بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوق ومداد الحب نُسطِّر حُغوفاً أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدين باب ما جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمر السمر هو الحديث بالليل وأصل السمر لون ضوء القمر لأنهم كانوا يتحدثون فيه عن عائشة رضي الله عنها قالت جلست 11 امرأة فتعاهدنا وتعاقدنا ألا يكتمنا من أخبار أزواجهن شيئا قالت الأولى زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل قالت الثانية زوجي لا أثير خبر إني أخاف ألا أذر إن أذكره أذكر عجره وبجره قالت الثالثة زوجي العشنق إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق قالت الرابعة زوجي كليل تهامة لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة قالت الخامسة زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد ولا يسأل عما عهد قالت السادسة زوجي إن أكل لف وإن شرب شتف وإن اضطج علتف ولا يولج الكف ليعلم البث قالت السابعة زوجي عيايا أو غيايا طباقا كل داء له داء شجك أو فلك أو جمع كل لك قالت الثامنة زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب قالت التاسعة زوجي رفيع العماد طويل النجاد عظيم الرماد قريب البيت من الناد قالت العاشرة زوجي مالك وما مالك مالك خير من ذلك له إبل كثيرات المبارك قليلات المسارح إذا سمعنا صوت المزهر أيقن أنهن هوالك قالت الحادية عشرة زوجي أبو زرع وما أبو زرع أناس من حلي أذني وملأ من شحم عضودي وبجحني فبجحت إلي نفسي وجدني في أهل غنيمة بشق تجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق فعنده أقول فلا أقبح وأرقد فأتصبح وأشرب فأتقمح أم أبي زرع فما أم أبي زرع عكومها رداح وبيتها فساح ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع مطجعه كمسل شطبة وتشبعه ذراع الجفره بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع طوع أبيها وطوع أمها وملأ كسائها وغيض جارتها جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع لا تبث حديثنا تبثيثا ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ولا تملأ بيتنا تعشيشا قالت خرج أبو زرع والأوطاب تمخض فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين فطلقني ونكحها فنكحت بعده رجلا سريا ركب شريا وأخذ خطيا وأراح علي نعما ثريا وأعطاني من كل رائحة زوجا وقال كلي أم زرع وميري أهلك فلو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع قالت عائشة رضي الله عنها فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت لك كأبي زرع لأم زرع هذا الحديث مما ورد في سمر النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض زوجاته مؤانسة ولطفا وهذا من حسن العشرة وطيب النفس ومراغمة الشيطان فإن حديث الملاح والطرف والحكايات مما تستجم به النفوس ويروح به عن القلوب وتحدث به المؤانسة وهذا كله من المقاصد الشرعية وهذا الخبر الطويل الذي ذكرته عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء النسوة في نبأ كل واحدة منهن مع زوجها والنبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليها مؤانسة لها وحسن معاشرة فيه أن احدى عشرة امرأة اجتمعن في مجلس واحد وتعاهدنا ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا سواء ما كان من ذلك مدحا أو قدحا فمنهن من ذكرت زوجها بمدح ومنهن من ذكرته بقدح فقالت المرأة