بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عمر بن الجموح رضي الله عنه عمر بن الجموح زعيم من زعماء يثرب في الجاهلية وسيد بني سلمة المسود وواحد من أجواد المدينة وذوي المرؤات فيها وقد كان من شأن الأشراف في الجاهلية أن يتخذ كل واحد منهم صنما لنفسه في بيته ليتبرك به عند الغدو والرواح وليذبح له في المواسم وليلجأ إليه في الملمات وكان صنم عمر بن الجموح يدعى مناه وقد اتخذه من نفيس الخشب وكان شديد الإصراف في رعايته والعناية به وتضميخه بن فائس الطيب كان عمر بن الجموح قد جاوز 60 من عمره حين بدأت أشعة الإيمان تغمر بيوت يثرب بيتا فبيتا على يد المبشر الأول مصعب بن عمير فآمن على يديه أولاده الثلاثة معوذ ومعاذ وخلاد وترب لهم يدعى معاذ بن جبل وآمنت مع أبنائه الثلاثة أمهم هند وهو لا يعرف من أمر إيمانهم شيئا رأت هند زوجة عمر بن الجموح أن يثرب غلب على أهلها الإسلام وأنه لم يبق من السادة الأشراف أحد على الشرك سوى زوجها ونفر قليل معه وكانت تحبه وتجله وتشفق عليه من أن يموت على الكفر فيصير إلى النار وكان هو في الوقت نفسه يخشى على أبنائه أن يرتدوا عن دين أبائهم وأجدادهم وأن يتبعوا هذا الداعية مصعب بن عمير الذي استطاع في زمن قليل أن يحول كثيرا من الناس عن دينهم وأن يدخلهم في دين محمد فقال لزوجته يا هند احذري أن يلتقي أولادك بهذا الرجل يعني مصعب بن عمير حتى نرى رأينا فيه فقالت سمعا وطاعة ولكن هل لك أن تسمع من ابنك معاذ ما يرويه عن هذا الرجل فقال ويحكي وهل صبأ معاذ عن دينه وأنا لا أعلم فأشفقت المرأة الصالحة على الشيخ وقالت كلا وحفظ شيئا مما يقوله فقال ادعوه إلي فلما حضر بين يديه قال أسمعني شيئا مما يقوله هذا الرجل فقال فقال ما أحسن هذا الكلام وما أجمله أو كل كلامه مثل هذا فقال معاذ وأحسن من هذا يا أبتاه هل لك أن تبايعه فقومك جميعا قد بايعوه سكت الشيخ قليلا ثم قال لست فاعلا حتى أستشير مناه فأنظر ما يقول فقال له الفتاة وما عسى أن يقول منات يا أبتاه هو خشب أصم لا يعقل ولا ينطق فقال الشيخ في حدة ثم قام عمر بن الجموح إلى مناه وكانوا إذا أرادوا أن يكلموه جعلوا خلفهم رآة عجوزة فتجيب عنه بما يلهمها إياه في زعمهم ثم وقف أمامه بقامته الممدودة وعتمد على رجله الصحيحة فقد كانت الأخرى عرجاء شديدة العرج فأثنى عليه أطيب الثناء ثم قال يا مناه لا ريب أنك قد علمت بأن هذا الداعية الذي وفد علينا من مكة لا يريد أحدا بسوء سواك وأنه إنما جاء لي انهانا عن عبادتك وقد كرهت أن بايعه على الرغم مما سمعته من جميل قوله حتى أستشيرك فأشر علي فلم يرد عليه منات بشيء لعلك قد غضبت وأنا لم أصنع شيئا يؤذيك بعد ولكن لا بأس فسأتركك أياما حتى يسكت عنك الغضب كان أبناء عمر بن الجموح يعرفون مدى تعلق أبيهم بصنمه مناه وكيف أنه غدا مع الزمني قطعة منه ولكنهم أدركوا أنه بدأت تتزعزع مكانته في قلبه وأن عليهم أن ينتزعوه من نفسه انتزاعا فذلك سبيله إلى الإيمان أدلج أبناء عمر بن الجموح مع صديقهم معاد بن جبل إلى منات في الليل وحملوه من مكان وذهبو به إلى حفرة لبني سلمة يرمون بها أقدارهم وطرحوه هناك وعادوا إلى بيوتهم دون أن يعلم بهم أحد فلما أصبح عمر دلف إلى صنمه لتحيته فلم يجد فقال وي لكم من عدا على إلهنا هذه الليلة فلم يجبه أحد بشي فطفق يبحث عنه في داخل البيت وخارجه وهو يرغي ويزبد ويتهدد ويتوعد حتى وجده منكسا على رأسه في الحفرة وطهره وطيبه وآعاده إلى مكانه وقال له