بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو طالاً جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله ربيعة الرأو رحمه الله في ذات عشية من عشيات الصيف المقمرة بلغ المدينة المنورة فارس في أواخر العقد السادس من عمره ومضى في أزقتها راكباً جواده قاصداً داره وهو لا يدري إن كانت داره ما تزال قائمةً على عهده بها أم أن الأيام قد فعلت بها فعلها فلقد مضى على غيابه عنها ثلاثون عاماً أو نحواً من ذلك وكان يسائل نفسه عن زوجته الشابة التي خلفها في تلك الدار ما فعلت وعن جنينها الذي كانت تحمله بين جوانحها أوضعته ذكراً أم أنثا أحي هو أم ميت وأيذا كان حيا فما شأنه وعن ذلك المبلغ الكبير الذي جمعه من غنائم الجهاد وتركه وديعةً عندها حين مضى مجاهداً في سبيل الله مع الجيوش الإسلامية المتوجهة لفتح بخارا وسمر قند وما جاورهما ولقد كانت أزقة المدينة وشوارعها ما تزال عامرةً بالغادين والرائحين فالناس لم يفرغوا من صلاة العشاء إلا وشيكا لكن أحداً من هؤلاء الناس الذين مر بهم لم يعرفه ولم يأبه له ولم يلتفت إلى جواده المطهّم ولا إلى سيفه المتدلّي من عاتقه فسكان المدن الإسلامية كانوا قد ألفوا منظر المجاهدين الغادين إلى القتال في سبيل الله أو العائدين منه لكن ذلك كان سبباً في إثارة حزن الفارس وزدياد وساوسه وفيما كان الفارس سابحاً في أفكاره هذه ماضياً يتلمّس طريقه في تلك الأزقة التي عراها التغيير وجد نفسه فجأةً أمام داره وألفى بابها مشقوقا فأعجلته الفرحة عن الاستئذان على أهلها وولج من الباب وأوغل في صحن الدار سمع رب الدار صرير الباب فآطل من عليةه فرأى في ضوء القمر رجلاً متوشحاً سيفه متقلداً رمحه يقتحم عليه في الليل داره وكانت زوجته الشابة تقف غير بعيد عن مرما بصر الرجل الغريب فهب مغضباً ونزل إليه حافياً وهو يقول أتتستر بجنح الليل يا عدو الله وتقتحم منزلي وتهجم على حريمي واندفع نحوه كما يندفع الأسد الضاري إذا أريد عرينه بسوء ولم يدع له فرصةً للكلام وتواثب كل من الرجلين على صاحبه وعلى الجلبتهما وارتفع ضجيجهما وتدفق الجيران على البيت من كل صوب فأحاطوا بالرجل الغريب إحاطة الغل بالعنق وأعانوا جارهم عليه فأمسك به صاحب الدار وأحكم قبضته على خناقه وقال والله لا أطلقك يا عدو الله إلا عند الوالي فقال الرجل ما أنا بعدو الله ولم أرتكب ذنبا وإنما هو بيتي وملك يميني وجدت بابه مفتوحاً فدخلته ثم التفت إلى الناس وقال يا قوم اسمعوا مني هذا البيت بيتي شريته بمالي يا قوم أنا فروخ ألم يبق في الجيران أحد يعرف فروخا الذي غدا منذ ثلاثين عاماً مجاهداً في سبيل الله وكانت واردة صاحب الدار نائمة فاستيقظت على الضجيج وأطلت من نافذة عليةها فرأت زوجها بشحمه ولحمه فكادت تعقد الدهشة لسانها لكنها ما لبثت أن قالت دعوه دعه يا ربيعة دعه يا ولدي إنه أبوك انصرفوا عنه يا قوم بارك الله عليكم حذاري يا أبا عبد الرحمن إن هذا الذي تتصدى له ولدك وفلذة كبدك فما كادت كلماتها تلامس الآذان حتى أقبل فروخ على ربيعة وجعل يضمه ويعانقه وأقبل ربيعة على فروخ وطفق يقبل يديه وعنقه ورأسه وانفض عنهما الناس ونزلت أم ربيعة تسلم على زوجها الذي ما كانت تظنظن أنها ستلقاه على هذه الأرض بعد أن انقطعت أخباره مدة تقارب ثلث قرن من الزمان جلس فروخ إلى زوجته وطفق يحدثها عن أحواله ويكشف لها عن أسباب قطاع أخباره ولكنها كانت في شغل شاغل عن كثير مما يقول فلقد نغص عليها فرحتها بالقائه واجتماع شمله بولده خوفها من غضبته على إضاعة كل ما أودعه لديها من مال كانت تقول في نفسها ماذا لو سألني الآن عن ذلك المبلغ الكبير الذي تركه أمانة عندي وأوصاني أن أنفق منه بالمعروف ماذا سيكون منه لو أخبرته أنه لم يبق منه شي أيقنعه قولي له إنني أنفقت ما تركه عندي على تربية ابنه وتعليمه أي صدق أن يد ابنه أندا من السحاب وأنه لا يبقي على دينار ولا درهم وأن المدينة كلها تعلم أنه أنفق على إخوانه الآلاف المؤلفة وفيما كانت أم ربيعة غارقة في هواجسها هذه التفت إليها زوجها وقال فأخرج المال الذي أودعته عندك لنضم هذا إليه ونشتري بالمال كله بستانا أو عقارا نعيش من غلته ما امتدت بنا الحياة فتشاغلت عنه ولم تجبه بشي فأعاد عليها الطلب وقال هيا أين المال حتى