رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية وعن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم رواه مسلم لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم أي لا يثيبكم عليها لأن ذات الإنسان غير محكوم فيها وإنما المكلف به هي الأفعال المتعلقة بالذات من فوائد الحديث ثواب الأعمال يكون بمن عقد عليه القلب من إخلاص وحسننية الاعتناء بإصلاح القلب مقدم على إصلاح الجوارح لأنها تتبع أمره ونهية فإذا صلح القلب صلح الجسد كله وأذا فسد القلب فسد الجسد كله الإنسان مسؤول ومحاسب على نيته وعمله فينبغي عليه العناية بهما قد تصلح أعمال الإنسان وتفسد نيته ومع ذلك فيعامل بظاهر أعماله وتترك سريرته لله تعالى وعن أبي موسى عبد الله بن قيسن الأشعري رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله متفق عليه حمية أي أنفة وغيره ومحاماة عن عشيرته أو أهله أو أصدقائه رياء أي مراءة للناس ليروا قتاله فيحمد وينال بذلك شيئا من حبوظ النفس كلمة الله أي دين الله سئل السائل هنا هو لاحق بن ضمرة الباهلي رضي الله عنه من فوائد الحديث الأعمال الصالحة تحتسب بالنيه الصالحة فضل الجهاد يكون لمن قاتل في سبيل الله إعلاء لكلمة الله ليكون الدين كله لله وجوب تقدم العلم على العمل تضمنه سؤال السائل فهو لم يقاتل ثم يسأل وإنما سأل ليعلم المشروع فيعمل به ذم الحرص على الدنيا وعلى القتال لحضوظ النفس في غير طاعة الله وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا التق المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه متفق عليه التق المسلمان بسيفيهما أي قصد كل منهما قتل صاحبه من فوائد الحديث من عزم على معصية بقلبه ووطن نفسه عليها وباشر أسبابها استحق العقوبة وأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه خواطر القلب ووساويس النفس من المعفو عنه التحذير من اقتتال المسلمين لأن ذلك يؤدي إلى ضعفهم وفشلهم وسخط الله عليهم المراد من الاقتتال المنهي عنه هو ما كان على الدنيا جهلا أو بغيا أو ظلما أو اتباعا للهوى وليس المراد نصرة الحق وقتال الفئة الباغية حتى تفيئ إلى أمر الله دخول النار لا يستلزم منه الخلود فيها وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الرجل جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعا وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لا ينهزه إلا الصلاة لم يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون اللهم أرحم اللهم أغفر له اللهم تب علي ما لم يؤذي فيه ما لم يحدث فيه متفق عليه وهذا لفظ مسلم وقوله صلى الله عليه وسلم ينهز أي يخرجه وينهضه البضع ما بين الثلاثة إلى التسعة أحسن الوضوء أي أسبغه كما أمر حطى أي محى ما لم يحدث أي ما لم ينقض وضوءه ما يستفاد من الحديث صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد ببضع وعشرين درجة من وظائف الملائكة الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم استحباب انتظار الصلاة إلى الصلاة استحباب بقاء المسلم على وضوء الإخلاص معتبر في تحقيق هذا الثواب الصلاة أفضل من غيرها من الأعمال لما ذكر من دعاء الملائكة للمصلي وعن أبي العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما ع الرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله تبارك وتعالى عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة متفق عليه فيما يرويه عن ربه أي من الأحاديث القدسية وهو ما أخبر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم بالإلهام أو رؤيا المنام أو غير ذلك من كيفيات الوحي فعبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه وليس له حكم القرآن من حيث الإعجاز والتواتر وحرمة حمل ما هو مكتوب عليه على غير المتوضع وغير ذلك مما يختص به القرآن الكريم هم أي عزم من فوائد الحديث كمال