بسم الله الرحمن الرحيم محمد رسول الله المختصر في السيرة النبوية من تأليف الشيخ موسى بالراشد العازم حفظه الله سرية الخبط الخبط هو ما سقط من ورق الشجر بالخبط والنفض روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيده نتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة فقلت كيف كنتم تصنعون بها قال نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر وهي سمكة بحرية كبيرة فقال أبو عبيدة ميته ثم قال لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطرتم فكلوا قال فآقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن ونقطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فآقامها ثم رحل أعظم بعير منا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق والوشائق جمع وشيقه وهو أن يؤخذ اللحم فيغلى قليلا ولا ينضج ويحمل في الأسفار فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا قال فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله وفي لفظ آخر في الصحيحين قال جابر رضي الله عنه وكان فينا رجل فلما اشتد الجوع نحر ثلاث جزائر ثم ثلاث جزائر ثم نهاه أبو عبيدة رضي الله عنه قال الحافظ في الفتح هذا الرجل هو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه فوائد من سرية الخبط قال الحافظ في الفتح فيستفاد من إباحة ميتة البحر سواء مات بنفسه أو مات بالاصطياد وهو قول الجمهور وقال الإمام بن القيم وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره على ذلك لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الاجتهاد وعدم تمكنهم من مراجعة النص وقد اجتهد أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة من الوقائع وأقرهما على ذلك لكن في قضايا جزئية معينة لا في أحكام عامة وشرائع كلية فإن هذا لم يقع من أحد من الصحابة في حضوره صلى الله عليه وسلم البتة وهم أهل المغازي في تاريخ هذه السرية ذهب عامة أهل المغازي إلى أن سرية الخبط وقعت في رجب من السنة الثامنة للهجرة وهذا فيه نظر قال الحافظ بن كثير ومقتضى أكثر هذه السياقات أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبية وقال الإمام بن القيم وهذا السياق يدل على أن هذه الغزوة كانت قبل الهدنة وقبل عمرة الحديبية فإنه من حين صالح أهل مكة بالحديبية لم يكن يرصد لهم عيرا بل كان زمن أمن وهدنة إلى حين الفتح ويبعد أن تكون سرية الخبط على هذا الوجه مرتين مرة قبل الصلح ومرة بعده والله أعلم وقال أيضا فصل في فقه هذه القصة ففيها جواز القتال في الشهر الحرام إن كان ذكر التاريخ فيها برجب محفوظ والظاهر والله أعلم أنه وهم غير محفوظ إذ لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غزا في الشهر الحرام ولا أغار فيه ولا بعث فيه سرية وقال الحافظ في الفتح تلقي عير قريش ما يتصور أن يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رجب سنة ثمان لأنهم كانوا حينئذ في الهدنة بل مقتضى ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست أو قبلها قبل هدنة الحديبية تنبيه مهم قلت وقع في صحيح مسلم غزوة للنبي صلى الله عليه وسلم شبيهة أحداثها بأحداث سرية الخبط وهو أيضا عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما الذي روا قصة سرية الخبط مع أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما فقال جابر رضي الله عنه سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بواط وهو يطلب المجدي بن عمر الجهني وكان الناضح يعقبه منا الخمسة والستة والسبعة إلى أن قال وكان قوت كل رجل منا في كل يوم تمره فكان يمصها ثم يصرها في ثوبه وكنا نختبط بقسينا ونأكل حتى قرحت أشداقنا إلى أن قال وشك الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عسى الله أن يطعمكم فأتينا سيف البحر فزخر البحر زخره أي ارتفعت أمواجه فألقى دابه فأورينا على شقها النار فاضطبخنا واشتوينا وآكلنا حتى شبعنا فدخلت أنا وفلان وفلان حتى عد خمسة في حجاج عينها ما يرانا أحد حتى خرجنا فآخذنا ضلعا من أضلاعه فقوّسناه ثم دعونا بأعظم رجل في الركب وأعظم جمل في الركب وأعظم كفل في الركب فدخل تحته ما يطاطئ رأسه ذكر الحافظ بن كثير أحداث سرية الخبط مع أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ثم قال وفي بعض روايات مسلم أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلمаны حين وجدوا هذه السمكة فقال بعضهم هي واقعة أخرى وقال بعضهم بل هي قضية واحدة ولكن كانوا أولاً مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة رضي الله عنه فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة رضي الله عنه والله أعلم وقال الحافظ في الفتح وظاهر سياق هذه القصة يقتضي مغايرة القصة المذكورة في الباب وهي من رواية جابر أيضا حتى قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين هذه واقعة أخرى غير تلك فإن هذه كانت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكره ليس بنص في ذلك لاحتمال أن تكون الفاء في قول جابر رضي الله عنه فأتينا سيف البحر هي الفصيحة وهي معقبة لمحذوف تقديره فأرسلنا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي عبيده فأتينا سيف البحر فتتحد القصتان وهذا هو الراجح عندي والأصل عدم التعدد ومما ينبه عليه هنا أيضا أن الواقدية زعم أن قصة بعث أبي عبيدة كانت في رجب سنة ثمان وهو عندي خطأ لأن في نفس الخبر الصحيح أنهم خرجوا يترصدون عير قريش وقريش في سنة ثمان كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة وقد نبهت على ذلك في المغازي وجوزت أن يكون ذلك قبل الهدنة في سنة ست أو قبلها ثم ظهر لي الآن تقوية ذلك بقول جابر رضي الله عنه في رواية مسلم هذه إنهم خرجوا في غزوة بواط وغزوة بواط كانت في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر وكان النبي صلى الله عليه وسلم خرج في مئتين من أصحابه يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف فبلغ بواط فلم يلقى أحدا فرجع فكأنه أفرد أبا عبيدة فيمن معه يرصدون العير المذكورة ويؤيد تقدم أمرها ما ذكر فيها من القلة والجهد والواقع أنهم في سنة ثمان كان حاله متسع بفتح خيبر وغيرها والجهد المذكور في القصة يناسب ابتداء الأمر فيرجح ما ذكرته والله أعلم المختصر في السيرة النبوية إن طال شوق العالمين لبعضهم فالشوق نحوك لا يحاط مداه صلى عليك الله ما رفع النداء وتحركت بالباقي شفاه