بسم الله الرحمن الرحيم قصة أمنا حوّاء يا حوّاء لماذا يحسدونك؟ يا حوّاء الكل يتحدث اليوم عن حقوقك ويطالب برفع الظلم عنك ويناصر قضاياك والكل يظهر الحرص عليك ولا يوجد أحد منهم يصرح بأنه عدوك ولكنهم لا يتفقون على طريق واحد بل طرقهم متناقضة متنافرة فمن هو الحريص عليك حقا ومن هو عدوك حقا من هنا تأتي أهمية قصة حوّاء في القرآن الكريم مع بيان عدوها الأول ومن يسير على طريقه من جنوده والطريقة التي يسلكها في تحقيق هدفه الكبير وهو إخراجك من الجنة ومصاحبته في النار فكيف تعرفين عدوك؟ أولا الكل يزعم أنه ناصح لك مدافع عن حقوقك فمن هو الصادق منهم؟ تأملي قصة إبليس لما أخرج من الجنة وأسكن فيها أبونا آدم وأمنا حوّاء ماذا فعل؟ قال تعالى قال خرج منها مذؤوما مدحورا لمن تبعك منهم لأمل أن جهنم منكم أجمعين ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلى فكلى من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهم الشيطان ليبدي لهمما وري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكون ملكين إلا أن تكون ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين أقسم بالله أنه ناصح لأبينا آدم وأمنا حواء والنتيجة أخرجهما من الجنة لأنه حسدهما على ما آتاهم الله من النعمة ثانيا لا بد أن تدرك يا حواء أن عدوك يعاديك لأنك تمتلكين نعمة عظيمة لا يمتلكهاه فيحسدك عليها قال ابن جرير الطبري رحمه الله قال الله لآدم يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلى من حيث شئتما فأسكن جل ثناؤه آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها وأباح لهما أن يأكل من ثمارها من أي مكان شاء منها ونهاهما أن يقرب ثمر الشجرة بعينها وقال ابن كثير رحمه الله يذكر تعالى أنه أباح لآدم عليه السلام ولزوجته حواء الجنة أن يأكل منها من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة فعند ذلك حسدهم الشيطان وسعى في المكر والوسوسة والخديعة ليسلبهما ماهما فيه من النعمة واللباس الحسن ثالثا ما هي النعمة التي تمتلكها المرأة المسلمة اليوم حتى يحسدها عدوها عليها يحسدونك يا حواء لأن لك في الإسلام مراتب لا يعرفونها ولا يجدونها عندهم ولا يستطيعون تحقيقها في واقعهم فهم يعرفون المرأة مقطوعة الصلة من كل جانب يعبث بها العابثون ثم ترما إذا انتهوا منها ليبحثوا عن غيرها يحسدونك يا حواء لأنك في الإسلام أم مكرمة معززة جعل لك من البر ثلاثة أضعاف مال الأب وألزم الأبناء برعايتك وحفظك إن أراد الجنة وقدمت رعايتك على الجهاد في سبيل الله فعن معاوية ابن جاهمة أن جاهمة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال هل لك من أم قال نعم فقال إلزمها فإن الجنة عند رجلها رواه أحمد وهم لا يعرفون الأمة وفضلها ولا يذكرونها إلا يوما في السنة إن ذكروها وأما رعايتها فعلى دور الرعاية المصطنعة يحسدونك يا حواء لأنك إن كنت خالة فلك حقوق الأم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الخالة بمنزلة الأم رواه البخاري فأولاد أختك يعطونك من الحقوق ما يعطون لأمهم وحنانك عليهم كحنان أمهم فالذين لا يعرفون الأم هل سيعرفون الخالة يحسدونك يا حواء لأنك في الإسلام بنت مصانة رعايتك ستر من النار وسبب لدخول الجنة وصحبة النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من رجل تدرك له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة رواه ابن ماجه وقال صلى الله عليه وسلم من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليه كن له سترا من النار رواه البخاري وقال صلى الله عليه وسلم من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه رواه مسلم أما هم فإنهم لا يعرفون تربية البنات ولا يلتفتون إليهن إذا بلغنا الثامنة عشرة من أعمارهن يحسدونك يا حواء لأنك في الإسلام زوجة لك كامل الحقوق الزوجية قال تعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ومن حقك أن ينفق عليك الرجل في كل أحوالك المهر عند الزواج والنفقة بعد الزواج حتى الماء الذي تشربينه يوفره لك طاعة لله يحسدونك يا حواء لأن الإسلام صان عرضك وفرض عقوبة على من يطعن فيه فقال تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات المهلكات الطعن في عرض العفيفات فقال وقدفوا المحصنات المؤمنات الغافلات رواه البخاري يحسدونك يا حواء لأن الله أكرمك بدين عظيم حفظ لك كرامتك من عبث العابثين وصانك بما يناسب فطرتك التي فطرك الله عليها فهل عرفت لماذا يحسدونك واعلمي يا حواء أن الإنعام والتكريم إنما هو لمن أطاع الله وأما من عصاه فمثله كمثل إبليس أمر فعصاه فاستحق الطرد من النعيم قال الطاهر بن عاشور رحمه الله وفي توجيه الخطاب لآدم بهذه الفضيلة بحضور إبليس بعد طرده زيادة إهانة لأن إعطاء النعم لمرضي عليه في حين عقاب من استأهل العقاب زيادة حسرة على المعاقب وإظهارا للتفاوت بين مستحق الإنعام ومستحق العقوب فلا يفيد الكلام من المعاني ما أفاده العطف على المقول المحكي ولأنه لو أريد ذلك لأعيد فعل القول ثم إن كان آدم خلق في الجنة فكان مستقرا بها من قبل فالأمر في قوله أسكن إنما هو أمر تقرير أي إبق في الجنة وإن كان آدم قد خلق خارج الجنة فالأمر للإذن تكريما له وأيا ما كان ففي هذا الأمر بمسمع من إبليس مقمعة لإبليس لأنه إن كان إبليس مستقرا في الجنة من قبل فالقمع ظاهر إذ أطرده الله وأسكن الذي تكبره عن السجود إليه في المكان المشرف الذي كان له قبل تكبره وإن لم يكن إبليس ساكنا في الجنة قبل فإكرام الذي احتقره وترفع عليه قمع له فقد دل موقع هذا الكلام في هذه السورة على معنى عظيم من قمع إبليس زائد على ما في آية سورة البقرة وإن كانت متماثلتين في اللفظ ولكن هذا المعنى البديع استفيد من الموقع وهذا من بدائع إعجاز القرآن ووجد إيثار هذه الآية بهذه الخصوصية أن هذا الكلام مسوق إلى المشركين الذين اتخذوا الشيطان وليا من دون الله فأما ما في سورة البقرة فإنه لموعظة بني إسرائيل وهم ممن يحذروا الشيطان ولا يتبعوا خطواته نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة أمنا حواء