خلاصة مفاهيم أهل السنة تعريف الزهد والورع من أحسن ما قيل في تعريف كل من الزهد والورع قول شيخ الإسلام ابن تيمية الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة والورع ترك ما يخاف ضرره في الآخرة ولذا فالزهد أعلى مقاما من الورع لأن صاحب الورع قد يأخذ بما لا ينفع في الآخرة مادام ليس فيه ضرر وبناء على ذلك فكل زاهد ورع وليس كل ورع زاهدا لا بد للورع والزهد من نية لا بد لكل من الزهد والورع من نية تصاحبهما إذ الترك المجرد من غير نظر إلى علاقة ذلك بالآخرة لا يسمى زهدا ولا ورعا فقد يترك المرء بعض أمور الدنيا طلبا للراحة والكسل لا لأنها تشغله عن أمر الآخرة ومن كان هذا شأنه لا ينتفع بفراغه لأجل آخرته بل يفسد أعظم فساد فلا يعمر الدنيا ولا الآخرة الزهد وما يستعان به على الطاعة كل ما يستعان به على طاعة الله عز وجل فليس تركه من الزهد فمن تمتع بالمباحات من غير توسع يشغله عن الآخرة ونوا بذلك التقوي على طاعة الله عز وجل لم يخرج عن وصف الزاهدين لأن هذا مما ينفعه في الآخرة هل يكون زهد مع الغنا قد يكون الزهد مع الغنا كما يكون مع الفقر فمن الأنبياء والسابقين الأولين من كانوا أغنياء ولم يخرجهم ذلك عن كونهم من الزاهدين لأنهم لم ينشغلوا بغناهم عن الآخرة بل وظفوه في نفعهم فيها وقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينا هل يكون زاهدا فقال نعم بشرطي أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت الورع ليس من باب الترك فقط من الغلط اعتقاد أن الورع هو من باب الترك فقط بل يكون أيضا من باب الفعل فأداء الواجبات يعد من الورع لأن عدم أدائها يسبب الضرر في الآخرة فمن الورع صلة الرحم الواجبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء حقوق المسكين والجار وعموم المسلمين إلى آخر ذلك لا بد من مستند شرعي للتورع عن شيء ما ينبغي أن يستند الورع في شيء سواء بالترك أو الفعل على دليل من الكتاب أو السنة فلا ورع بالهوى والظن الفاسد كحال أهل الوسوسة في الطهارة والنجاسات حيث يظنون وسوستهم هذه من باب الورع والحرص على صحة العبادة مع أن ذلك مذموم شرعا وكذلك من تورع عن نكاح النساء والنوم بالليل والفطر بالنهار فقد ذم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال عنه فمن رغب عن سنتي فليس مني متفق عليه من تمام الورع معرفة خير الخيرين وشر الشرين من تمام الورع معرفة خير الخيرين وشر الشرين فعند التعارض يقدم فعل خيرهما وترك شرهما وإلا فقد يقع المرء في نوع من الورع الكاذب فيقع من يترك الصلاة خلف الأئمة المبتدعة في ترك الجمعة والجماعات ويظن ذلك من الورع حقيقة الترف الترف هو أشد ما يصرف المرء عن الورع والزهد في الدنيا وهو لا يعني مجرد التمتع بالنعمة المتنعم المتوسع في ملاذي الدنيا وشهواتها فالذي أترفته النعمة هو من أطغته النعمة وأبطرت والبطر هو رد الحق ولم يرد الترف في القرآن إلا مذموما كما في قول الله تعالى واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون من أهم ما يعين على الورع والزهد في الدنيا قصر الأمل وهو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء الحياة قال الله تعالى فمن يدرك سرعة زوال الدنيا وفنائها معما يصاحب تحصيلها من آلام وغصص وأنكاد ثم يدرك مع ذلك حتمية مجيء الآخرة وسرعة إقبالها معما يتبع ذلك من دوامها وشرف ما فيها من خيرات من يدرك ذلك كله يقصر أمله في الدنيا ويتحقق ورعه وزهده فيها ويكون ممن صدق في تأهبه للقاء الله وذلك مفتاح جميع الأعمال الصالحة والحاجز عن الأعمال السيئة فقصر الأمل هو أول الوسائل المعينة على الزهد في الدنيا من الوسائل المعينة على الزهد في الدنيا إضافة إلى قصر الأمل المذكور آنفاء أولا كثرة ذكر الموت وزيارة المرضى وشهود الجنائز وزيارة القبور ثانيا مصاحبة الصالحين الذين تذكر رؤيتهم وأحاديثهم بالآخرة ثالثا كثرة قراءة القرآن وتدبره رابعا كثرة ذكر الله عز وجل ودعائه والتضرع إليه خامسا محاسبة النفس باستمرار والتفكير في الغاية من خلقها ومصيرها سادسا تقليل الخلطة بالناس إلا فيما ينفع وتخصيص أوقات يخلو العبد فيها بربه كالاعتكاف في رمضان والجلوس للذكر من بعد صلاة الفجر حتى الشروق ومن بعد عصر يوم الجمعة حتى الغروب من ثمرات الزهد والورع الورع والزهد في الدنيا يحصنان المرأة من الوقوع في شهوات الدنيا فصاحب الورع الزاهد في الدنيا هو أبعد الناس عن طلب العلوي والرئاسة فيها والتحاسد والتباغض بسببها كما أنه أبعد الناس عن فتن الرياء والمفاخرة وكتم الحق ولبسه بالباطل والتحايل على شرع الله الناس والآثام التي منبعها التعلق بشهوات الدنيا الزهد والورع ييسران سلوك الطريق إلى الله وتلك هي المنفعة العامة للورع والزهد في الدنيا تيسير السلوك في الطريق إلى الله وصدق التأهب للقائه عز وجل فمن أراد الوصول برسالته إلى غايته فليتخفف قلبه من أحمال دنيا كما يتخفف من يسير على قدميه من أحمال ظهره