علم الله الذي لا تعزب عنه مثقال ذرة في السماء أو في الأرض ولا أصر من ذلك ولا تخفى عليه خافية من أعمال الملائكة كتابة الحسنات والسيئات فقد وكل الله بالعبد حفظة كراما كاتبين يعلمون ما يفعل ويستنسخون ما يعمل أحصاه الله ونسوه سعة رحمة الله وفضله وعظيم كرمه فقد جعل العدل في السيئة فلم يضاعفها والعفو في الهم بها وجعل الفضل في الحسنة فضاعفها وجعل الكرم في الإثابة عليها بمجرد الهم التفكير في الحسنات سبب في عملها التذكر قبل السيئات يردع عنها أن من هم بسيئات ثم رجع عنها لله تعالى لا لشيء آخر كتبت له حسنة لأن رجوعه عن العزم عليها خير وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله تعالى بصالح أعمالكم قال رجل منهم اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأبي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه قال الآخر اللهم كانت لابنة عم كانت أحب الناس إلي وفي رواية كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني وعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها وفي رواية فلما قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها وقال الثالث اللهم إن استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أد إلي أجري فقلت كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال يا عبد الله لا تستهزئبي فقلت لا أستهزئ بك فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون متفق عليه نفر اسم جمع يقع على عدد مخصوص من الرجال ولا واحد له من لفظه وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم عدتهم وأنهم ثلاثة رجال آواهم المبيت دخلوا الغارة للمبيت فيه لا أغبق من الغبوق وهو الشرب بالعشي والصبوح الشرب بالصباح والمعنى لا أقدم عليهما أحدا من زوجة أو ولد أو عبد أو أمه ولا أوثر عليهما أبدا نآبي طلب الشجر أي استطرد مع غنمه في الرعي إلى أن بعد عن مكانه زيادة على العادة لذلك أبطى فلم أرح أي لم أرجع برق الفجر أي أضاق يتضاغون أي يتصايحون ببكاء من شدة الجوع اللهم إن كنت تعلم هذا ليس شكا في كمال علم الله لأن المؤمن يعلم قطعا أن الله يعلم ذلك ولكنه تردد في عمله ذلك أهو مقبول عند الله أم لا وهذا من صفات المؤمن الذي يخشى ألا يتقبل منه مع جده واجتهاده ابتغاء وجهك أي طلبا لرضاك بإخلاص وتجرد فأردتها عن نفسها أي طلبت منها ما يطلب الرجل من زوجته ألمت بها أي نزلت بها السنة أي الجدب لا تفض الخاتم أي لا تكسر والخاتم كناية عن الفرج والمعنى لا تزل عفافي إلا بزواج صحيح فثمرت أجره أي كثرت أجره بتنميته حتى أصبح مالا كثيرا من فوائد الحديث استحباب الدعاء عند الكرب وأن ذلك من موجبات استجابة الدعاء مشروعية التوسل إلى الله بالعمل الصالح ومثله التوسل بصفات الله وأسمائه ومثله التوسل بدعاء الرجل الصالح وأما التوسل بذوات الأنبياء والأولياء وقبورهم فلا أصل له بل هو باب من أبواب الشرك من أسباب استجابة الدعاء الإخلاص في الدعاء والتعرف على الله في الرخاء فإن هؤلاء الرجال المؤمنين واستذكروا أعمالا صالحة كانوا تعرفوا فيها على الله في أوقات الرخاء راجين أن يتعرف إليهم ربهم مقابلها في أوقات الشدة فضل بر الوالدين وخدمتهما وإيثارهما على الولد والأهل وتحمل المشقة لأجلهما الحب على العفاف ولنكفاف عن الحرام ولا سيما بعد القدرة عليه والهم بفعله فضل حسن العهد وأداء الأمانة والسماحة في المعاملة إثبات كرامات أولياء الله الصالحين وهم الذين آمنوا وكانوا يتقون وهم يستترون بها مخافة الرياء إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا استجابة دعاء من توجه إلى الله تعالى بصدق وإخلاص في الشدائد ولا سيما من سبق له عمل صالح ختم الإمام النووي رحمه الله الباب بهذا الحديث إشارة إلى أن الإخلاص حبل النجاة وطوق الحياة وأنه لا ينجو من كرب الدنيا وأهوال الآخرة إلا المخلصون رياض الصالحين