الأولى تصف زوجها زوجي لحم جمل غث أي إنه مثل لحم الجمل شديد الهزال على رأس جبل وهذا الجبل لا سهل فيرتقى لأنه كثير الصخور وللحم سمين فينتقل أي يتحمل من أجله الصعاب لنقله فهي غدوة أي يتحمل من أجله الصعاب لنقله فهي غير راضية عن زوجها لسوء خلقه وغلضة طباعه فهي تشبهه بلحم الجمل الذي تعافه النفس وتشبه سوء خلقه بالجبل الوعر فليته كان مع غثاثته متاحا سهل المرتقى بل هو على رأس جبل صعب المطلع وفي الوقت نفسه لا يستحق هو أن يتحمل من أجله المشاق للوصول إليه وقالت المرأة الثانية زوجي لا أبث خبر أي لا أفشي وأذيع أخباره وصفته إني أخاف ألا أذر أي أخاف إن بدأت في ذكر صفته وخبره ألا أترك من خبره شيئا لطوله وكثرته تعني كثرة عيوبه ومساوئه فلا أستطيع إيفاء ذكره إن أذكره أذكر عجره وبجره وأصل العجر هو انتفاخ العروق في الرقبة والبجر انتفاخ السرة فكأنها قالت له عيوب ظاهرة وباطنة فكنت عن العيوب الظاهرة بالعجر الذي هو انتفاخ العروق وله عيوب خفية لا تعرفها إلا المرأة وكنت عنها بالبجر الذي هو انتفاخ السرة وقالت المرأة الثالثة زوج العشنق وهو الطويل ومعنى ليس فيه أكثر من طول بلا نفع إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق أي إنها إن نطقت وتكلمت بشيء وبلغه ذلك فإنه سيطلقها وإن سكتت عن عيوبه فإنها عنده كالمعلقة لا ذات زوج ولا مطلقة وقالت المرأة الرابعة زوجي كليل تهامة تريد أنه ليس فيه أذى بل راحة ولذاذة عيش كليل تهامة لذيذ معتدل ليس فيه حر مفرط ولا برد مفرط وتهامة هو السهل الساحلي للبحر الأحمر من الجانب الآسيوي ولا مخافة ولا سآمة أي لا أخاف منه لكرم أخلاقه ولا يسأمني ولا يستفقل بي فيمل صحبتي وليس بسيء الخلق فأسأم من عشرته وقالت المرأة الخامسة زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد أي إنه إذا دخل البيت كان كالفهد في كثرة نومه تريد أنه ينام ويغفل عن معايب البيت الذي يلزمني إصلاحه أو يغفل عن تعهد ما ذهب من متاعه وماله في بيته وما بقي فلا يحاسبها على القليل والكثير وإذا كان خارج البيت كان كالأسد في شجاعته وقوته وغضبه تريد أنه يكون معها لطيفا ويكون خارج البيت شجاعا قويا غاضبا ولا يسأل عما عهد أي لا يسألها عما تركه في البيت من مال ونحوه لتمام كرمه وقالت المرأة السادسة زوجي إن أكل لف أي إنه يأكل بشراها فلا يترك شيئا من الطعام فاللف في الطعام الإكثار منه مع التخليط من صنوفه حتى لا يبقى منها شيء وكذا إن شريب اشتف وهو الذي لا يترك شيئا في الإناء فالاشتفاف مأخوذ من الشفافة وهي ما بقي في الإناء من الشراب وإذا نام التف أي التف في ثيابه وحده في ناحية من البيت وانقبض عنها فهي مكتأبة لذلك ولا يولج الكفة ليعلم البث أي لا يدخل كفه داخل ثوبي ليعلم الحزن الذي عندي وذلك لعدم اهتمامه وقربه منها فهو لا يمسها ولا يلاطفها ولا يسامرها ولا يشبع حاجتها ولا تشكو بثها وحزنها إليه فجمعت في ذمها له بين اللؤم والبخل وسوء العشرة مع أهله وقلة رغبته في النكاح مع كثرة شهوته في الطعام والشراب وهذا غاية الذم عند العرب وقالت المرأة السابعة زوجي غياياء أي إنه مغطا عليه من جهله من الغي الذي هو الخيبة أو قالت عياياء من العي وهو العجز وقيل هو العنين الذي تعييه مجامعة النساء ويعجز عنها طباقا أي الغبي الأحمق وقيل الذي يعجز عن الكلام فتنطبق شفتاه كل داء له داء أي كل ما تفرق في الناس من داء يعني من معايب اجتمعن فيه شجك أو فللك أو جمع كلا لك