بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة ان تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله أسامة بن زيد رضي الله عنه نحن الآن في السنة السابعة قبل الهجرة في مكة ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه يكابد من أذى قريش له ولأصحابه ما يكابد ويحمل منهم من دعوة وأعبائها ما أحال حياته إلى سلسلة متواصلة من الأحزان والنوائب وفيما هو كذلك أشرقت في حياته بارقة سرور فلقد جاءه البشير يبشره أن أم أيمن وضعت غلاما فأضاءت أساريره عليه الصلاة والسلام بالفرحة وأشرق وجهه الكريم بالبهجة فمن يكون هذا الغلام السعيد الذي أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كل هذا السرور إنه أسامة بن زيد ولم يستغرب أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهجته بالمولود الجديد وذلك لموضع أبويه منه ومنزلتهما عنده فأم الغلام هي بركة الحبشية المكناة بأم أيمن وقد كانت مملوكة لآمنة بنت وهب أم الرسول عليه الصلاة والسلام فربته في حياتها وحضنته بعد وفاتها ففتح عينيه على الدنيا وهو لا يعرف لنفسه أما غيرها فأحبها أعمق الحب وأصدقه وكثيرا ما كان يقول هي أمي بعد أمي وبقية أهل بيتي هذه أم الغلام المحظوظ أما أبوه فهو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وبنه بالتبني قبل الإسلام وصاحبه وموضع سره وأحد أهله وأحب الناس إليه بعد الإسلام وقد فرح المسلمون بمولد أسامة بن زيد كما لم يفرحوا بمولود سواء ذلك لأن كل ما يفرح النبي يفرحهم وكل ما يدخل السرور على قلبه يسرهم فأطلقوا على الغلام المحظوظ لقب الحب وبن الحب ولم يكن المسلمون مبالغين حين أطلقوا هذا اللقب على الصبي الصغير أسامة فقد أحبه الرسول صلوات الله وسلامه عليه حبا تغبطه عليه الدنيا كلها فقد كان أسامة مقاربا في السن لسبطه الحسن بن فاطمة الزهراء وكان الحسن أبيض أزهر رائع الحسن شديد الشبه بجده رسول الله وكان أسامة أسود البشرة أفطس الأنف شديد الشبه بأمه الحبشية لكن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ما كان يفرق بينهما في الحب فكان يأخذ أسامة فيضعه على إحدى فقذيه ويأخذ الحسن فيضعه على فقذه الأخرى ثم يضمهما معا إلى صدره ويقول اللهم إني أحبهما فأحبهما وقد بلغ من حب الرسول لأسامة أنه عثر ذات مرة بعتبة الباب فشجت جبهته وسالت دم من جرحه فأشار النبي صلوات الله وسلامه عليه لعائشة لضوان الله عليها أن تزيل الدم عن جرحه فلم تطب نفسها لذلك فقام إليه النبي صلوات الله وسلامه عليه وجعل يمص شجته ويمج الدم وهو يطيب خاطره بكلمات تفيض عذوبة وحنانة وكما أحب الرسول صلوات الله وسلامه عليه أسامة في صغره فقد أحبه في شبابه فلقد أهدا حكيم بن حزام أحد سرات قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة ثمينة شراها من اليمن بخمسين دينارا ذهبا كانت لذيزا أحد ملوكهم فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل هدية لأنه كان يومئذ مشركة وأخذها منه بالثمن وقد لبسها النبي الكريم مرة واحدة في يوم جمعه ثم خلعها على أسامة بن زيد فكان يروح بها ويغدو بين أترابه من شبان المهاجرين والأنصار ولما بلغ أسامة بن زيد أشده بدى عليه من كريم الشمائل وجليل الخصائل ما يجعله جديرا بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان ذكيا حاد الذكاء شجاعا خارق الشجاع حكيما يضع الأمور في مواضعها عفيفا يأنف الدنايا آلفا مألوفا يحبه الناس تقيا ورعا يحبه الله ففي يوم أحد جاء أسامة بن زيد مع نفر من صبيان الصحابة يريدون الجهاد في سبيل الله فأخذ الرسول منهم من أخذ ورد منهم من رد لصغار أعمارهم فكان في جملة المردودين أسامة بن زيد فتولى وعيناه الصغيرتان تفيضان من الدمع حزنا ألا يجاهد تحت راية رسول الله وفي غزوة الخندق جاء أسامة بن زيد أيضا ومعه نفر من فتيان الصحابة وجعل يشد قامته إلى أعلى ليجيزه رسول الله فرقله النبي عليه الصلاة والسلام وأجازة فحمل السيف جهادا في سبيل الله وهو ابن خمس عشرة سنة وفي يوم حنين حين هزم المسلمون ثبت أسامة بن زيد مع