نسيم السحر نسيم السحر الخاتمة ها أنت قد عشت مع الحديث عن بعض الآلام الدنيوية الحسية منها والمعنوية ورأيت هبوب نسيم السلوان منها وشهدت كيف يصنع الحزن بأهله من العناء ويلفحهم بلها بالشقاء وكيف يأتي التخفيف من ذلك كالضماد على الجروح والماء على النار فيهون الداء وينطفئ وهج الألم وشاهدت الحياة الدنيا مهما زدانت تلوح في وجهها صور البؤس المتنوعة وتجري في دمها ألوان المنغصات المتعددة ونظرت حالي السعيد والشقي فيها فالسعيد يظن أن الحياة كل الحياة تبتسم له ويرسل كل متفتح فيها إليه قبل الفرح به والشقي يعتقد أن وجه الحياة بما فيها مكفهر إليه وأن كل شيء جميل فيها منزوع الجمال وليس الأمر كما اعتقد هذا أو ظن ذاك بل نظرة النفس بما فيها هي التي صورت الحياة جميلة أو قبيحة وأعطت الأشياء فيها صورة أخرى تخالف ما هي عليه وهاءنا بعد هذا التطواف المشترك بيننا أوصيك بوصايا أولاها عش الحياة بأفراحها وأتراحها ورخائها وشدتها وبتسامتها وبكائها وقلتها وكثرتها وأنت معتدل التعامل معها فلا تبالغ في العيش مع سرورها حتى ترى نفسك في سماء عالية لا يمكن معها الهبوط إلى أرض الكدر لأنك لو بالغت فتغيرت الحال بهجوم المكدر لكان سقوطك مدويا ولا تعش مع كدرها يائسا شديدا ضيق ولكن تعامل مع الكدر بقدره لأنك لو أغلقت منافذ الفرج أمام عينيك لكنت معذبا نفسك عذابا آخر بصنع يديك ثانيها الاستجابة لدواع الإسعاد وفتح طرق النفس لقبورها قد ينتهي سريعا فيعود المرء إلى مرافقة الوجع فلهذا لتكن عوامل السعادة راسخة في نفسك حاضرة معك مع كل الأحوال فإن رأيت أن مصابيحها بدأت تنطفئ في نفسك أو يخفط بعض ضوئها فيها فأعيد القراءة مرة أخرى في مجامع أنوار الإسعاد لتمد روحك بالطاقة من جديد ثالثها لتكن على يقين أن السعادة التامة الخالصة من كل شوب كدر ليست في هذه الدنيا بل في جنة الآخرة وأن الشقاء الكامل السالم من كل راحة ليس في هذا المنزل بل في منزل نار الجحيم في الآخرة فلهذا اجعل سعادتك الدنيوية مذكرا لك بالسعادة الأخروية فتسارع على الطريق الذي يوصلك إليها واجعل ما ينالك من الشقاء محذرا لك من الشقاء الأخروي فتمسك خطاك عن السير في السبل التي تؤدي إلى تلك الغاية المهلكة قال تعالى يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