معناه أنها إذا مازحته شجها في رأسها وإذا أغضبت كسر عضوا من أعضائها أو شق جلدها أو جمع كل ذلك من الضرب والجرح وكسر العضو وموجع الكلام وقالت المرأة الثامنة زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب وصفته بأنه ناعم الجلد كنعومة وبر الأرنب وقيل المراد بقولها مس أرنب أي لين الجانب وكرم الخلق وأنه طيب العرق لنظافته واستعماله الطيب والزرنب طيب أو شجر طيب رائحة وقالت المرأة التاسعة زوجي رفيع العماد وهو العمود الذي يدعم به البيت تعني أن البيت الذي يسكنه رفيع العماد ليراه الضيفان وأصحاب الحوائج وقيل قصدت برفيع العماد وصفه بالشرف وسناء الذكر أي بيته في الحسب طويل النجاد أي طويل القامة عظيم الرماد لأن ناره لا تطفى لتهتدي الضيفان إليها فيصير رمادها كثيرا وهذا يدل على كرمه قريب البيت من الناد والنادي هو مجلس القوم أي إن قومه إذا تشاوروا في أمر اعتمدوا على رأيه وقيل وصفته بالكرم والسؤدد فلا يسكن قريبا من النادي إلا من هذه صفته لأن الضيفان يقصدون النادي ولأن أصحاب النادي يأخذون ما يحتاجون إليه في مجلسهم من بيت قريب للنادي واللئام يتباعدون من النادي وقالت المرأة العاشرة زوجي مالك وما مالك مالك خير من ذلك وهذا تعظيم لزوجها وكان اسمه مالك وأنه خير مما ستذكره من وصفه له إبل كثيرات المبارك أي يملك إبل كثيرة المبارك وهو موضع بروكها قليلات المسارح أي إنه لا يوجه إلى المراعي منها كثيرا لاستعداده للضيفان حتى يستطيع أن يذبح لهم منها إذا أتوه وهذا يدل على كرمه وإذا سمعنا صوت المزهر أي قن أنهن هوالك أي إذا سمعت الإبل صوت المزهر لفرحه بقدوم الضيفان علمت الإبل أنها ستهلك وستذبح لإطعامهم والمزهر هو آلة من آلات العزف والله أرادت أن زوجها عود إبله إذا نزل به الضيفان أتاهم بالمعازف ونحر لهم من تلك الإبل وقالت المرأة الحادية عشرة وهي أم زرع عاتكة بنت أو كيميل بن ساعدة اليمنية زوجي أبو زرع أي كنيته أبو زرع فما أبو زرع تقصد بذلك التعظيم أناس من حلي أذني أي قد ملأ أذني من الحلي وملأ من شحم عضودي والعضد هو ما بين المرفق إلى الكتف والمعنى أسمنني وملأ جسدي شحماً ولحماً من الأكل ولم تريد اختصاص العضودي لكن إذا سمنتا سمن غيرهما وقالت مجحني فبجحت إلي نفسي أي عظم إلي نفسي فعظمت عندي وجدني في أهل غنيمة بشق أي إن أهلها كانوا ذوي غنم وليسوا أصحاب إبل ولا خيل فلم يكونوا أغنياء إذ العرب لا تعتد بأصحاب الغنم وإنما يعتدون بأهل الخيل والإبل وكانوا يقيمون بمكان نسمه شق أو المراد شق جبل لقلتهم وقلة غنمهم وشق الجبل ناحيته وقيل المراد وجدني بشضف من العيش وجهد ومشق قالت فجعلني في أهل صهيل وأطيط الصهيل صوت الخيل والأطيط صوت الإبل والمعنى جعلها من أصحاب الخيل والإبل وقولها ودائس ومنق أي دوس الزرعة ليخرج الحب من السنبل وينق الطعام فيزيل ما يختلط به من قشر ونحوه والمعنى أنه نقلها من شدة العيش وجهده إلى الثروة الواسعة من الخيل والإبل والزرع وقولها فعنده أقول فلا أقبح أي لا يقبح قولي ولا يرد وأرقد فأتصبح أي أنام حتى الصباح لأنها كانت تملك خدما يقومون عنها بأعمال المنزل وأشرب فأتقنح أي أشرب حتى أدعى الشراب من شدة الري فلا يقطع شربي شي ثم أثنت المرأة على أم زوجها أبي زرع فقالت أم أبي زرع فما أم أبي زرع عكومها رداح العكوم هي الأوعية التي تجمع فيها الأمتعة ورداح أي كبيرة وقولها وبيتها فساح أي بيتها واسع كبير ثم أثنت على ابن أبي زرع فقالت مضجعه كمسل