نسيم السحر في التناسي راحة هذه الحياة تحتاج منك قليلا من التغافل الإيجابي عما في تذكره كدر على النفس لأن اجترار تلك الذكريات الأليمة لا منفعت فيه حتى تحبذ استعادتها إلى الحاضر الذهني بل هناك أشياء قريبة من الحاضر يستحسن محوها من الخاطر لكي لا يتجهم وجه سعادة الإنسان فالماضي الحزين تناسه من خاطرك ولا تطلب بعثه بعد موته فإن اخراجه من قبر الماضي سيحيي أرقى النفس ويكدر صفاءها ويشقي حاضرها فيتصل الحزن بالواقع بعد أن انفصل عنه لا تبعث الحزن القديم فإنه يلقي على النفس الكآبة والكدر كم ساء يوم المرء حين أظله كمد تذكر حره وقد اندثر وتناس معروفك للناس لأنك قد تراهم يجحدونه أو يتناسونه بل قد يعاملونك كعدو لهم فتحزن حينئذ حزنا شديدا بأنهم لم يذكروا إحسانك إليهم فلهذا اعمل الخير للناس وانتظر الجزاء من الله فقط قال تعالى إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكور فتناس فضلك عليهم ولا تنتظر الجزاء منهم عليه ولا تأمن جحودهم له ولا تمن عليهم به حتى لا تحزن على فعل الخير وتجلد ذاتك المحسنة وقد مدح الحكماء والشعراء فعل المعروف وتناسيه قال الشاعر زاد معروفك عندي عظما أنه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته وهو عند الناس مشهور خطير وقال الآخر إذا تولوا عداوة كشفوا وإن تولوا صنيعة كتموا تظن من فقدك اعتدادهم أنهم أنعموا وما علموا يريد لا يعتدون بصنيعتهم وإنعامهم فكأنهم لم يعلموا بذلك لتناسيهم وغفلتهم عنه وتناس وتغافل كذلك عن تقصير الناس في تكريم حقك إذا كنت ذا فضل عليهم بعلم أو دعوة فربما تكون معلما لهم وداعيا فيهم وكم قد نفعهم الله بك غير أنك لا تجد من بعضهم التبجيل والتوقير وشكر ذلك الفضل الكبير فلو استحبرت هذا في نفسك فقد يحزنك ويندمك على ما قدمت لهم وهذا مدخل للشيطان لإحباط العمل وحجز النفس عن الاستمرار في الخير فعلم وادعو لوجه الله ولا تنتظر من الناس جزاء حسيا أو معنويا وإذا أردت أن تستريح أيضا فتناس العداوات السابقة ولا تطلب استرجاع ملفات الماضي المشبعة بعداء الأقارب أو الأباعد الذين أساء إليك بعداوتهم وسوء تعاملهم بل ادفن ذلك فإن سنح في خاطلك بعض ذلك فاصرفه عنك وأشغل بالك بغيره فقد جعل الله في مرور الزمان ما يخفف حر العداوات حتى تستريح النفوس ولو بقيت النفس على حالها وقت قدح زناد العداوة لما أطقنا الحياة فلهذا لا تحاول الرجوع مرة أخرى إلى عذاب النفس وما أحسن هذا التناسي في حق الإخوان والأخ الله الذين بدرت منهم بادرة عداوة وتنمر للمودة السابقة وما أعظم من تناسى ذلك وظل على وده وإخائه حكى الأصمعي عن بعض الأعراب أنه قال تناسى مساوئ الإخوان يدم لك ودهم ووصى بعض الأدباء أخا له فقال كل الود حافظا وإن لم تجد محافظا وللخل واصلا وإن لم تجد مواصلا قال الماوردي وحكي عن بنت عبد الله بن مطيع أنها قالت لزوجها طلحة بن عبد الرحمن بن عوفن الزهري وكان أجود قريش في زمانه ما رأيت قوما ألأم من إخوانك قال مه ولم ذلك قالت أراهم إذا أيسرت لزموك وإذا أعسرت تركوك قال هذا والله من كرمهم يأتوننا في حال القوة بنا عليهم ويتركوننا في حال الضعف بنا عنهم فانظر كيف تأول بكرمه هذا التأويل حتى جعل قبيح فعلهم حسنا وظاهر غدرهم وفاء وهذا محض الكرم ولباب الفضل وبمثل هذا يلزم ذوي الفضل أن يتأول الهفوات من إخوانهم وقال الشافعي لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العداوات نسيم السحر في إسعاد البشر