بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الزمان رمضان السنة الأولى من البعثة المحمدية الموافق عشرة وستمائة للميلاد لقد كان الزمان قبل مبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يرزح تحت وطأة الجاهلية التي حاصرت العقول والحياة في بوتقات ضيقة بعيدة عن سعة المعرفة لفهم الحياة ومهمة أهلها ومصيرهم بعد ذلك فلذلك كانت المعبودات الباطلة هي قبلة ذلك السفه الفكري الذي لم يقف عند حد قال الشاعر أتيت والناس فوضى لا تمر بهم إلا على صنم قد هام في صنمي والأرض مملؤة جورا مسخرة لكل طاغية في الخلق محتكمي فلما كان العقل الجاهلي يقبع في تلك الدائرة المظلمة لم يستطع أن يصل إلى الآفاق المشرقة التي تنير له جوانب الحياة المختلفة فظل غارقا في دياجير الظلم والظلمات حتى أذن الله بنقشاع تلك الحجب الداجية وتحرير تلك العقول الأسيرة الضيقة ببعثة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وقبل حصول ذلك الحدث العظيم هيأ الله صاحبه الكريمة تهيئة خاصة حيث كان عليه الصلاة والسلام يلوذ بغار حرا من جو مكة المظلم فيجد في تلك العزلة النائية جوًا مشتملاً بالصفاء الذهني متلفعاً بالسمو الروحي حتى سمحت له تلك الوفادات المتكررة إلى ذلك المكان القصي عن ضجيج الحياة والأحياة إلى أن يسرح فكره الخصبة في هذا الكون الفسيح فيتأمل بديع خلق الله تعالى ويقرأ في قسمات وجه الحياة الكئيب حاجته إلى الإشراق بنور الحق وفي تلك البقعة السامية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطل على مكة وعلى الوجود كله فيرى الضلال ضارباً أطنابه في كل جانب فيتشوف حينئذ لزمان هدى تزول به تلك المظاهر المجانبة لطريق الحق والعدل وفي غار حرا تم الإعداد النفسي والروحي لنبي آخر الزمان وأصبح قلب محمد من قبل النبي من بعد صالحاً لاستقبال وحي السماء والاتصال بعالم الملأ الأعلى وتحمل تلك المسؤولية العظمى التي سيواجه بها جموع الغواية المتعددة التي تتحشد في طريقه المستقيم أينما توجه وبينما هو في ملاذه الأمين يسبح خاطره النقي فيما حوله إذ بالملك جبريل عليه السلام يأتي إليه من غير مقدمات تسكن من روعه فيفجوه طروقه ليلاً في مكان خال بلا أنيس ولا جليس فيطلب منه القراءة وعلى إثرها ينطلق إلى الإنس والجني نبياً ورسولاً والندع أم عبد الله الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها تروي لنا ذلك الحدث الكبير من الغار إلى الدار ومن الدار إلى ورقة بن نوفل رحمه الله عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يلحق بغار حرا فيتحنث فيه قال والتحنث التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حرا فجاءه الملك فقال إقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال إقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال إقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ منّي الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنتي خويلد رضي الله عنها فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقل الضيف وتعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة ابن نوفل ابن اسد ابن عبد العزّى ابن عمّ خديجة وكان مرأا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قدعمي فقالت له خديجة يبن عمّ اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يبن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا النّاموس الذي نزّله الله على موسى يا ليتني فيها جذع ليتني أكون حيّّا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجيّهم قال نعم لم يأتي رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي وفي هذه القصّة نلاحظ ما يأتي أولا أثر الزوجة العاقلة التي تطمئن زوجها وتهدّئ من روعه وتربط على جأشه بكلمات التسكين والتأمين عند خوفه وفزعه وفي هذا فضل عظيم لخديجة رضي الله عنها قال ابن إسحاق كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدّق بما جاء به فخفّف الله بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يسمع شيئا يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها فتثبّته وتخفّف عنه وتصدّقه وتهوّن عليه أمر الناس رحمها الله ثانيا التفاؤل بالماضي المشرق لإنارة آفاق المستقبل إذا كدّرتها ظلمات الواقع ثالثا أهمية الرجوع إلى الكبار علما وحكمة وخبرة عند الخطوب والأمور المشكلة رابعا خبر بعثة رسول الله وما يتصل بها كان مما تتناقله الأجيال المطلعة على النبؤات السابقة وتشتاق أن تكون من أهل جيلها ومناصر رسولها هكذا كان حال ورقة ابن نوفل وأمثاله خامسا بهذه الكلمات الصالحة والمشاعر الصادقة والديانة الصحيحة السابقة يؤمن ورقة ابن نوفل ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوجه رسول الله لدعوة الناس وقد روى الحاكم في مستدركه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبو ورقة ابن نوفل فإني قد رأيت له جنة أو جنتين تاريخ حدث النبوة اتفق أهل العلم على أن مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوم الاثنين لحديث أبي قثادة الأنصاري رضي الله عنه قال وسئل عن صوم الاثنين قال ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه وأما شهر البعثة فقد اختلف فيه بعض العلماء قال ابن القيم ولا خلاف أن مبعثه صلى الله عليه وسلم كان يوم الاثنين واختلف في شهر المبعث فقيل لثمان مضين من ربيع الأول سنة 41 من عام الفيل هذا قول الأكثرين وقيل بل كان ذلك في رمضان واحتج هؤلاء بقوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن قال أول ما أكرمه الله تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن وأيلا هذا ذهب جماعة منهم يحيى الصرصري حيث يقول في نونيته وأتت عليه أربعون فأشرقت شمس النبوة منه في رمضان والذي يبدو راجحا والله أعلم أن وقت تنزيل القرآن عليه هو وقت نبوته وبعثته للناس وقد تقدم أن الراجح كون ذلك في رمضان وقد صرح بذلك بعض العلماء قال ابن هشام حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه الله تعالى فيها وذلك الشهر شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرار كما كان يخرج لجواره حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى وقال عطيه محمد سالم وقد اشتهر عند الناس أنه نبئ بإقراء وأرسل بالمدثر ولكن في نفس هذه السورة معنى الرسالة لما قدمنا من أن القراءة باسم ربك إشعار بأنه مرسل من ربه إلى من يقرأ عليهم ففيها إثبات الرسالة من أول بدء الوحي دروس من حدث النبوة أولاً النبوة مظهر من مظاهر رحمة الله تعالى بعباده فإنه تعالى يحب لهم الاهتداء إلى طريق الحق فلذلك أرسل إليهم رسله الكرام مبشرين ومنذرين فهي بذلك نعمة وشكر الله عليها اتباع صاحبها عليه الصلاة والسلام ثانياً المهمات الكبيرة تحتاج إلى استعداد نفسي وبدني كبيرين كما أن العمل الشاق مفتقر إلى تدريب سابق له ثالثاً القوف الطبيعي من الأشياء المخيفة لا يخدش جدار التوحيد والإيمان رابعاً الزوجة الصالحة والصديق الصالح نعم العون على التخفيف من الروع والإعانة على المضي في الأعمال الكبيرة خامساً التعليم والإقراء قد يحتاج إلى تكرار وقوة حتى ترسخ المعلومات ويترب المتعلم على الجلد والصبر وتحمل المشاق