بسم الله الرحمن الرحيم حياة السلف بين القول والعمل حفظ اللسان من كثرة الكلام ومن الكلام الذي لا ينفع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه رحم الله مرأا أمسك فضل القول وقدم فضل العمل وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه والله الذي لا إله إلا هو ما على وجه الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من اللسان وقال أبو الدرداء رضي الله عنه أنصف أذنيك من فيك فإنما جعل لك أذنان اثنتان وفم واحد لتسمع أكثر مما تقول وقال علي بن وبي طالب رضي الله عنه اللسان قوام البدن فإذا استقام اللسان استقامت الجوارح وإذا اضطرب اللسان لم تقم له جارحة وعن مطرف بن الشخير رحمه الله قال من صفى عمله صفى لسانه ومن خلط خلط له وقال وهيب بن الورد رحمه الله من عد كلامه من عمله قل كلامه وقال أيضا رحمه الله أجمعت الأطباء أن رأس الطب الحمية وأجمعت الحكماء أن رأس الحكمة الصمت وقال أيضا إن الرجل ليصمت فيجتمع إليه لبه وأثنى رجل على رجل فقال له بعض السلف وما علمك به قال رأيته يتحفظ في منطقه وعن إبراهيم التيمي رحمه الله قال المؤمن إذا أراد أن يتكلم نظر فإن كان كلامه له تكلم وإن كان عليه أمسك عنه وقيل في منثور الحكم إذا تم العقل نقص الكلام وعن يحي بن أبي كثير رحمه الله قال خسلتان إذا رأيتهما في الرجل فعلم أن ما وراءهما خير منهما إذا كان حابسا للسانه يحافظ على صلاته وقال يونس بن عبيد رحمه الله خسلتان إذا صلحتا من العبد صلح ما سواهما من أمره صلاته ولسانه وقال بعض السلف إنما لساني سبع إن أرسلته خفت أن يأكلني وكان يقال كثرة الكلام تذهب بالوقار وقال الفضيل بن عياض وبن المبارك رحمهم الله أشد الورع في اللسان وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله إني لأدع كثيرا من الكلام مخافة المباها وقال أيضا رحمه الله إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت ويهرب من الناس فاقتربوا منه فإنه يلقن الحكمة وقيل لسفيان الثوري رحمه الله إذا أخذت في الحديث نشطت وأنكرتك وإذا كنت في غير الحديث كأنك ميت قال أما علمت أن الكلام فتنة وقال رحمه الله كان يقال الصمت زين العالم وستر الجاهل وقال بعضهم إن كان في العي آفات مقدرة ففي البلاغة آفات تساويها وقال حاتمني الأصم رحمه الله لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك لحترزت منه وكلامك يعرض على الله تعالى فلا تحترز وقيل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله إن فلانا يتعلم النحو فقال هو إلى أن يتعلم الصمت أحوج وقال أبو بكر بن عياش رحمه الله أدنى نفع السكوت السلامة وكفى بالسلامة عافية وأدنى ضرر النطق الشهرة وكفى بالشهرة بلية وقال بعض البلاغاء فإنه يكسبك صف والمحبة ويؤمنك سوء المغبة ويلبسك ثوب الوقار ويكفيك مأونة الاعتذار وكان إمامنا الإمام أحمد رحمه الله يتعجب من بدر المغازلي رحمه الله ويقول من مثل بدر قد ملك لسانه وقال حمدان بن ذنون ما رأت عيني مثل أحمد بن حنبل رحمه الله في ورعه وحفظ لسانه وقال عطاء بن أبي رباح رحمه الله إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام أتنكرون أن عليكم حافظين أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أمل صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه وقال بعض الحكماء عقل المرء مخبوء تحت لسانه وكان ابن دقيق العيد رحمه الله يقول ما تكلمت بكلمة ولا فعلت فعلا إلا وأعددت له جوابا بين يدي الله تعالى حفظ اللسان من الغيبة وتتبع الزلات والهفوات والسقطات كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لا تشغلوا أنفسكم بذكر الناس فإنه بلاء وعليكم بذكر الله فإنه رحمه ومر عمر بن العاص رضي الله عنه على بغل ميت فقال لأن يأكل أحدكم من لحم هذا البغل حتى يمتلئ بطنه خير له من أن يأكل لحم رجل مسلم وعن ابن عباس رضي الله عنه قال إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فذكر عيوبك وعن عون بن عبد الله رحمه الله قال ما أحسب أحدا تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه وقيل للربيع بن خثيم رحمه الله ألا تذكر الناس فقال ما أنا عن نفسي براض فأتفرغ من ذمها إلى أن أذم الناس إن الناس خافوا الله في ذنوب الناس وأمنوه على ذنوبهم وعن الأوزاعي رحمه الله قال سمعت يحيى بن أبي كثير رحمه الله يقول يقال يوم القيامة للعبد قم إلى فلان فخذ حقك منه فيقول يا ربي ما أعرف لي عنده من حق فيقال بلى إنه ذكرك يوم كذا بكذا ويوم كذا بكذا قال الأوزاعي أفناصح لنفسه من يقضى من حسناته غدا وهو ينظر إلى ذل خاشع يود لو كان بينه وبين أخ الله أمدا بعيدا وعن مجاهد رحمه الله قال كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير وقال سفيان بن حسين ذكرت رجلا بسوء عند إياس بن معاوية رحمه الله فنظر في وجهي وقال أغزوت الروم قلت لا قال فالسند والهند والترك قلت لا قال أفسلم منك الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم قال فلم أعد بعدها وكانوا إذا ذكروا عند محمد بن سيرين رحمه الله رجلا بسيئة ذكره محمد بأحسن ما يعلم وعن ابن سيرين رحمه الله قال ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم وتكتم خيره وقال بكر المزني رحمه الله إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس ناسيا لعيبه فعلموا أنه قد مكر به وقال الفضيل بن عياض رحمه الله ربما قال الرجل لا إله إلا الله أو سبحان الله فأخشى عليه النار قيل وكيف ذاك قال يغتاب بين يديه ويعجبه ذلك فيقول لا إله إلا الله وليس هذا موضعه إنما موضع هذا أن ينصح له في نفسه ويقول له اتق الله قال للإمام أحمد رحمه الله رجل أجازه إسحاق بن إبراهيم بألف درهم قال لا تسمينا أحدا وقال رحمه الله ما تكلم أحد في الناس إلا سقط وذهب حديثه قد كان بالبصرة رجل يقال له الأفطس كان يروي عن الأعمش والناس وكانت له مجالس صحيح الحديث إلا أنه كان لا يسلم على لسانه أحد فذهب حديثه وذكره وقال الموفق بن قدامة رحمه الله عن أحد علماء زمانه ممن ابتلي بتتبع عيوب الناس وخاصة أهل العلم والصلاح ظننت أنه يكون في الفتوى مبرزا على أبيه وغيره إلى أن رأيت له فتاوا غيره فيها أسد جوابا وأكثر صوابا وظننت أنه ابتلي بذلك لمحبته تخطئة الناس واتباعه عيوبهم ولا يبعد أن يعاقب الله العبد بجنس ذنبه وقد شغل كثيرا من زمانه بالرد على الناس في تصانيفهم وكشفي ما استتر من خطاياهم ومحبة بيان سقطاتهم ولا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه أفتراه يحب لنفسه بعد موته من ينتصب لكشف سقطاته وعيب تصانيفه وإظهار أخطائه وكما لا يحب ذلك لنفسه ينبغي ألا يحبه لغيره سيما للأئمة المتقدمين والعلماء المبرزين وقد أران الله تعالى آية في ذهابه عن الصواب في أشياء تظهر لمن هو دونه حياة السلام بين القول والعمل