أضم إليه ما معي لقد وضعته حيث يجب أن يوضع وسأخرجه لك بعد أيام قليلة إن شاء الله وقطع صوت المؤذن عليهم الحديث فهب فروخ إلى إبريقه ثم مضى مسرعا نحو الباب وهو يقول أين ربيعة فقالوا سبقك إلى المسجد منذ النداء الأول أنك تدرك الجماعة بلغ فروخ المسجد فوجد أن الإمام قد فرع وشيكا من الصلاة فأدى المكتوبة ثم مضى نحو الضريح الشريف فسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ثم انثنى نحو الرودة المطهرة فقد كانت في فؤاده أشواق إليها وحنين إلى الصلاة فيها فتخير لنفسه مكانا في رحابها النظرة ثم جعل يتنفل فصلى ما شاء الله أن يصلي ثم دعى بما ألهم أن يدعو ولما هم بمغادرة المسجد وجد باحته قد غصت على رحبها بمجلس من مجالس العلم لم يشهد له نظيرا من قبل ورأى الناس قد تحلقوا حول شيخ المجلس حلقة اثر حلقه حتى لم يتركوا في الساحة موطئا لقدم وأجال بصره في الناس فإذا فيهم شيوخ معممون ذو أسنان ورجال متوقرون تدل هيئاتهم على أنهم ذو أقدار وشبان كثيرون قد جثوا على ركبهم وأخذوا أقلامهم بأيديهم وجعلوا يلتقطون ما يقوله الشيخ كما تلتقط الدرر ويحفظونه في دفاترهم كما تحفظ الأعلاق النفيسة وكان الناس متجهين بأبصارهم إلى حيث يجلس الشيخ منصتين إلى كل ما يلفظ من قول حتى لك أن على رؤوسهم الطير وكان المبلغون ينقلون ما يقوله الشيخ فلا يفوت أحدا شيء من كلامه مهما كان بعيدا وحاول فروق أن يتبين صورة الشيخ فلم يفلح لموقعه منه وبعده عنه لقد راعه منه بيانه المشرق وعلمه المتدفق وحافظته العجيبة وأدهشه خضوع الناس بين يديه حتى ختم الشيخ مجلسه ونهض واقفا فهب الناس متجهين نحوه وتزاحموا عليه وأحاطوا به واندفعوا وراءه يشيعونه إلى خارج المسجد وهنا التفت فروق إلى رجل كان يجلس بجانبه وقال قل لي بربك من الشيخ فقال الرجل باستغراب فقال فروق بلى فقال الرجل وهل في المدينة رجل واحد لا يعرف الشيخ فقال فروق أعذرني إذا كنت لا أعرفه فلقد أمضيت نحو من ثلاثين عاما بعيدا عن المدينة ولم أعد إليها إلا أمس فقال الرجل لا بأس ثم قال إن الشيخ الذي استمعت إليه سيد من سادات التابعين وعلم من أعلام المسلمين وهو محدث المدينة وفقيهها وإمامها على الرغم من حداثة سنه فقال فروق ما شاء الله لا قوة إلا بالله فأتبع الرجل يقول وإن مجلسه يضمك ما رأيت مالك بن أنس وأبا حنيفة النعمان ويحي بن سعيد الأنصاري وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن عمر الأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم وغيرهم فقال فروق غير أنك فلم يتح له الرجل فرصة لإتمام كلامه موطأ الأكناف سخي اليد فما عرف أهل المدينة أحدا أوفر منه جودا لصديق وبن صديق ولا أزهد منه في متاع الدنيا ولا أرغب منه بما عند الله فقال فروق ولكنك لم تذكر ليسمه فقال الرجل إنه ربيعة الرأي فقال فروق ربيعة الرأي فقال الرجل نعم إن اسمه ربيعة لكن علماء المدينة وشيوخها دعوه ربيعة الرأي لأنهم كانوا إذا لم يجدوا لقضية نصا في كتاب الله أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لجأوا إليه فيجتهد في الأمر ويقيس ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص ويأتيهم بالحكم فيما أشكل عليهم على وجه تركن إليه النفوس وتطمئن له القلوب فقال فروق في لهفة ولكنك لم تنسبه لي فقال الرجل إنه ربيعة بن فروق المكنى بأبي عبد الرحمن لقد ولد بعد أن غادر أبوه المدينة مجاهدا في سبيل الله فقال أمه تربيته وتنشئته ولقد سمعت الناس قبيل الصلاة يقولون إن أباه عاد الليلة الماضية عند ذلك تحدرت من عيني فروق دمعتان كبيرتان لم يعرف لهم الرجل سببا ومضى يحث الخطى نحو بيته فلما رأته أم ربيعة ما بك يا أبا ربيعة فقال ما بي إلا الخير لقد رأيت ولدنا ربيعة في مقام من العلم والشرف والمجد ما رأيته لأحد من قبل فاغتنمت أم ربيعة الفرصة وقالت أي ما أحب إليك ثلاثون ألف دينار أم هذا الذي بلغه ولدك من العلم والشرف فقال بل والله هذا أحب إليك وأثر عندي من مال الدنيا كله فقالت لقد أنفقت ما تركته عندي عليه فهل طابت نفسك بما فعلت فقال نعم وجزيتي عني وعنه وعن المسلمين خير الجزاء كانوا هنا يسقون غيما حياتنا فما مو فينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دنيا الأنا