أما والله لو أعلم من فعل هذا لأخزيته فلما كانت الليلة الثانية عد الفتية على مناه ففعلوا فيه مثل فعلهم بالأمس فلما أصبح الشيخ التمسه فوجده في الحفرة ملطخا بالأقدار وما زال الفتية يفعلون بالصلم مثل ذلك كل يوم فلما ضاق بهم ذرعا راح إليه قبل منامه وأخذ سيفه فعلقه برأسه وقال له يا مناه إني والله ما أعلم من يصنع بك هذا الذي ترى فإن كان فيك خير فدفع الشر عن نفسك وهذا السيف معك فما إن استيقن الفتية من أن الشيخ قد غط في نومه حتى هبوا إلى الصنم فأخذوا السيف من عنقه وذهبوا به خارج المنزل وقرنوه إلى كلب ميت بحبل وألقوا بهما في بئر لبني سلمة تسيل إليها الأقدار وتتجمع فيها فلما استيقظ الشيخ ولم يجد الصنم خرج يلتمسه فجده مكبا على وجهه في البئر مقرونا إلى كلب ميت وقد سلب منه السيف فلم يخرجه هذه المرة من الحفرة وإنما تركه حيث ألقوه وأنشأ يقول والله لو كنت إله لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن ثم ما لبث أن دخل في دين الله تذوق عمر بن الجموح ما جعله يعض بنان الندم على كل لحظة قضاها في الشرك فأقبل على الدين الجديد بجسده وروحه ووضع نفسه وماله وولده في طاعة الله وطاعة رسوله وما هو إلا قليل حتى كانت أحد فرأى عمر بن الجموح ابناءه الثلاثة يتجهزون لليقاء أعداء الله ومعنهم غادين رائحين كأسد الشرى وهم يتوهجون شوقا إلى نيل الشهادة والفوز بمرضاة الله فأثار الموقف حميته وعزم على أن يغدو معهم إلى الجهاد تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن الفتية أجمع على منع أبيهم مما عزم عليه فهو شيخ كبير طاعن في السن وهو إلى ذلك أعرج شديد العرج وقد عذره الله عز وجل في من عذرهم فقالوا له يا أبانا إن الله عذرك فعلام تكلف نفسك ما أعفاك الله منه فغضب الشيخ من قولهم أشد الغضب وانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوهم يا نبي الله إن أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير وهم يتذرعون بأني أعرج والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لأبنائي دعوه لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة فخلوا عنه إذ عانا لأمر رسول الله وما إن أزف وقت الخروج حتى ودع عمر بن الجموح زوجته وداع مفارق لا يعود ثم اتجه إلى القبلة ورفع كفيه إلى السماء وقال اللهم رزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي خائبا ثم انطلق يحيط به أبناؤه الثلاثة وجموع كبيرة من قومه بني سلمة ولما حمي وطيس المعركة وتفرق الناس عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه شهد عمر بن الجموح يمضي في الرعيل الأول ويثب على رجله الصحيحة وثبا وهو يقول إني لمشتاق إلى الجنة إني لمشتاق إلى الجنة وكان وراءه ابنه خلاد وما زال الشيخ وفتاه يجالدان حتى خرى صريعين شهيدين على أرض المعركة ليس بين لابن وأبيه إلا لحظات وما إن وضعت المعركة أوزارها حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شهاداء أحد ليواريهم ترابهم فقال لأصحابه خلوهم بدمائهم وجراحهم الشهيد عليهم ثم قال ما من مسلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة يسيل دما اللون كلون الزعثران والريح كريح المسك ثم قال ادفنوا عمر بن الجموح مع عبد الله بن عمر فقد كان متحاب بين متصافيين في الدنيا رضي الله عن عمر بن الجموح وأصحابه من شهاداء أحد ونور لهم في قبورهم عمر بن الجموح شيخ عزم على أن يطأ بعرجته الجن