لشطبه أي مكان نومه يشبه الجريد المشطوب تريد أن قوامه يشبه السيفة في الرشاقة والخفة وتقول ويشبعه ذراع الجفر والجفرة هي أنثى المعز التي بلغت أربعة أشهر ومرادها أنه قليل الأكل والعرب تمدح بذلك ثم أثنت المرأة على بنت أبي زرع فقالت طوع أبيها وطوع أمها أي طائعة لأبيها وأمها لا تعصي أمرهما وملء كسائها أي تملأ ثوبها لسمنتها وغيض جارتها أي تغيض ضرتها لجمالها وأدبها وعفتها ثم أثنت على جارية أبي زرع فقالت لا تبث حديثها تبثيثا أي لا تذيع وتفشي حديثهم وأسرارهم ولا تنقث ميرتنا تنقيثا أي لا تفسد طعامهم ولا تفرقه ولا تذهب به والمراد وصفها بالأمانة ولا تملأ بيتنا تعشيشا أي لا تترك القمامة مفرقة في البيت كأعشاش الطيور بل هي مصلحة للبيت معتنية بتنظيفه ثم ذكرت أم زرع التغير الذي حدث في حياتها مع أبي زرع عندما رأى أمرأة أخرى فتزوجها وطلق أم زرع قالت خرج أبو زرع والأوطاب تمخض والأوطاب هي أوعية اللبن تحرك لاستخراج الزبد أرادت أن الوقت الذي خرج فيه كان في زمن الخصب وطيب الربيع قالت فلقي أمرأة معها ولدان لها كالفهدين وسبب وصفها حسن ولديها التنبيه على سبب تزويج أبي زرع لها لأن العرب كانت ترغب في كون الأولاد من النساء النجيبات في الخلق والخلق وقولها يلعبان من تحت خصرها برمانتين أي تحركان تحت وسطها ويلعبان بثدي المرأة الصغيرين الذين هما كالرمانتين في حسنهما قالت فطلقني ونكحها ثم تقول فنكحت بعده رجلاً سريا أي تزوجت بعد أبي زرع رجلاً شريفا ركب شريا أي أنه يمضي في سيره بجد بلا القطاع وأخذ خطيا والخطي هو الرمح وهو منسوب إلى موضع باليمن تجلب منه الرماح وأراح علي نعما ثريا أي أنه أتى لها بالكثير من الإبل فالثري الكثير من المال وغيره ومنه الثروة في المال وهي كثرته وقولها وأعطاني من كل رائحة زوجا أي أنه كان يعطيها من كل شيء يروح من الإبل والبقر والغنم والعبيد زوجا أي اثنين اثنين ويحتمل أنها أرادت بزوجا أي صنفا وقال كلي أم زرع وميري أهلك أي صلي أهلك وبريهم وأوسعي عليهم في الطعام قالت لو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع أي كل ما أكرمني به لا يساوي شيئا من إكرام أبي زرع فقد وصفت زوجها هذا الثاني بالسؤدد في ذاته والثروة والشجاعة والفضل والجود لكونه أباح لها أن تأكل ما شاءت من ماله وتهدي ما شاءت لأهلها مبالغة في إكرامها ومع ذلك لم يقع عندها موقع أبي زرع وأن كثيره دون قليل أبي زرع مع إساءة أبي زرع لها أخيرا في تطليقها ولكن حبها له بغض إليها الأزواج وكما قيل ما الحب إلا للحبيب الأول وبعد أن قصت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هذه القصة للنبي صلى الله عليه وسلم قال لها كنت لك كأبي زرع لأم زرع وزاد في رواية غير أني لا أطلقك أي كانت سيرتي معك في الإكرام والحب كما كانت سيرة أبي زرع لأم زرع وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم وحسن أخلاقه وإلا فإنه صلى الله عليه وسلم لا يتشبه بغيره بل يتشبه به وبصفاته وأخلاقه الحميدة ويستفاد من الحديث مشروعية ذكر محاسن النساء للرجال إذا كن مجهولات بخلاف المعينات وفيه مشروعية إعلام الرجل بمحبته لمراته وفيه فضل عائشة رضي الله عنها وسعة حفظها وذاكرتها مع صغار سنها وإن صات النبي صلى الله عليه وسلم لها جبرًا لخاطرها وهذا الحديث اجتمن على عدة فوائد يطول المقام بذكرها ولعلنا نفرد لها سلسلة خاصة بإذن الله للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين