها الكثر يبغونه في كل سبيل طمعا في نيل تلك الجائزة حتى وصلت أقدام بعضهم إلى باب الغار ومع ذلك قال تلك الكلمة الوافقة والموت فاغر فاه نحوه وما بينه وبينه إلا خطوات بل نظرة من الطالب إلى المطلوب من أعلى إلى أسفل كافية في إنهاء الطلب والظفر بالمطلب والأمر في هذه الحال الشديدة وقد وصل الطلب إلى باب الغار كما قال الشاعر الذي رأى النطع والسيف لقتله أرى الموت بين السيف والنطع كامنا يلاحظني من حيثما أتلفته وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام تلك الكلمة للصديق الأكبر حينما رآه يتخوف عليه وأبصر الأعداء قد وصلوا إلى فم الغار ففي الصحيحين عن أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق حدثه قال نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال يا أبا بكر ما ظنك بثنين الله ثالثهما وفي رواية للبخاري كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم فقلت يا نبي الله لو أن بعضهم طأبصره رآنا قال أسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما وفي الصحيحين أيضا قال أبو بكر واتبعنا سراقة بن مالك قال ونحن في جلد من الأرب فقلت يا رسول الله اتينا فقال لا تحزن إن الله معنا وفي رواية للبخاري قال فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له فقلت هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله فقال لا تحزن إن الله معنا لقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام أبا بكر عن الحزن المتضمن النهي عن الخوف وعلل له ذلك بأن هناك مانعا عظيما منه ألا وهو وجود معية الله الخاصة المقتضية للحماية والنصر فمن وصل إلى نيل معية الله فليأمن في خوفه وليسعد في حزنه وبذلك يخف عليه رهب المخاوف وشدة وطأة الأحزان والمتالف كتب بعض السلف إلى أخ له أما بعد فإن كان الله معك فمن تخاف وإن كان عليك فمن ترجو لما نال موسى عليه السلام هذه القوة العظمى وهي معية الله الخاصة واجه فرعون ذى الظلم والجبروت وذلك حين قال الله له ولأخيه هارون لا تخاف إنني معكما أسمع وأرى ولما خرج بقومه وصار العدو من خلفه والبحر أمامه وقال له قومه فلما ترى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون رد عليهم قائلا قال كلا إن معي ربي سيهدين فيا أيها المتألم في جوف الخوف المتوجع في كف الحزن اسعى إلى أن تكون من أهل إن الله معنا إن معي ربي وستجد هناك الأمن والسلوان وأقرب طريق إلى تلك الغاية العلية تحقيق تقوى الله فمن كان لله متقي ظفر بمعية الله له قال تعالى واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين وتأمل ما قال الله لرسوله في بعض الشدائد بماذا أمره وعمنها وبما بشره قال تعالى أصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تكفي ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وأقرب طريق إلى تحقيق التقوى فعل الأوامر وترك النواح والوقوف عند حدود الله روا أحمد والترمذي بسند حسن صحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك قال ابن رجب معناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه وجد الله معه في كل أحواله حيث توجه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون قال قتاد من يتق الله يكن معه ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب والحارس الذي لا ينام والهاد الذي لا يضل كن مع الله ترى الله معك وترك الكل وحاذر طمعك ولزم القنع بما أنت له في جميع الكون حتى يسعك