العباس عم الرسول وأبي سفيان بن الحارث بن عمه وستة نفر آخرين من كرام الصحابة فاستطاع الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الفئة الصغيرة المؤمنة الباسلة أن يحول هزيمة أصحابه إلى نصر وأن يحمي المسلمين الفارين من أن يفتك بهم المشركون وفي يوم مؤته جاهد أسامة تحت لواء أبيه زيد بن حارثة وسنه دون الثامنة عشرة فرأى بعينيه مصرع أبيه فلم يهن ولم يتضعضع وإنما ظل يقاتل تحت لواء جعفر بن أبي طالب حتى صرع على مرأى منه ومشهد ثم تحت لواء عبد الله بن رواحة حتى لحق بصاحبيه ثم تحت لواء خالد بن الوليد حتى استنقذ الجيش الصغير من براثن الروم قاد أسامة إلى المدينة محتسبا أباه عند الله تاركا جسده الطاهر على تخوم الشام راكبا جواده الذي استشهد عليه وفي السنة الحادية عشرة للهجرة أمر الرسول الكريم بتجهيز جيش لغزو الروم وجعل فيه أبا بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص وأبا عبيدة بن الجراح من جلة الصحابة وأمر على الجيش أسامة بن زيد وهو لم يجاوز العشرين بعد وأمره أن يوطئ الخيلة خوم البلقاء وقلعة الداروم القريبة من غزة من بلاد الروم وفيما كان الجيش يتجهز مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما اشتد عليه المرض انتظارا لما تسفر عنه حال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أسامة ولما ثقل على نبي الله المرض أقبلت عليه وأقبل الناس معي فدخلت عليه فوجدته قد صمت فما يتكلم من وطأة الداء فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي فعرفت أنه يدعو لي ثم ما لبث أن فارق الرسول الحياة وتمت البيعة لأبي بكر فأمر بإنفاذ بعث أسامة لكن فئة من الأنصار رأت أن يؤخر البعث وطلبت من عمر بن الخطاب أن يكلم في ذلك أبا بكر وقالت له فإن أبا إلا المضي فأبلغه عننا أن يولي أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة وما أن سمع الصديق من عمر رسالة الأنصار حتى وثب لها وكان جالسا وأخذ بلحية الفاروق وقال مغضبة ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه والله لا يكون ذلك ولما رجع عمر إلى الناس سألوه عن ما صنع فقال أمضوا ثكلتكم أمهاتكم فقد لقيتوا ما لقيتوا في سبيلكم من خليفة رسول الله ولما انطلق الجيش بقيادة قائده الشاب شيعه خليفة رسول الله ماشيا وأسامة راكب فقال أسامة يا خليفة رسول الله والله لتركبن أول أنزلا فقال أبو بكر والله لا تنزل والله لا أركب وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة ثم قال لأسامة أستودع الله دينك وآمانتك وخواتي مع ملك وأوصيك بإنفاذ ما أمرك به رسول الله ثم مال عليه وقال إن رأيت أن تعينني بعمر فأذن له بالبقاء معي فأذن أسامة لعمر بالبقاء مضى أسامة بن زيد بالجيش وأنفذ كل ما أمره به رسول الله فأوطأ خيل المسلمين تخوم البلقاء وقلعة الدار رومي من أرض فلسطين ونزع هيبة الرومي من قلوب المسلمين ومهد الطريق أمامهم لفتح ديار الشام ومصر والشمال الإفريقي كله حتى بحر الظلمات ثم عاد أسامة ممتطيا صهوة الجواد الذي استشهد عليه أبوه حاملا من الغنائم ما زاد عن تقدير المقدرين حتى قيل إنه ما رؤي جيش أسلم وأغنم من جيش أسامة بن زيد ظل أسامة بن زيد ممتدت به الحياة موضع إجلال المسلمين وحبهم وفاء لرسول الله وإجلالا لشخصه فقد فرض له الفاروق عطاء أكثر مما فرضه لابنه عبد الله بن عمر فقال عبد الله لأبيه يا أبتي فرضت لأسامة أربعة آلاف وفرضت لي ثلاثة آلاف وما كان لأبيه من الفضل أكثر مما كان لك وليس له من الفضل أكثر مما لي فقال الفاروق هيهات إن أباه كان أحب إلى رسول الله من أبيك وكان هو أحب إلى رسول الله منك فرضي عبد الله بن عمر بما فرض له من عطاء وكان عمر بن الخطاب إذا لقي أسامة بن زيد قال مرحبا بأميري فإذا رأى أحدا يعجب منه قال لقد أمره علي رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله هذه النفوس الكبيرة فما عرف التاريخ أعظم ولا أكمل ولا أنبل من صحابة رسول الله إن أبا أسامة كان أحب إلى رسول الله من أبيك وكان هو أحب إلى رسول الله منك من كلام الفاروق لبني