بسم الله الرحمن الرحيم قصة مريم ابنة عمران عليه السلام مريم ومحراب العبادة مريم عليه السلام نشأت نشأةً صالحة لازمت فيها العبادة والطاعة حتى أنها جعلت لنفسها محراباً خاصاً تتعبد فيه وتخلو بنفسها في مناجات الله رب العالمين وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله فتقبلها ربها بقبولٍ حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكرياً كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنا لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب والمحراب هو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله وكانت تتعبد بمكانٍ تتخذه بها محراباً وكان زكريا يتعهد تعبدها وجعلت محرابها الذي تتعبد فيه شرق بيت المقدس قال تعالى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا قال ابن كثير رحمه الله أي اعتزلتهم وتنحت عنهم وذهبت إلى شرق المسجد المقدس وإنما فعلت ذلك مريم لتتفرغ للعبادة بعيداً عن الناس فلا تنشغل بهم ولا يشغلونها قال أبو زهرة رحمه الله والمعنى أنها اعتزلت الناس ونبذتهم وانفردت لعبادة الله وحده ولا يعمر قلبها إلا بذكره والمعنى انفردت من أهلها مكاناً شرقيا أي انفردت من أهلها في مكان شرقي بيت المقدس الذي كان فيه محرابها ومحراب كافلها زكريا عليه السلام وكان وراء هذا الانفراد أن اتخذت حجاباً يحول بينهما ولم تكتفي مريم عليه السلام بالابتعاد المكاني عن الناس والانفراد بل زادت على ذلك باتخاذ حجاباً يحجبها عن الناس لتتفرغ لعبادة ربها قال تعالى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا قال ابن جرير الطبري رحمه الله يقول فاتخذت من دون أهلها ستراً يسترها عنهم وعن الناس وقال ابن عطية رحمه الله هي اتخذته لتستتر به عن الناس لعبادتها وقال السعدي رحمه الله وهذا التباعد منها واتخاذ الحجاب لتعتزل وتنفرد بعبادة ربها وتقنط له في حالة الإخلاص والخضوع والذل لله تعالى ولذلك أختي الكريمة إذا أردت أن تكوني من العابدات الصالحات فعليك بالتأسي بمريم عليها السلام وأولى خطوات التأسي بها تخصيص مكان في بيتك لصلاتك وذكرك وقراءتك للقرآن الخطوة الثانية الابتعاد عن كل الشواغل التي تشغلك عن عبادتك أو تفسد عليك قلبك ومن أخطر الشواغل الهاتف المحمول فإذا قمت لعبادة ربك فأغلقي هاتفك تماماً حتى لا ينشغل القلب به فهذه خطوات تهيئة المكان للعبادة بعدها عليك بخطوات تدريب النفس على العبادة تدريجيا فإن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع ولذلك أنصحك أختي الكريمة بأمرين لتحقق أولى خطوات طريق العابدات الصالحات الأمر الأول العناية بصلاتك فرضها ونفلها فإن المحافظة على الفرض والنفل تنقلك إلى مرتبة محبة الله لك للحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل حيث قال إن الله قال من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشئ أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطي النه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته رواه البخاري فطريق الولاية يبدأ من المحافظة على الفرائض ثم النوافل الملحقة بالفرائض وقد وسع الله عليك في وقت الصلاة ولم يلزمك بصلاة الجماعة في المسجد فعود نفسك على صلاة خاشعة متأنية واختاري لها الوقت المناسب لك فالخشوع ومناجات الله هي لب الصلاة ومن أهم من نوافل التي تحافظين عليها السنن الرواتب تقول أم حبيبة رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من صل 12 ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة قالت أم حبيبة فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم والسنن الرواتب هي أربع ركعات قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل صلاة الفجر ومن النوافل المهمة في حياتك لتكون عابدة صلاة الضحا وهي صلاة الأوابين كما قال صلى الله عليه وسلم لا يحافظ على صلاة الضحا إلا أواب قال وهي صلاة الأوابين رواه ابن خزيمة في صحيحه وقد كانت أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها بنت الصديق حبيبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وزوجه في الجنة المبرأة من فوق سبع سماوات في قرآن يتلى إلى يوم القيامة كانت تحافظ على صلاة الضحا قالت عائشة رضي الله عنها إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعو العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم وما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحا قط وإني لأسبحها رواه البخاري وأما أس عبادة الصالحين فهو قيام الليل والذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وهو قربة لكم إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهات عن الإثم رواه الترمذي وبن خزيمة فهذا من أجل لأعمال العابدات الصالحات وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم نساءه على قيام الليل بأكثر من طريقه وفي أكثر من مناسبه فمن ذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم النساء على قيام الليل عند نزول الفتن فعن أم سلمة قالت استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن أيقظوا صواحبات الحجر فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة رواه البخاري وفي هذا إشارة إلى أهمية تربية الفتاة على قيام الليل في مواجهة فتن هذا الزمان كما حث النبي صلى الله عليه وسلم مرأة على أن تتعاون مع زوجها على قيام الليل وتدعوه إلى ذلك وتستجيب له إذا دعاها فعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصل يا أو صلى ركعتين جميعا كتبا في الذاكرين والذاكرات رواه أبو داوود فهذا هو الأمر الأول من أولى خطوات طريق العبادة متى ما سلكتيه وثبت عليه فإنه بإذن الله يجلب لك الخطوات الأخرى بيسر وسهولة أما الأمر الثاني من خطوات طريق العبادة فيتجلى في ضبط اللسان وضبط اللسان يتناول عدة أمور منها أن ينشغل بذكر الله عز وجل فعن يسيرة رضي الله عنها وكانت من المهاجرات قالت قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس وعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات ولا تغفلنا فتنسينا الرحمة رواه أبو داوود وعن أم هانئ رضي الله عنها قالت أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله دلني على عمل فإني قد كبرت وضعفت وبدنت فقال كبر الله مائة مرة وحمد الله مائة مرة وسبح الله مائة مرة خير من مائة فرس ملجم مسرج في سبيل الله وخير من مائة بدنة وخير من مائة رقبة رواه ابن ماجة وهذا كما تلاحظين أخت الكريمة أجر عظيم في عمل يسير على من يسره الله عليه وهو ذكر الله وتسبيحه وتهليله الأمر الآخر في ضبط اللسان هو الابتعاد عن ظلم الناس به وأكثر من تظلمه المرأة بلسانها هو الزوج ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة عن كفران العشير فقال يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقالت امرأة منهن جزلة وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب من كن رواه مسلم فأكثر سبب يدخل المرأة النار هو لسانها بل ويحبط أعمالها الصالحة فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها قال هي في النار قال يا رسول الله فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها وإنها تصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها بلسانها قال هي في الجنة رواه أحمد فلا تتحقق لك صفة العابدة إلا بالجمع بين الأمرين التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة وكف شرك عن الناس بكل الصور نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين