بسم الله الرحمن الرحيم محمد رسول المختصر في السيرة النبوية النسب النبوي الشريف هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضرب بن نزار بن معد بن عدنان ذكر هذا النسب النبوي الشريف الإمام البخاري في صحيحه وهذا القدر من نسبه صلى الله عليه وسلم متفق عليه بالإجماع نقل الإجماع على ذلك الإمام النووي والحافظ بن كثير والإمام بن القيم وغيرهم قال الحافظ بن كثير وهذا النسب الذي سقناه إلى عدنان لا مرية فيه ولا نزاع وهو ثابت بالتواتر والإجماع ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ورضاه ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين من شهر ربيع الأول من عام الفيل روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤيل عن صوم الاثنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ولد وفيه أنزل عليه واختلف في تحديد يوم الاثنين من شهر ربيع الأول الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالجمهور على أنه يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول واقتصر عليه بن إسحاق في السيرة وروا الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن قيس بن مخرمة رضي الله عنه قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل وروا الحاكم في المستدرك بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنه قال ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل أرضعت آمنة بنت وهب ولدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما وكانت قليلة لبن ثم أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب وذلك قبل أن تقدم حليمة السعدية روا الشيخان في صحيحيهما عن أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة فقال صلى الله عليه وسلم بنت أم سلمة قلت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن رضاعه صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد ثم أرضعت حليمة السعدية رسول الله صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد بن بكر وأقام عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين حتى فطمت ثم إنها طلبت من آمنة بنت وهب أن يبقى عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لما رأت البركات التي ظهرت قالت حليمة السعدية فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته فكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتي حتى كان غلاما جفرا حادث شق صدره صلى الله عليه وسلم الشريف وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعب مع الغلمان في بادية بني سعد إذ جاءه جبريل عليه السلام ومعه ملك آخر فشق عن صدره الشريف روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك بسند حسن الشواهد عن عتبة ابن عبد السلمي قال إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان أول شأنك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر فانطلقت أنا وبن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زادة فقلت يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا فانطلق أخي ومكثت عند البهم فأقبل طيران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه أهوه قال نعم فأقبل يبتدراني فأخذاني فبطحاني إلى القفى فشق بطني ثم استخرج قلبي فشقاه فأخرج منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه حص يعني خط فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة ثم انطلقا وتركاني وفرقت فرقا شديدا ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيته فأشفقت علي أن يكون ألبس بي فقالت أعيذك بالله فرحلت بعيرا لها فجعلتني على الرحل وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي فقالت أديت أمانتي وذمتي وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها ذلك وقالت إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام وروا الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقه فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في قست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا إن محمداً قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون قال أنس رضي الله عنه وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حادثة شق الصدر إلى أمه آمنة بنت وهب فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمره المبارك ست سنين ذهبت به أمه آمنة تزور أخوال جده عبد المطلب في يثرب وهي المدينة النبوية وفي طريق عودتهم إلى مكة توفيت آمنة بنت وهب في منطقة الأبواة وهي بين مكة والمدينة قال الإمام بن القيم ولا خلاف أن أمه صلى الله عليه وسلم ماتت بين مكة والمدينة بالأبواة منصرفها من المدينة من زيارة أخواله ولم يستكمل إذاك سبع سنين تولى عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما توفيت آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت كفالته لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين وقذف الله حب رسوله صلى الله عليه وسلم في قلب جده عبد المطلب حتى ما كان يفارقه حاكم في المستدرك بسند حسن وصححة عن كندير بن سعيد عن أبيه قال حججت في الجاهلية فإذا أنا برجل يطوف بالبيت وهو يرتجز ويقول رب رد إلي راكبي محمدا رده إلي واصطنع عندي يدا فقلت من هذا قالوا عبد المطلب بن هاشم بعث بابن ابنه محمد في طلب إبل الله ولم يبعث في حاجة إلا أنجح فيها وقد أبقى عليه فلم يلبث أن جاء محمد والإبل فاعتنقه وقال يا بني لقد جزعت عليك جزعا لم أجزعه على شيء قط والله لا أبعثك في حاجة أبدا لا تفارقني بعد هذا أبدا وفاة عبد المطلب ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنوات توفي جده عبد المطلب وقبل وفاته أوصبنه أبى طالب بحفظ وكفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم والسبب في اختياره لأبي طالب لأنه شقيق عبد الله من رد النبي صلى الله عليه وسلم كفالة عمِّ أبو طالب تول أبو طالبanın كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمره صلى الله عليه وسلم ثمان سنوات وظلت كفالته ورعايته وحمايته له إلى أن بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم حياطه ونصره حين بعثه الله أعز نصر فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة سنة خرج به عمه أبو طالب إلى الشام وذلك من تمام لطف أبي طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم من يقوم به إذا تركه بمكة وفي طريق هذه الرحلة رآه بحيرا راهب فعرفه بصفته في التورات والإنجيل وظهرت لمن كان مع أبي طالب من الآيات في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زاد أبى طالب في الوساط به والحرص عليه وأمر بحير أبى طالب أن يرجع برسول الله صلى الله عليه وسلم لأن لا يراه يهود في الشام فيعرفوه ويقتلوه فرجع به إلى مكة شهوده صلى الله عليه وسلم حلف الفضول شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف الفضول وهو ابن خمس عشرة سنة وسبب تسميتهم هذا الحلف بهذا الاسم ما ذكره ابن إسحاق في سيرته تداعت قبائل قريش على حلف فاجتمعوا في دار عبد الله ابن جدعان ابن عمر لشرفه وسنه فكان حلفهم عنده بنو هاشم وبنو المطالب وأسد ابن عبد العزة وزهرة ابن كلاب وتيم ابن مرة فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول وروا ابن إسحاق في السيرة بسند صحيح مرسل عن طلحة ابن عبد الله ابن عوفن الزهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد شهدت في دار عبد الله ابن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر نعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت وروا الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن عبد الرحمن ابن عوفن رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه رعي النبي صلى الله عليه وسلم الغنم عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في شبابه برعي الغنم وذلك قبل بعثته روا الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بعث الله نبيا إلا رعي الغنم فقال أصحابه وأنت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة وروا الإمام البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن عبدة ابن حزن رضي الله عنه قال تفاخر أهل الإبل وأصحاب الشاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم بُعِث موسى وهو راعي غنم وبُعِث داوود وهو راعي غنم وبُعِثت أنا وأنا أرعى غنما لأهلي بأجياد قال الحافظ في الفتح قال العلماء الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أولا أن يحصل له متمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم ثانيا ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعة ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبوع وغيره وعلم اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهله لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم ثالثا وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء خروجه صلى الله عليه وسلم في تجارة خديجة رضي الله عنها وزواجه بها ولما بلغ رسوله صلى الله عليه وسلم 25 سنة من عمره المبارك خرج إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد رضي الله عنها مع غلامها ميسرة فرأى ميسرة ما بهره من شأنه صلى الله عليه وسلم فرجع وأخبر سيدته خديجة رضي الله عنها بما رأى فرغبت في الزواج منه صلى الله عليه وسلم وذلك لما رجت في ذلك من الخير الذي جمعه الله لها وفوق ما يخطر ببال بشر فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وله من العمر 25 سنة واختلف في عمر خديجة رضي الله عنها لما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل 40 سنة وقيل 28 سنة وقيل غير ذلك والحق أنه لا يثبت شيء في عمرها رضي الله عنها حين تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول امرأة ماتت من نسائه ولم يتزوج عليها غيرها ورزق منها جميع أولاده وبناته إلا إبراهيم فكان من مارية القبطية تجديد بناء الكعبة أرادت قريش تجديد بناء الكعبة وذلك بسبب الوهن الذي أصاب بنائها وكان ذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة وشارك النبي صلى الله عليه وسلم قومه في بنائها روى الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه رضي الله عنه يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة قال فحله فجعله على منكبه فسقط مغشياً علي قال فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانا وفي رواية أخرى في الصحيحين قال جابر رضي الله عنه لما بنية الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة فقال العباس رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم إجعل إزارك على رقبتك فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء فقال أرني إزاري فشده عليه قال الحافظ في الفتح وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان مصوناً عما يستقبح قبل البعثة وبعدها وفيه النهي عن التعري بحضرة الناس وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود بيده الشريفة فلما بلغت قريش في بناء الكعبة إلى مضع الحجر الأسود تنازع في من يضعه حتى كادت أن تشتعل الحرب بينهم فاتفقوا على أن يحكموا بينهم أول من يدخل من باب بني شيبة ويقدر الله أن يكون أول من دخل عليهم من باب بني شيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك بسند صحيح واللفظ للحاكم عن عبد الله بن السائب قال إن قريشا اختلفوا في الحجر حين أرادوا أن يضعوه حتى كاد أن يكون بينهم قتال بالسيوف فقالوا اجعلوا بينكم أول رجل يدخل من الباب فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هذا الأمين وكانوا يسمونه في الجاهلية الأمين فقالوا يا محمد قد رضينا بك فدعا بثوب فبسطه ووضع الحجر فيه ثم قال لهذا البطن و لهذا البطن ليأخذ كل بطن منكم بناحية من الثوب ففعلوا ثم رفعوه وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه بيده وفي رواية أخرى في المستدرك ودلائر النبوة للبيهقي بسند حسن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لما أرادوا أن يضعوا الحجر تشاجروا في وضعه فقالوا أول من يخرج من هذا الباب فهو يضعه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل باب بني شيبة فأمر بثوب فبسط فوضع الحجر في وسطه ثم أمر رجلا من كل فخذ من أفخاذ قريش أن يأخذ بناحية الثياب فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فوضعه حفظ الله رسوله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة صان الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وحماه وطهره من دنس الجاهلية ومن كل عيب ومنحه كل خلق جميل حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالأمين لما شاهدوا من طهارته وصدق حديثه وأمانته صلى الله عليه وسلم قال الإمام ابن القيم ثم حبب الله إليه الخلوة والتعبد لربه وكان يخلو بغار حرا يتعبد فيه الليالي ذوات العدد وبغضت إليه الأوثان ودين قومه فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمره المبارك 40 سنة على الصحيح نزل عليه الوحي وهو في غار حرا روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حرا فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قلت أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حرا فجاءه الملك فقال اقرأ قال ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر فقال لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة رضي الله عنها كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقر الضيف وتعين على نوائب الحق فتور الوحي ونزوله مرة ثانية فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أول مرة من نزول جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم والحكمة من ذلك ليشتاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه مرة أخرى روى الإمام أحمد في مسنده بسند حسن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال حبس الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول أمره وحبب إليه الخلاء فجعل يخلو في حرا فبينما هو مقبل من حرا إذا أنا بحس من فوقي فرفعت رأسي فإذا الذي أتاني بحرا فوق رأسي على كرسي فلما رأيته جؤثت على الأرض فلما أفقت أتيت أهلي مسرعا فقلت دثروني دثروني فأتاني جبريل فقال يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فهجر وروا الشيخان في صحيحيهما والإمام أحمد في مسنده واللفظ لأحمد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال أخبرني جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثم فتر الوحي عني فترة فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجؤثت منه حتى هويت إلى الأرض فجأت أهلي فقلت زملوني زملوني زملوني فزملوني فأنزل الله تعالى يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فهجر ثم حمي الوحي بعد وتتابع قال الحافظ ابن كثير ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن ينذر قومهم ويدعوهم إلى الله فشمر صلى الله عليه وسلم عن ساق التكليف وقام في طاعة الله سبحانه أتم قيام يدعو إلى الله سبحانه كبير وصغير والحر والعبد والرجال والنساء والأسود والأحمر وذلك لعالمية رسالته صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون وكما قال وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين تنقسم الدعوة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قسمين مكية ومدنية والمكية تنقسم إلى قسمين سرية واستمرت ثلاث سنوات وجهرية باللسان فقط دون قتال وكانت من بداية السنة الرابعة للبعثة حتى الهجرة إلى المدينة الدعوة السرية بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو سرا من يثق به فأخبر زوجته خديجة بنت خويرد رضي الله عنها وبناته وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومولاه زيد بن حارثة وأول من آمن به من خارج بيته أبو بكر الصديق رضي الله عنه ودخل في دين الله في هذه الفترة المتقدمة من الدعوة من شرح الله صدره للإسلام فأسلم عدد قليل من الأوائل من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أسلم هؤلاء سرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع بهم ويرشدهم إلى الدين متخفيا لأن الدعوة كانت لا تزال فردية وسرية وكان الوحي قد تتابع وحمي نزوله بعد نزول أوائل سورة المدثر وبدأ الناس يتسامعون بدعوة الإسلام فدخل فيه في هذه الفترة السرية الفقراء والأرقاء أول دم أهريق في الإسلام كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم فبينما سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يومئذ رجلا من المشركين بلحي بعير فشجة فكان أول دم هريق في الإسلام وروا الحاكم في المستدرك بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال إن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أول من أهرق دم في سبيل الله ترامت هذه الأنباء إلى قريش فلم تعرها اهتماما ولعلها حسبت محمدا صلى الله عليه وسلم أحد أولئك الديانين الذين يتكلمون في الألوهية وحقوقها كما صنع أمية بن أبي الصلت وقس بن ساعدة وزيد بن عمر بن نفيل وأشباههم إلا أنها توجست خيفة من ذيوع خبره وامتداد أثره وأخذ التراقب على الأيام مصيره ودعوته مرت ثلاث سنين والدعوة لا تزال سرية فردية وخلال هذه الفترة تكونت جماعة من المؤمنين تقوم على الأخوة والتعاون وتبليغ الرسالة وتمكينها من مقامها ثم نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بإعلان الدعوة الصدع بالدعوة ثم نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين وخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء ما تعملون ونزل عليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين قال الإمام ابن القيم ثم نزل عليه صلى الله عليه وسلم فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين فأعلن صلى الله عليه وسلم بالدعوة وجاهر قومه وقال الحافظ ابن كثير ولم يكن في بني هاشم إذاك أشد إيمانا وإيقانا وتصديقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من علي رضي الله عنه ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان بعد هذا والله أعلم دعاؤه الناس جهرة على الصفا وانذاره لبطون قريش عموما وخصوصا حتى سما من سما من أعمامه وعماته وبناته لينبها بالأدنى على الأعلى أي إنما أنا نذير والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وروا الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه الآية وانذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فقالوا من هذا الذي يهتف فقالوا محمد فاجتمعوا إليه فقال يا بني فلان يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب فاجتمعوا إليه فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي قالوا ما جربنا عليك كذبا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد وروا الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله وأنذر عشيرتك الأقربين قال يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم وأن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من الله حماية أبي طالب بن أخيه صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعو خلافه وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء قال الحافظ ابن كثير وصان الله رسوله صلى الله عليه وسلم وحماه بعمه أبي طالب لأنه كان شريفا مطاعا فيهم نبيلا بينهم لا يتجاسرون على مفاجأته بشيء في أمر محمد صلى الله عليه وسلم لما يعلمون من محبته له وكان من حكمة الله بقاؤه على دينهم لما في ذلك من المصلحة موقف أبو لهب وزوجته من الدعوة كان موقف أبو لهب وزوجته أم جميل أروى بنت حرب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم العداوة أبد الدهر فإنه لما دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على جبل الصفا قام عمه أبو لهب فقال تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت فيه تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب قال الحافظ ابن كثير فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه عبد العز بن عبد المطلب وكنيته أبو عتبة وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه وكان كثير الأذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والبغضة له والإزدراء به والتنقص له ولدينه فائدة في تسمية أبي لهب قال الإمام القرطبي إنما كناه الله بأبي لهب لمعان أربعة الأول أنه كان اسمه عبد العز والعز صنم ولم يضف الله في كتابه العبودية إلى صنم الثاني أنه كان بكنيته أشهر منه باسمه فصرح به الثالث أن الاسم أشرف من الكنية فحطه الله عز وجل عن الأشرف إلى الأنقص إذ لم يكن بد من الإخبار عنه ولذلك دع الله تعالى الأنبياء بأسمائهم ولم يكني عن أحد منهم ويدلك على شرف الاسم على الكنية أن الله تعالى يسمى ولا يكنا وإن كان ذلك لظهوره وبيانه واستحالة نسبة الكنية إليه لتقدسه عنها رابعا أن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار فيكون أبا لها تحقيقا للنسب وإمضاءا للفأل والطيرة التي اختارها لنفسه عداوة أم جميل العورى هي أم جميل العورى بنت حرب ابن أمية وهي زوجة أبو لهب روا ابن حبان في صحيحه بسند صحيح بالشواهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت تبت يدا أبي لهب وتب جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر رضي الله عنه قال يا رسول الله إنها امرأة بذيئة وأخاف أن تؤذيك فلو قمت فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها لن تراني فجاءت فقالت يا أبا بكر إن صاحبك هجاني قال رضي الله عنه لا وما يقول الشعر قالت أنت عندي مصدق وانصرفت فقلت يا رسول الله لم ترك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لم يزل ملك يسترني عنها بجناحه وفي رواية الحاكم في المستدرك بسند صحيح إن شاء الله عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت لما نزلت تبت يدا أبي لهب وتب أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها والولة وفي يدها فهر وهي تقول مذم من أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لن تراني وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال وقرأ وإذا قرأت القرآنا جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني فقال لا ورب هذا البيت ما هجاك قال فولت وهي تقول قد علمت قريش أني بنت سيدها قال الحافظ ابن كثير وجدير أن يذكر هذا الحديث عند قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس وعند قوله تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا بعث قريش إلى أبي طالب فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عتبة وشيبة ابنى ربيعة وأبو سفيان ابن حرب وأبو البختري العاص ابن هشام والأسود ابن المطلب وأبو جهل عمر ابن هشام والوليد ابن المغيرة ونبيه ومنبه ابن الحجاج والعاص ابن وائل فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفها أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عننا وأما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيك فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه الوليد ابن المغيرة يحاور الرسول صلى الله عليه وسلم روى الحاكم في مستدركه وصححه والبيهقي في دلاء للنبوة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن الوليد ابن المغيرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فآته فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال لما قال ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله قال قد علمت قريش أني من أكثرها مالا قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له أو أنك كاره له قال وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعرف بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى وإنه ليحطم ما تحته قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه قال فدعني حتى أفكر فلما فكر قال هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت ذرني ومن خلقت وحيدا وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالساحر اتفقت قريش على وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالساحر كما وصفه لهم بذلك الوليد بن المغيرة قبحه الله فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدم الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره وكان من أشد قريش حماسة لذلك أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو جهل عمر بن هشام قبحهم الله روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك بسند حسن واللفظ لأحمد ع الربيعة بن عباد الديلي رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ويدخل في فجاجها والناس متقصفون عليه فما رأيت أحد يقول شيئا وهو لا يسكت يقول أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا إلا أن وراءه رجلا أحوال وضيء الوجه ذا غديرتين يقول إنه صابئ كاذب فقلت من هذا قالوا محمد بن عبد الله وهو يذكر النبوة قلت من هذا الذي يكذبه قالوا عمه أبو لهب وفي رواية أخرى أن الذي كان يتبعه صلى الله عليه وسلم أبو جهل فروى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن أشعث بن أبي الشعثاء قال حدثني شيخ من بني مالك بن كنانة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتخللها يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا قال وأبو جهل يحتي عليه التراب ويقول أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتترك اللات والعزة قال وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحافظ بن كثير كذا في هذا السياق أبو جهل وقد يكون وهما ويحتمل أن يكون تارة يكون ذا وتارة يكون ذا وأنهما كان يتناوبان على إذائه صلى الله عليه وسلم وقال ابن إسحاق وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها وخشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه فقال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه أولا إثارة الشبهات حول مصدر القرآن الكريم وبث الدعايات الكاذبة ونشر الإرادات الواهية حول تعليمه وحول شخصيته صلى الله عليه وسلم فكانوا يقولون وقالوا عن القرآن هذا إلا إفك نفتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملا عليه بكرتا وأصيلا ثانيا السخريات والاستهزاء والتكذيب فرموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون وقالوا يا أيها الذين ازل عليه الذكر إنك لم جنون قال ابن اسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلى عليهم القرآن ودعاهم إلى الله تعالى قالوا يهزأون به وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فعمل إننا عاملون وقال الله سبحانه وإذا رأاك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون وقال الله تعالى وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا قال الحافظ ابن كثير يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه وإذا رأاك الذين كفروا يعني كفار قريش كأبي جهل وأشباهه إن يتخذونك إلا هزوا أي يستهزئون بك وينتقصونك يقولون أهذا الذي يذكر آلهتكم يعنون أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم قال تعالى وهم بذكر الرحمن هم كافرون أي وهم كافرون بالله ومع هذا يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى في الآية الأخرى وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا وقال تعالى ولقد استهزئ برسول من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون قال الإمام القرطبي قال تعالى مؤنسا لنبيه عليه الصلاة والسلام ومعزيا ولقد استهزئ برسول من قبلك فحاق أي نزل بأممهم من العذاب ما أهلكوا به جزاء استهزائهم بأنبيائهم ثالثا معارضة القرآن بأساطير الأولين لإشغال الناس بها عنه وقد تولى ذلك النضل بن الحارث وكان من شياطين قريش وكان قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس قال ابن هشام وهذا الذي قال فيما بلغني سأنزل مثل ما أنزل الله وقال ابن اسحاق وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول فيما بلغني نزل فيه ثمان آيات من القرآن قول الله عز وجل إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن تعذيب قريش من أسلم استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا وسرا وجهرا لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد ولا يصده عن ذلك صاد يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم ومواقف الحج يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي وغني وفقير جميع الخلق في ذلك عنده شرع سوا وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشرك قريش بالأذية القولية والفعلية قال ابن إسحاق ثم إنهم عدو على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من آمن فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر من استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم فمنهم من يفتنوا من شدة البلاء الذي يصيبه ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم وقال الإمام ابن القيم وحمى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب لأنه كان شريفا معظما في قريش مطاعا في أهل مكة لا يتجاسرون على مكاشفته بشيء من الأذى وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها وأما أصحابه رضي الله عنهم فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته وسائرهم تصدوا له بالأذى والعذاب وروا الإمام أحمد وبن ماجه بسند حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كان أول من أظهر إسلامه سبعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد وروا الإمام البخاري في صحيحه عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر وروا الإمام الترمذي في جامعه بسند صحيح عن حارثة بن مضرب قال دخلت على خباب رضي الله عنه وقد اكتوا في بطنه فقال ما أعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لقي من البلاء ما لقيت لقد كنت وما أجد درهما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروا الحاكم في المستدرك بسند حسن بطرقه وشواهده عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما وراءك قال شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال كيف تجد قلبك قال مطمئن بالإيمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عادوا فعد ونزل في عمار بن ياسر رضي الله عنه قوله تعالى مطمئن بالإيمان إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم قال الحافظ في الفتح والمشهور أن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه وقال الحافظ بن رجب وأما الإكراه على الأقوال فاتفق العلماء على صحته وأن من أكره على قول محرم إكراها معتبرا أن له أن يفتدي نفسه به ولا إثم علي وقد دل عليه قوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار رضي الله عنه إن عادوا فعد وكان المشركون قد عذبوه حتى يوافقهم على ما يريدونه من الكفر ففعل شكوى الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما طال العذاب على المسلمين ذهب خباب بن الأرت رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه الدعاء لرفع البلاء فروا الإمام البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الرجل في من قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق بثنتين وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون قال الحافظ في الفتح طلب خباب رضي الله عنه الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على الكفار دال على أنهم كانوا قد اعتدوا عليهم بالأذى ظلما وعدوانا وقال الشيخ محمد الغزالي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجمع أصحابه على مغنم عاجل أو آجل إنه أزاح الغشاوة عن الأعين فأبصرت الحق الذي حجبت عنه دهرا ومس حران عن القلوب فعرفت اليقين الذي فطرت عليه وحرمتها الجاهلية منه إنه وصل البشر بربهم فربطهم بنسبهم العريق وسببهم الوثيق وكانوا قبل ذلك حيارا محسورين إنه وازن للناس بين الخلود والفناء فآثروا الدار الآخرة على الدار الزائلة وخيرهم بين أصنام حقيرة وإله عظيم فازدروا الأوثان المنحوتة وتوجهوا للذي فطر السماوات والأرض وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبث عناصر الثقة في قلوب رجاله ويفيض عليهم ما أفاضه الله على فؤاده من أمل رحيب في انتصار الإسلام وانتشار مبادئه وزوال سلطان الطغاة أمام طلائعه المظفرة في المشارق والمغارب فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة وقعت في الإسلام وكان من أسباب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم بالهجرة إلى الحبشة أنه نزل عليه قوله تعالى قال الحافظ ابن كثير هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامة دينه بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك فوجدوا هناك خير المنزلين أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه الله آواهم وأيدهم بنصره وجعلهم سيوما ببلاده قال الشيخ علي الطنطاوي ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما هو أشد من هذا كله إلى فراق الوطن وترك الأهل وأن يمشوا فرارا بدينهم إلى بلاد ليسوا منها وليست منهم ولا لسانها لسانهم ولا دينها دينهم إلى الحبشة فخرجوا من منازلهم وهجروا أهليهم ومشوا إلى الحبشة فلحقهم أذا قريش إلى الحبشة وأوغلت قريش في كفرها وصدها وعنادها ولكن هل تقدر قريش أن تطفئ نور الله تعالى عدد المهاجرين إلى الحبشة خرج عند ذلك جماعة من الصحابة رضي الله عنهم متسللين سرا إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم وهي أول هجرة وقعت في الإسلام وذلك في رجب من السنة الخامسة للبعثة وكانوا أحد عشر رجلا وأربعة نسوة وكان أميرهم عثمان بن مضعون رضي الله عنه وأقام المسلمون في الحبشة بخير دار عند خير جار بقية رجب وشعبان إلى رمضان ثم عادوا إلى مكة كما سيأتي سجود كفار قريش وفي رمضان من السنة الخامسة للبعثة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرم وفيه عدد كبير من سادات وكبراء قريش فقام فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ يتلو سورة النجم فلما باغتهم بتلاوة هذه السورة وقرع آذانهم كلام إلهي رائع خلاب لا يحيط بروعته وجلالته البيان تفانوا عما هم فيه وبقي كل واحد مصغيا إليه لا يخطر بباله شيء سواه حتى إذا تلا في خواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب ثم قرأ فاسجدوا لله وعبدوا ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتمالك أحد نفسه حتى خر ساجدا وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين فما تمالكوا أن يخروا لله ساجدين روى الشيخان في صحيحيهما واللفظ للبخاري من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال أول سورة أنزلت فيها سجده والنجم فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه فرأيته بعد ذلك قتل كافرا وهو أمية بن خلف وروا الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن المطلب بن أبي وداعة رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في النجم وسجد الناس معه ولم أسجد معهم وهو يومئذ مشرك فلا أدع السجود فيها أبدا عودة مهاجر الحبشة إلى مكة وترامت هذه الأخبار إلى مهاجر الحبشة رضي الله عنهم ولكن بصورة مختلفة تماما عن صورتها الحقيقية بلغهم أن أهل مكة أسلموا وقد سجدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال المهاجرون عشائرنا أحب إلينا فخرجوا من الحبشة راجعين إلى مكة وذلك في شوال من السنة الخامسة للبعثة حتى إذا كانوا دون مكة بساعة تبينت لهم الحقيقة وعرفوا أن المشركين أشد ما يكونون خصوما لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين فهموا بالرجوع إلى أرض الحبشة فقالوا قد بلغنا مكة فدخلوا مكة ولم يدخل أحد منهم إلا مستخفيا أو في جوار رجل من قريش وعاد بعضهم إلى الحبشة قال الحافظ البيهقي وقد رونا أنها نزلت بعدما هاجر عثمان بن عفان وعثمان بن مضعون وأصحابهما رضي الله عنهم إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى فلما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة وسجد وسجد المسلمون والمشركون وبلغهم الخبر رجعوا ثم هاجروا الهجرة الثانية مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وذلك كان قبل المسرى بسنتين مفاوضات قريش مع أبي طالب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولما أيقنت قريش أن بطشها بالمستضعفين من المسلمين ونيلها من غيرهم لم يصرف الناس عن الاستجابة لدعوة الله تعالى لجأت إلى أسلوب المفاوضات مرة أخرى فذهبوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له يا أبا طالب إن لك سن وشرف ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خذلانه فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا للذي قالوا له فأبقي علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بدا وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم والله لو وضع الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكا ثم قام فلما ولا ناداه أبو طالب فقال أقبل يا ابن أخي أقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا ثم قال والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وقر بذاك منك عيونا وفي رواية الحاكم في مستدركه بسند حسن عن عقيل بن أبي طالب قال جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مجلسنا فانهه عن أذانا فقال لي يا عقيل ائت محمدا قال فانطلقت إليه فأخرجته من حفش قال طلحة بيت صغيرة فجاء في الظهر من شدة الحر فجعل يطلب الفي يمشي فيه من شدة حر الرمضاء فأتيناهم فقال أبو طالب إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مجلسهم فانتهي عن ذلك فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء فقال ما ترون هذه الشمس قالوا نعم قال ما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تشغلوا منها شغلة فقال أبو طالب ما كذبن ابن أخي قط فرجعوا إسلام حمزة ابن عبد المطلب رضي الله عنه في السنة السادسة للبعثة وقيل في السنة الثانية للبعثة روى الحاكم في المستدرك بسند ضعيف عن ابن إسحاق قال فحدثني رجل من أسلم وكان واعيا أن أبا جهل اعترض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفاء فآذاه وشتمه وقال فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاة لعبد الله ابن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفاء تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم ولم يلبث حمزة ابن عبد المطلب أن يلبث حمزة ابن عبد المطلب ولم يلبث حمزة ابن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسا راجعا من قنص الله وكان إذا فعل ذلك لم يمر على نادي قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم وكان أعز قريش وأشدها شكيمة وكان يومئذ مشركا على دين قومه فجاءته المولاة وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرجع إلى بيته فقالت له يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبي الحكم آنفا وجده هاهنا فآذاه وشتمه وبلغ ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد فحتمل حمزة الغضب لما أراد الله من كرامته فخرج سريعا لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالبيت متعمدا لأبي جهل أن يقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه على رأسه ضربة مملوأة وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصر أبا جهل فقالوا ما نراك يا حمزة إلا صبأت فقال حمزة وما يمنعني وقد استبان لي ذلك منه أنا أشهد أنه رسول الله وأن الذي يقول حق فوالله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين فقال أبو جهل دعو أبا عمارة لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا ومر حمزة على إسلامه وتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أسلم حمزة علمت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولونه وينالون منه ثم رجع حمزة رضي الله عنه إلى بيته فأتاه الشيطان فقال أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك للموت خير لك مما صنعت فأقبل على حمزة بثه فقال ما صنعت اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن أخي إني وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه وأيقامة مثلي على ما لا أدري ما هو أرشد هو أمغي شديد فحدثني حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثني فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ووعظه وخوفه وبشره فألقى الله في نفسه الإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أشهد إنك لصادق شهادة الصدق والعارف فأظهر يا ابن أخي دينك فوالله ما أحب أن لي ما أضلت السماء وإني على ديني الأول قال فكان حمزة ممن أعز الله به الدين دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه بالهداية وإسلامه المام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه بسند حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم أعز الإسلام بأحب هذه الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر ابن الخطاب فكان أحبهما إلى الله عمر ابن الخطاب وروا الحاكم في المستدرك بسند صحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم أعز الإسلام بعمر ابن الخطاب خاصة وروا الحاكم في المستدرك بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم أيد الدين بعمر ابن الخطاب والذي يظهر أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن أبا جهل لن يسلم ولم يقدر الله سبحانه هدايته فعند ذلك خص رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بالهداية والله أعلم تأثير الدعوة النبوية على عمر رضي الله عنه ظهرت آثار دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه بالهداية في موقفه مع ليلا بنت أبي حثمة رضي الله عنها فكان لين الجانب جدا معها وهي ترتحل إلى الحبشة هو أمر غير معهود من عمر رضي الله عنه بالمسلمين إذ كان من أشد الناس على المسلمين روى الإمام أحمد في فضاء للصحابة والحاكم في المستدرك بسند حسن عن أم عبد الله بنت أبي حثمة رضي الله عنها قالت والله إنا لنرحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عمر في بعض حاجتنا إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف عليه وهو على شركه وكنا نلقى منه البلاء وشدة علينا فقال إنه لانطلاق يا أم عبد الله فقلت نعم والله لنخرجن في أرض الله آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجا فقال صحبكم الله ورأيت له رقة لم أكن أراها ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا قالت فجاء عامر من حاجته تلك فقلت يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا قال فيطمع في إسلامه قلت نعم قال لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب قال يائسا منه مما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام قصة إسلام عمر رضي الله عنه تعددت الروايات في إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ضعفها ويظهر أن الإسلام وقع في قلبه رضي الله عنه حتى تمكن منه شيئا فشيئا أول ما وقع في قلبه ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال عمر رضي الله عنه بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخ قط أشد صوتا منه يقول يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا أنت فوثب القوم قلت لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا ثم ناد يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي قال الإمام البيهقي ظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر رضي الله عنه بنفسه سمع صارخ يصرخ من العجل الذي ذبح وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر رضي الله عنه في إسلامه وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه والله أعلم ثم ساق الإمام البيهقي حديث سواد بن قارب فقال ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح وقال الحافظ في الفتح لمح المصنف بإراد هذه القصة في باب إسلام عمر رضي الله عنه بما جاء عن عائشة وطلحة رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه من أن هذه القصة كانت سبب إسلامه رضي الله عنه عزة المسلمين بإسلام عمر رضي الله عنه روى الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر قال الحافظ في الفتح لما كان فيه من الجلد والقوة في أمر الله تعالى وروا الإمام أحمد في فضاء للصحابة بسند حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال إن إسلام عمر كان فتحا وإن هجرته كانت نصرا وإن سلطانه كان رحمة وروا الحاكم في المستدرك بسند لا بأس به عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال والله ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر عتبة بن ربيعة يحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسلم حمزة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وقوي أمر الإسلام بهما بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتبة بن ربيعة ليحاوره فيعطيه ويأخذ منه روا ابن إسحاق في السيرة عن محمد بن كعبن القرضي قال حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا قال يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأوكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون فقالوا بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلم فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يبن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل يا أبا الوليد اسمع قال يبن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رأيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال رسول الله أقد فرغت يا أبا الوليد قال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابٌ فُصِّلَت آياتُه قرآناً عربياً لطومٍ يعلمون فشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرأوها عليه فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليه ما يسمع منه ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال قد سمعت يا أبى الوليد ما سمعت فأنت وذاك وفي رواية البيهقي في دلائله حتى بلغ الرسول فإن أعربوا فقل أنذرتكم صاعقةً مثل صاعقة عاد وثمود فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه فقام عتبة ابن ربيعة من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبى الوليد قال وراءي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلو بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا سحرك والله يا أبى الوليد بلسانه قال هذا رأيي فيه فاصنعو ما بدى لكم عند ذلك بدأت قريش بأمر جديد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو طلب المعجزات المادية قال الله سبحانه وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون قال الحافظ بن كثير أي هو تعالى قادر على ذلك ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك لأنه لو أنزلها وفق ما طلبوه ثم لم يؤمنوا لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السالفة كما قال تعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمودا ناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا قال الله تعالى وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقق السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشر رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشر رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملك الرسولا ثم قال الله سبحانه وتعالى رادا عليهم قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا قال الحافظ ابن كثير يقول تعالى مرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحجة على قومه في صدق ما جاءهم به إنه شاهد علي وعليكم عالم بما جئتكم به فلو كنت كاذبا عليه انتقم مني أشد لانتقام كما قال تعالى ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين لقد قطعنا منه الوتين وقوله تعالى إنه كان بعباده خبيرا بصيرا أي عليم بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة وقال تعالى قال الحافظ ابن كثير يقول الله تعالى إخبارا عن المشركين إنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم أي حلفوا أيمانا مؤكدة لإن جاءتهم آية أي معجزة وخارق ليؤمنن بها أي ليصدق النهر أي يؤمن بها أي معجزة وخارق ليؤمنن بها أي ليصدق النهر قل إنما الآيات عند الله أي قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتا وكفرا وعنادا لا على سبيل الهدى والاسترشاد إنما مرجع هذه الآيات إلى الله إن شاء أجابكم وإن شاء ترككم وروا الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا فقيل له إن شئت أن تستأني بهم وإن شئت أن نأتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بل أستأني بهم فأنزل الله عز وجل هذه الآية وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها قال الحافظ ابن كثير ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية والرحمة الربانية أن لا يجابوا إلى ما سألوا لأن الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك فيعاجلهم العذاب وقال تعالى وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاقب الذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين قال الإمام بن القيم فأما الآية فإن المشركين قالوا تعنتا في كفرهم وقالوا لولا أنزل عليه ملك يعنون ملكا نشاهده ونراه نشهد له ونصدقه وإلا فالملك كان ينزل عليه بالوحي من الله فأجاب الله تعالى عن هذا وبين الحكمة في عدم إنزال الملك على الوجه الذي اقترحوه بأنه لو أنزل ملكا كما اقترحو ولم يؤمنوا به ويصدقوه لعوجلوا بالعذاب كما استمرت به سنته تعالى مع الكفار في آيات الاقتراح إذا جاءتهم ولم يؤمنوا فقال ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ثم بين سبحانه أنه لو أنزل ملكا كما اقترحو لما حصل به مقصودهم لأنه إن أنزله في صورته لم يقدروا على التلقي عنه إذ البشر لا يقدر على مخاطبة الملك ومباشرته وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقوى الخلق إذا نزل عليه الملك كرب لذلك وأخذته البرحاء وتحدر منه العرق في اليوم الشاتي وإن جعله في صورة رجل حصل لهم لبس هل هو ملك أم رجل فقال ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا أي في صورة رجل وللبسنا عليهم في هذا الحال ما يلبسون على أنفسهم حينئذ فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان هذا إنسان وليس بملك فهذا معنى الآية القرآن العظيم أعظم المعجزات قال الله تعالى حاكيا عن المشركين وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفيهم أننا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكثروا بالله أولئك هم الخاسرون قال الحافظ بن كثير يقول تعالى مخبرا عن المشركين في تعنتهم وطلبهم آيات ترشدهم على أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله كما جاء صالح بناقته قال تعالى قل يا محمد إنما الآيات عند الله أي إنما أمر ذلك إلى الله فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم على سؤالكم لأن ذلك سهل عليه يسير لديه ولكنه يعلم منكم أنما قصدكم التعنت والامتحان فلا يجيبكم إلى ذلك ثم قال تعالى مبينا كثرة جهلهم وسخافة عقلهم حيث طلبوا آيات تدلهم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد الذي هو أعظم من كل معجزة إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته بل عن معارضة عشر سور من مثله بل عن معارضة سورة منه وقال الإمام بن القيم القرآن العظيم اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره فإنه هو الدعوة والحجة وهو الدليل والمدلول عليه وهو الشاهد والمشهود له وهو الحكم والدليل وهو الدعوى والبينة قال الله تعالى أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه أي من ربه وهو القرآن وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أكفهم أننا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل أخبر سبحانه أن الكتاب الذي أنزله يكفي من كل آية ففيه الحجة والدلالة على أنه من الله سبحانه أرسل به رسوله وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة وينجيه من العذاب الهجرة الثانية إلى الحبشة خرجت من الهجرة الهجرة الثانية إلى الحبشة خرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومعه جماعات من الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة في الهجرة الثانية وذلك بعدما عادت قريش على اضطهاد من آمن وأغرت سائر القبائل بمضاعفة الأذى للمسلمين فكان عدد من خرج مع جعفر رضي الله عنه من الصحابة الكرام رضي الله عنهم ثلاثة وثمانين رجلا إن كان فيهم عمار بن ياسر رضي الله عنه فإنه يشك فيهجرته معهم وثنين وثمانين رجلا إن لم يكن فيهم عمار بن ياسر رضي الله عنه ومن النساء ثمان عشرة امرأة قال الإمام السهيلي وشك بن اسحاق في عمار بن ياسر رضي الله عنه هل هاجر إلى أرض الحبشة أم لا والأصح عند أهل السيار كالواقدي وبن عقبة وغيرهما أنه لم يكن فيهم روى الإمام أحمد في مسنده بسند ضعيف عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مضعون وأبو موسى فأتوا النجاشي الحديث وقال ابن اسحاق ثم خرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها منهم من خرج بأهله معه ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه ثم ساق ابن اسحاق أسماء الصحابة في هذه الهجرة الثانية وذكر منهم عددا من من شهد غزوة بدرن الكبرى كعثمان والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وغيرهم رضي الله عنهم وأصحاب هذه الهجرة الثانية للحبشة إنما قدموا المدينة مع جعفر رضي الله عنه في السنة السابعة للهجرة وذلك حين افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فوقع الوهم لابن اسحاق وغيره في ذكر عدد من الصحابة رضي الله عنهم في هذه الهجرة الثانية من من شهد غزوة بدرن الكبرى قال الإمام بن القيم قد ذكر في هذه الهجرة الثانية عثمان بن عفان رضي الله عنه وجماعة من من شهد بدرا فإما أن يكون هذا وهما وإما أن يكون لهم قدمة أخرى قبل بدر فيكون لهم ثلاث قدمات قدمة قبل الهجرة وقدمة قبل بدر وقدمة عام خيبر وكذلك قال ابن سعد وغيره إنهم لما سمعوا مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ومن النساء ثمانين اسوى فمات منهم رجلان بمكة وحبس بمكة سبعة نفر وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا وهم في ذكر أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وعد بن اسحاق أبى موسى الأشعري رضي الله عنه في من هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وهذا من أوهامه على جلالة قدره قال الحافظ بن كثير ذكر محمد بن اسحاق في جملة من هاجر إلى أرض الحبشة أبى موسى الأشعري عبد الله بن قيس رضي الله عنه وما أدري ما حمله على ذلك فإن هذا أمر ظاهر لا يخفى على من هو دونه في هذا الشأن وقد أنكر ذلك عليه الواقدي وغيره من أهل المغازي وقالوا إن أبى موسى إنما هاجر من اليمن إلى الحبشة إلى عند جعفر كما جاء ذلك مصرحا به في الصحيح من روايته رضي الله عنه وقال الإمام بن القيم وليس ذلك مما يخفى على من هو دون محمد بن اسحاق فضلا عنه وإنما نشأ الوهم أن أبى موسى هاجر من اليمن إلى أرض الحبشة إلى عند جعفر وأصحابه لما سمع بهم ثم قدم معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر كما جاء مصرحا به في الصحيح فعد ذلك ابن اسحاق لأبي موسى هجرة ولم يقل إنه هاجر من مكة إلى الحبشة لينكر عليه وروا الإمام البيهقي في دلائل النبوة بسند صحيح عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أرض الحبشة قال فقدمنا فبعث إلينا قال لنا جعفر لا يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم قال فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه فزبرنا من عنده من القسيسين والرهبان أسجدوا للملك فقال جعفر لا نسجد إلا لله قال له النجاشي وما منعك أن تسجد قال لا نسجد إلا لله قال وما ذاك قال إن الله عز وجل بعث إلينا رسوله وهو الرسول الذي بشر به عيس بن مريم يأتي من بعد اسمه أحمد فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاه وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فأعجب النجاشي قوله قال فما يقول صاحبك في بن مريم قال يقول فيه هو روح الله وكلمته أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر فتناول النجاشي عودا من الأرض فقال يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في بن مريم ما تزن هذه مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده فأنا أشهد أنه رسول الله وإنه بشر به عيس بن مريم ولولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أحملنا عليه أمكثوا في أرض ما شئتم وأمر لنا بطعام وكسوة قال الإمام البيهقي هذا إسناد صحيح وظاهره يدل على أن أبا موسى رضي الله عنه كان بمكة وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أرض الحبشة والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه أنه بلغهم مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضع وخمسين رجلا في سفينة فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بالحبشة فوافقوا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه عنده فأمرهم جعفر رضي الله عنه بالإقامة فأقاموا حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر فأبو موسى رضي الله عنه شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي فأخبر عنه ولعل الراوي وهم في قوله أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق والله أعلم تعقب قريش مهاجر الحبشة فلما رأت قريش أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم آمنون بأرض الحبشة وأنهم أصابوا بها دارا واستقرارا وحسن جوار من النجاشي بعثت إلى النجاشي رجلين هما عمر بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ليسلم لهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فروا الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قالت لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكره فلما بلغ ذلك قريشا اعتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك مع عبدالله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمر بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم وقالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلم النجاشي فيهم ثم قدموا للنجاشي هدايا ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم قالت رضي الله عنها فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفع إليه هديته قبل أن يكلم النجاشي ثم قال لكل بطريق منهم إنه قد صبى إلى بلد الملك منا غلمان سفها فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد وعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما نعم ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له أيها الملك إنه قد صبى إلى بلدك منا غلمان سفها فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلموا بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه قالت رضي الله عنها ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمر بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم فقالت بطارقته حوله صدقوا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلموا بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليردهم إلى بلادهم وقومهم قالت فغضب النجاشي ثم قال لا هيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ماذا يقول هذاان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما وردتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني قالت رضي الله عنها ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن في ذلك ما هو كائن فلما جاؤوه وقد دعى النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم قالت رضي الله عنها فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميت ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وأمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحللنا فعدى علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك قالت فقال له النجاشي هل معك مما جاء به عن الله من شيء فقال له جعفر رضي الله عنه نعم فقال له النجاشي فقرأه علي فقرأ عليه صدرا من كافها يا عين صاد فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ثم قال النجاشي إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد قالت أم سلمة رضي الله عنها فلما خرجا من عنده قال عمر بن العاص والله لأنب أنهم غدًا عيبهم عندهم ثم أستأصل به خضراءهم فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفون قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد قالت أم سلمة رضي الله عنها ثم غدا عليه الغد فقال له أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيم فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه فأرسل إليهم يسألهم عنه قالت أم سلمة رضي الله عنها ولم ينزل بنا مثله فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه قالوا نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنا في ذلك ما هو كائن فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى بن مريم فقال له جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه نقول فيه الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول قالت فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وإن خرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي والسيوم الآمنون من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ثم من سبكم غرم فما أحب أن لي دبرا ذهبا وأني آذيت رجلا منكم والدبر بلسان الحبشة الجبل ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاء به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار بقي جعفر بن أبي طارب رضي الله عنه ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم في الحبشة إلى السنة السابعة للهجرة وذلك حين افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر كما سيأتي عند الحديث عن غزوة خيبر قال ابن إسحاق فلما رأت قريش أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم وأن عمر رضي الله عنه قد أسلم فكان هو وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه وجعل الإسلام يفشو في القبائل اجتمعوا وأتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبن المطلب على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم فلما فعلت ذلك قريش انحازت بن هاشم وبن المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب فدخلوا في شعبه واجتمعوا إليه وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العز بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم وروا الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر وذلك أن قريشا وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبن المطلب ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد أبو داود في سننه قال الزهري والخيف الوادي قال الإمام النووي ومعنى تقاسموا على الكفر تحالفوا وتعاهدوا عليه وهو تحالفهم على إخراج النبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبن المطلب من مكة إلى هذا الشعب وهو خيف بني كنانة وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة وكتبوا فيها أنواع من الباطل وقطيعة الرحم والكفر نقض الصحيفة وإنهاء المقاطعة ثم سعى في نقض تلك الصحيفة الجائرة بعض من كان كارها لها من رجال قريش فقام هشام بن عمر بن الحارث فمشى إلى المطعم بن عدي وجماعة من قريش فأجابوه إلى ذلك وقد أطلع الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم على أمر صحيفتهم وأنه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم فأخبر بذلك عمه أبا طالب فخرج على قريش وأخبرهم بما قال ابن أخيه صلى الله عليه وسلم فدخلوا الكعبة وأنزلوا الصحيفة فأيذى بها كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع بن هاشم وبن المطلب إلى مكة وفات أبي طالب توفي أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم بعد خروجه من الشعب وذلك في أواخر العام العاشر للبعثة واختلف في تعيين الشهر فلما اشتكى وبلغ قريشا ثقله قال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا روى الإمام الترمذي في جامعه والحاكم في مستدركه واللفظ للحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال مرض أبو طالب فجاءت قريش فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعند رأس أبي طالب مجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك إلى أبي طالب فقال يبن أخي ما تريد من قومك قال صلى الله عليه وسلم يا عم انما اريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدى إليهم بها جزية العجم قال كلمة واحدة قال صلى الله عليه وسلم كلمة واحدة قال ما هي قول الله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله قال فقالوا أجعل الآلهة إلها واحدة إن هذا لشيء عجاب قال ونزل فيهم صاد والقرآن ذي الذكر حتى بلغ إن هذا إلا اختلاق وروا الشيخان في صحيحيهما عن المسيب ابن حزن قال لما حضرت أبا طالب الوفاه جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل ابن هشام وعبد الله ابن أبي أمية ابن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله ابن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربا من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وأنزل الله في أبي طالب إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وروا الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة قال لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله إنك لا تهدي من أحببت قال الحافظ بن كثير يقول الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه إنك يا محمد إنك لا تهدي من أحببت أي ليس إليك ذلك إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة كما قال تعالى ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وقال وما أكثر الناس ولو حرست بمؤمنين وهذه الآية أخص من هذا كله فإنه قال إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان يحوطه وينصره ويقوم في صفه ويحبه حبا شديدا طبعيا لا شرعيا فلما حضرته الوفاة وحان أجله دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام فسبق القدر فيه واختطف من يده فاستمر على ما كان عليه من الكفر ولله الحكمة البالغة وقال الإمام ابن القيم قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وقال ولكل قوم هاد والهدي هو الدليل الذي يدل بهم في الطريق إلى الله والدار الآخرة ولا يناقض هذا قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت وقوله تعالى فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فإن الله سبحانه تكلم بهذا وهذا فرسله الهداة هداية الدلالة والبيان وهو الهدي هداية التوفيق والإلهام فرسلهم الأدلاء حقا والله سبحانه هو الموفق الملهم الخالق للهداة في القلوب وقال الحافظ ابن كثير ولم يقدر الله له الإيمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها ولولا ما نهان الله عنه من الاستغفار للمشركين لا استغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب روى الشيخان في صحيحيهما عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما أغنيت عن عمك فوالله كان يحوطك ويغضب لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار وروى الشيخان في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبي يغلي منه دماغه قال الحافظ في الفتح والنفع الذي حصل لأبي طالب من خصائصه ببركة النبي صلى الله عليه وسلم وفات خديجة بنت خويلد رضي الله عنها توفيت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها في نفس العام الذي توفي فيه أبو طالب وذلك في العام العاشر للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنين قال ابن إسحاق ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلك في عام واحد وروى الإمام البخاري في صحيحه عن عروة ابن الزبير قال توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثلاث سنين قال الحافظ في الفتح كان موتها رضي الله عنها قبل الهجرة بثلاث سنين وذلك بعد المبعث على الصواب بعشر سنين فضل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها قال الإمام الذهبي خديجة أم المؤمنين وسيدة نساء العالمين في زمانها أم القاسم ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزا ابن قصي بن كلاب القرشية الأسدية أم أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من آمن به وصدقه قبل كل أحد وثبتت جأشة ومناقبها جمه وهي ممن كمل من النساء وكانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة من أهل الجنة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يثني عليها ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين ويبالغ في تعظيمها وروا الشيخان في صحيحيهما النبي هريرة رضي الله عنه قال أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إيدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب وروا الشيخان في صحيحيهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة قال الإمام النووي الأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها وروا الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة خطوط فقال أتدرون ما هذا قال الله ورسوله أعلم قال صلى الله عليه وسلم أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم بنت عمران وروا الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون اشتداد إذاء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه أبي طالب قال ابن إسحاق فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب وقال الحاكم في المستدرك تواترت الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات عمه أبو طالب لقي هو والمسلمون أذى من المشركين بعد موته وقال الحافظ ابن كثير وعندي أن غالب ما روي من طرحهم سل الجزور بين كتفيه صلى الله عليه وسلم وهو يصلي وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما من خنقهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خنقا شديدا حتى حال دونه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكذلك عزم أبي جهل لعنه الله على أن يطأ على عنقه صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فحيل بينه وبين ذلك مما أشبه ذلك كان بعد وفاة أبي طالب والله أعلم وروا الحاكم في المستدرك بسند جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت قال صلى الله عليه وسلم ما زالت قريش كاعة حتى توفي أبو طالب وروا ابن اسحاق في السيرة بسند صحيح مرسل عن عروة ابن الزبير قال قال صلى الله عليه وسلم ما نالت مني قريش شيئا أكره حتى مات أبو طالب وروا الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال دخلت فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بنية ما يبكيك قالت يا أبتي ما لي لا أبكي فهؤلاء الملأ من قريش في الحجر يتعاقدون باللات والعزة ومنات الثارثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك وليس منهم رجل إلا وقد عرف نصيبه من دمك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بنية ائتني بوضو فتوضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إلى المسجد فلما رأوه قالوا ها هو ذا فطأطأوا رؤوسهم وسقطت أذقانهم بين ثديهم فلم يرفعوا أبصارهم فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فحصبهم بها وقال شاهت الوجوه فما أصاب رجلا منهم حصات من حصاته إلا قتل يوم بدر كافرا وروا الحاكم في المستدرك والإمام أحمد في فضائل الصحابة بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال لقد ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه فقام أبو بكر رضي الله عنه فجعل ينادي ويقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله قالوا من هذا قالوا هذا ابن أبي قحافة المجنون وروا الإمام البخاري في صحيحه عن عروة ابن الزبير قال سألت ابن عمر ابن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة ابن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وروا ابن حبان في صحيحه وأبو يعلى في مسنده بسند حسن عن عمر ابن العاص رضي الله عنه قال ما رأيت قريشا أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يوما رأيتهم وهم جلوس في ظل الكعبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام فقام إليه عقبة ابن أبي معيط فجعل رداءه في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبته صلى الله عليه وسلم وتصايح الناس فظنوا أنه مقتول قال وأقبل أبو بكر رضي الله عنه يشتد حتى أخذ بضبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه وهو يقول أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم وروا الشيخان في صحيحيهما واللفظ لمسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد فانبعث أشق القوم فأخذه فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه قال فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه ثم أقبلت عليهم تشتمهم فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم وكان إذا دعا دعا ثلاثا وأذا سأل ثلاثا ثم قال صلى الله عليه وسلم اللهم عليك بقريش ثلاث مرات فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته ثم قال صلى الله عليه وسلم اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأميت بن خلف وعقبة بن أبي معيط قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق لقد رأيت الذين سما صرع يوم بدر وروا الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزين قد خضب بالدماء ضربه بعض أهل مكة فقال له مالك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل بي هؤلاء وفعلوا فقال له جبريل عليه السلام أتحب أن أريك آية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال أدع بتلك الشجرة فدعاها فجاء التمشي حتى قامت بين يديه فقال مرها فلترجع فأمرها فرجعت إلى مكانها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبي قال الشيخ علي الطنطاوي وانطلقوا يؤذونه صلى الله عليه وسلم ويتوعدونه لعل الترهيب يفعل فيه ما لم يفعل الترغيب رموا في طريقه الشوك وهو مااش وألقوا عليه أحشاء الناقة وهو ساجد ورموه في الطائف بالحجارة وأسالوا دمه وهزئوا به وسلطوا عليه سفهاءهم فلم يثر هذا كله غضبه صلى الله عليه وسلم ولكن أثار إشفاقه إشفاق الكبير على الأطفال المؤذين والعاقل على المجانين وكان جوابه صلى الله عليه وسلم اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وأوغلت قريش في كفرها وصدها وعنادها ولكن هل تقدر قريش أن تطفئ نور الله خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فلما اشتد البلاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد وفاة أبي طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف رجاء أن يؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم وقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف إما لأنها المركز الثاني للقوة والسيادة في الحجاز بعد مكة أو لأن أخواله صلى الله عليه وسلم من جهة حليمة السعدية من بني ثقيف فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى الطائف ماشيا على قدمين ومعه مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف عمد إلى ثلاثة إخوة هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم عبد يا ليل ومسعود وحبيب أبناء عمر بن عمير فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وإلى نصرة الإسلام فقال أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الآخر أما وجد الله أحداً يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا لأن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام ولأن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يأس من نصرة ثقيف وقال لهم إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني فلم يفعلوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم عشرة أيام فأغروا به سفهاأهم وعبيدهم يسبونهم ويصيحون به وأذوه مع ذلك أشد الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه وقالوا له أخرج من بلدنا ووقف سفهاأهم صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة رضي الله عنه يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى مكة محزونا وفي مرجعه صلى الله عليه وسلم ذلك دعا ربه بالدعاء المشهور اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بغضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك نزول جبريل وملك الجبال عليهم السلام فأرسل الله سبحانه وتعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال عليه السلام يستأمره فأخرج الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أرد فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا قال الحافظ ابن كثير فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين فالجواب والله أعلم أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبا وشمالا فلهذا استأنا بهم وسأل الرفق لهم دخول الرسول صلى الله عليه وسلم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وعدائه ودخلها بجوار المطعم بن عدي ولم ينسى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعروف للمطعم بن عدي فقال صلى الله عليه وسلم يوم بدر لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلّمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له قال الإمام الذهبي وكان المطعم بن عدي هو الذي قام في نقض صحيفة القطيع وكان يحنو على أهل الشعب ويصلهم في السر وهو الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من الطائف حتى طاف بعمره وقال الحافظ في الفتح قوله صلى الله عليه وسلم لتركتهم له أي بغير فداء الإسراء والمعراج أكرم الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم برحلة الإسراء والمعراج وذلك بعد سنوات طويلة من الدعوة وكانت هذه الرحلة المباركة بمثابة مكافآت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين الله له مكانته ومنزلته من الله جل جلاله قال الإمام ابن القيم كانت كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإسراء مفاجأةً من غير ميعاد ليحمل عنه ألم الانتظار ويفاجأ بالكرامة بغتة ذكر الله سبحانه وتعالى الإسراء في سورة الإسراء فقال تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير وذكر سبحانه وتعالى المعراج في سورة النجم فقال تعالى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوا إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رآه من آيات ربه الكبرى قال الإمام القرطبي ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه وقال الإمام ابن القيم تواترت الأحاديث الصحيحة التي أجمعت الأمة على صحتها وقبولها بأن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به إلى ربه وأنه جاوز السماوات السبع وأنه تردد بين موسى عليه السلام وبين الله عز وجل مرارا في شأن الصلاة وتخفيفها الخلاف في تحديد وقت هذه الرحلة اختلف في وقت رحلة الإسراء والمعراج اختلافا كثيرا ولا يثبت شيء في تحديد وقتها قال شيخ الإسلام ابن تيمية لم يقوم دليل معلوم لا على شهرها ولا عشرها ولا عينها بل نقول في ذلك متقطعة ليس فيها ما يقطع به وقال الحافظ في الفتح وقد اختلف في وقت المعراج فقيل كان قبل المبعث وهو شاذ إلا إن حمل على أنه وقع حينئذ في المنام وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث ثم اختلفوا فقيل قبل الهجرة بسنة قاله ابن سعد وغيره وبه جزم نووي وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه وهو مردود فإن في ذلك اختلافا كثيرا يزيد على عشرة أقوال الإسراء والمعراج كان بجسده وروحه صلى الله عليه وسلم قال الحافظ في الفتح اختلف السلف بحسب اختلاف الأخبار الواردة فمنهم من ذهب إلى أن الإسراء والمعراج وقع في ليلة واحدة في اليقضة بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه بعد المبعث وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ضواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل وقال الحافظ ابن كثير الأكثرون من العلماء على أنه صلى الله عليه وسلم أسري ببدنه وروحه يقضة لا مناما ولا ينكر أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل ذلك مناما ثم رآه بعده يقضا لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلاق الصبح والدليل على هذا قوله جل جلاله سبحان الذي أسرى بعبده فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام ولو كان مناما لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظما ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه ولما ارتد جماعة ممن كان قد أسلم وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال عز شأنه أسرى بعبده ليلا وقال تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس قال ابن عباس رضي الله عنهما هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به والشجرة الملعونة شجرة الزقوم وقال تعالى ما زاغ البصر وما طغ والبصر من آلات الذات وأيضا فإنه صلى الله عليه وسلم حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان وإنما يكون هذا للبدن لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه والله أعلم قصة الإسراء والمعراج عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به فقال بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجع إذ أتاني آت فقد قال وسمعته يقول فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم أوتيت بطست من ذهب مملؤة إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أوتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض فقال له الجارود هو البراق يا أبا حمزة قال أنس رضي الله عنه نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه وكان البراق مسرجا ملجما فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركبه استصعب عليه فقال له جبريل عليه السلام أبي محمد تفعل هذا فما ركبك أحد قط أكرم على الله منه فارفض عرقا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء ثم دخلت المسجد إمامته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم السلام فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى بصحبة جبريل عليه السلام رأى الأنبياء والمرسلين صفوفا في المسجد الأقصى أحياهم الله جلت قدرته له فقدمه جبريل عليه السلام ليأمهم في الصلاة فروى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى قام يصلي ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحانت الصلاة فأممتهم عرض الأنية في بيت المقدس فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته بالأنبياء عليه مسلام أتي بقدحين أحدهما فيه لبا والآخر فيه خمر فروى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وأناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل عليه السلام اخترت الفطرة صعود الرسول صلى الله عليه وسلم في المعراج إلى السماوات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اخذ بيدي فعرجبي إلى السماء الدنيا فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء افتح قال من هذا قال هذا جبريل قال هل معك أحد قال نعم معي محمد صلى الله عليه وسلم فقال أرسل إليه قال نعم فلما فتح علون السماء الدنيا فاذا رجل قاعد على يمينه اسودة وعلى يساره اسودة اذا نظر قبل يمينه ضحك واذا نظر قبل يساره بكى فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت لجبريل من هذا قال هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسموا بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار فاذا نظر عن يمينه ضحك واذا نظر قبل شماله بكى عروجه صلى الله عليه وسلم إلى السماء الثانية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فاذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا ودعوى لي بخير عروجه صلى الله عليه وسلم إلى السماء الثالثة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فاذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم إذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب ودعى لي بخير عروجه صلى الله عليه وسلم إلى السماء الرابع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي إلى السماء الرابع فاستفتح جبريل عليه السلام قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قال وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فاذا أنا بإدريس عليه السلام فرحب ودعى لي بخير ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعناه مكانا عليا عروجه صلى الله عليه وسلم إلى السماء الخامسة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل عليه السلام قيل من هذا فقال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فاذا أنا بهارون عليه السلام فرحب ودعى لي بخير عروجه صلى الله عليه وسلم إلى السماء السادسة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل عليه السلام قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فاذا أنا بموسى عليه السلام فرحب ودعى لي بخير عروجه صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فاذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسندا ظهره إلى البيت المعمور واذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه فلما خلصت فاذا إبراهيم عليه السلام فقال جبريل هذا أبوك فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح وروا الإمام الترمذي في جامعه بسند حسن بالشواهد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر عرض الآنية عند البيت المعمور قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفع لي البيت المعمور ثم أتيت بإناء من خمر وأناء من لبن وأناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك وفي رواية الإمام مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفع لي البيت المعمور فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم ثم أتيت بإناء أحدهما خمر والآخر لبن فعرضا علي فاخترت اللبن فقيل أصبت أصاب الله بك أمتك على الفطرة قال الحافظ في الفتح يحتمل أن يكون السر فيه ما وقع في بعض طرق الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم عطش فآثر اللبن دون غيره لما فيه من حصول حاجته دون الخمر والعسل فهذا هو السبب الأصلي في إيثار اللبن وصادف مع ذلك رجحانه عليهما من عدة جهات سدرة المنتهى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى وأيذا ورقها كآذان الفيلة وأيذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها وفي رواية الإمام البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي وفي صحيح مسلم تلا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوله تعالى إذ يغشى السدرة ما يغشى فقال فراش من ذهب رؤيته صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته التي خلقه الله عليها عند سدرة المنتهى وكان جبريل عليه السلام يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صور مختلفة وأكثر ما يأتيه بصورة دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه قال الله تعالى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوا إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رآه من آيات ربه الكبرى وروا الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال في هذه الآية ولقد رآه نزلة أخرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت جبريل عند سدرة المنتهى عليه 600 جناح ينتثر من ريشه التهاويل الدر والياقوت وقال الإمام البيهقي وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل عليه السلام أصح قال الحافظ ابن كثير وهذا الذي قاله البيهقي هو الحق في هذه المسألة وقوله تعالى ثم دنا فتدلا إنما هو جبريل عليه السلام كما ثبت ذلك في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين وعن ابن مسعود وكذلك هو في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنهم ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا دخول النبي صلى الله عليه وسلم الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جناب ذو اللؤلؤ وأذا ترابها المسك وروا الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه بسند حسن عن حذيفة ابن اليمان رضي الله عنهما قال والله ما زاين البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء فرآي الجنة والنار ووعد الآخرة أجمع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم نهر الكوثر روا الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفا فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر وروا أبو داود في سننه بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لما عرج بنبي الله صلى الله عليه وسلم في الجنة أو كما قال عرض له نهر حافتاه الياقوت المجيب أو قال المجوف فضرب الملك الذي معه يده فاستخرج مسكا فقال محمد صلى الله عليه وسلم للملك الذي معه ما هذا قال الكوثر الذي أعطاك الله عز وجل لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم بربه سبحانه وفرض الصلوات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام فأوحى الله إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى عليه السلام فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعت إلى ربي فقلت يا ربي خفف على أمتي فحط عني خمسة فرجعت إلى موسى فقلت حط عني خمسة قال إن أمتك لا يطيقون ذلك فرجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال يا محمد إن هن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلات عشر فذلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر ومن هم بسيئات فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئاتا واحدة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت حتى انتهيت إلى موسى عليه السلام فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه الراجح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرى ربه ليلة المعراج اختلف السلف والخلف هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج أم لا على قولين مشهورين قال الحافظ في الفتح ذهبت عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما إلى انكارها واختلف على ابي ذر رضي الله عنه ثم اختلفوا هل رآه بعينه أو بقلبه فجاءت عن ابن عباس رضي الله عنهما أخبار مطلقة وأخرى مقيدة فيجب حمل مطلقها على مقيدها وقال الحافظ ابن كثير ولا يصح في ذلك شيء عن الصحابة رضي الله عنهم وقول البغوي في تفسيره وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة فيه نظر والله أعلم وقال الإمام البيهقي وفي حديث شريك زيادة تفرد بها على مذهب من زعم أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه عليه السلام وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عنهم في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل عليه السلام أصح قال الحافظ ابن كثير معلقا على كلام البيهقي وهذا الذي قاله البيهقي هو الحق في هذه المسألة وقال الإمام ابن القيم واختلف السلف والخلف هل حصل هذا لسيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه فالأكثرون على أنه لم يره سبحانه وحكاه عثمال ابن سعيد الدارمي إجماعا من الصحابة فمن ادعى كشف العيان البصري عن الحقيقة الإلهية فقد وهم وأخطأ وإن قال إنما هو كشف العيان القلبي بحيث يصير سبحانه كأنه مرئي للعبد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أعبد الله كأنك تراه فهذا حق وهو قوة يقين ومزيد علم فقط نعم قد يظهر له نور عظيم فيتوهم أن ذلك نور الحقيقة وأنها تجلت له وذلك غلط أيضا فإن نور رب تعالى لا يقوم له شيء ولما ظهر للجبل منه أدنى شيء ساخ الجبل وتدكدك وقال الإمام الذهبي ولم يأتنا نص جلي بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الله تعالى بعينيه وهذه المسألة مما يسع المرأ المسلم في دينه السكوت عنها فأما المنام فجاءت من وجوه متعددة مستفيضة وأما رؤية الله عيانا في الآخرة فأمر متيقن تواترت به النصوص رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وإخبار الناس بمسراه ثم هبط جبريل عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وسلم من السماوات إلى المسجد الأقصى ثم ركب البراق وعاد إلى مكة قبل الصبح روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم وروى الإمام أحمد في مسنده وابن أبي شيبة في مسنده بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان ليلة أسري بي وأصبحت بمكة فضعت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي فقعد معتزلا حزينا قال فمر به عدو الله أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ هل كان من شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قال ما هو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أسري بي الليلة قال إلى أين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس قَالَ ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَ نَيْنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمًا نَعَمْ قَالَ فَلَمْ يُرِهِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ مخافةَ أن يجحَدَهُ الحديثَ إن دعا قَوْمَهُ إِلَيْهِ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثتَنِي قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمًا نَعَمْ فقَالَ هَيَّا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيْنِ حَتَّى قَالَ فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسِ وَجَاؤُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا قَالَ حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثتَنِي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أسري بي الليلة قالوا إلى أين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس قالوا ثم أصبحت بين ظهرانين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قال فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً للكذب قالوا وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد وراء المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت فجئ بالمسجد وأنا أنظر حتى وضع دون دار عقال أو عقيل فنعتته وأنا أنظر إليه فقال القوم أما النعت فوالله لقد أصاب وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسرائي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثله قط قال فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به وروا الإمام البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجل الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه تصديق أبي بكر رضي الله عنه مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم روى الحاكم في المستدرك بسند ضعيف عن عائشة رضي الله عنها قالت لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه وسعوا بذلك إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس قال أو قال ذلك قالوا نعم قال لأن كان قال ذلك لقد صدق قالوا وتصدقوه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح قال رضي الله عنه نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبو بكر الصديق وجزم الإمام الطحاوي بأن سبب تسمية أبي بكر رضي الله عنه بالصديق لسبقه الناس إلى تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسراء لبيت المقدس فقال ولأن السبق إلى المعرفة للأشياء يوجب الفضيلة للسابقين إليها كما وجب لأبي بكر رضي الله عنه بسبقه الناس إلى تصديقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على إتيانه بيت المقدس من مكة ورجوعه منه إلى منزله بمكة في تلك الليلة حتى سمي بذلك الصديق وإن كان المؤمنون جميعا يشهدون لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك إذا وقفوا عليه وروا البيهقي في دلائر النبوة بسند صحيح عن شداد بن أوسر رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله كيف أسري بك قال صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتمى وأتاني جبريل عليه السلام بدابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل وذكر قصة الإسراء والمعراج ثم قال ثم آتيت أصحابي قبل الصبح بمكة فأتاني أبو بكر رضي الله عنه فقال يا رسول الله أين كنت الليلة فقد التمستك في مكانك فقال صلى الله عليه وسلم علمت أني أتيت بيت المقدس الليلة فقال يا رسول الله إنه مسيرة شهر فصفه لي قال ففتح لي صراط كأني أنظر إليه لا يسلني عن شيء إلا أنبأته عنه قال أبو بكر رضي الله عنه أشهد أنك رسول الله فقال المشركون أنظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعير لكم بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيرا لهم فجمعه فلان وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينتظرون حتى كان قريب من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحافظ ابن كثير وقد عاين رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة من الآيات والأمور التي لو رآها أو بعضها غيره لأصبح مندهشا أو طائشا العقل ولكنه صلى الله عليه وسلم أصبح ساكنا يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رآ أن يبادر إلى تكذيبه فتلطف بإخبارهم أولا عندما جاء بيت المقدس في تلك الليلة قال الإمام القرطبي ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها وقال الحافظ ابن كثير فلما كان ليلة الإسراء فرض الله على رسوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئا فشيئا والله أعلم وروى الشيخان في صحيحيهما عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخرى الصلاة يوما فدخل عليه عروة ابن الزبير فقال أن المغيرة ابن شعبة أخرى الصلاة يوما وهو بالعراق فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فقال ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل صلوات الله وسلامه عليه نزل فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى ثم صلى ثم صلى ثم صلى ثم صلى ثم صلى ثم صلى ثم قال بهذا أمرت وروا الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بسند صحيح عن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين زالت الشمس فقال قم يا محمد فصلى الظهر فقام فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم مكث حتى كان فيء الرجل للعصر مثله فجاء فقال قم يا محمد فصلى العصر فقام فصلى العصر ثم مكث حتى غابت الشمس فقال قم فصلى المغرب فقام فصلها حين غابت الشمس ثم مكث حتى ذهب الشفق فجاءه فقال قم فصلى العشاء فقام فصلها فقال قم يا محمد فصل فقام فصلى الصبح ثم جاءه من الغد حين كان فيء الرجل مثله فقال قم يا محمد فصل للظهر فقام فصل الظهر ثم جاءه حين كان فيء الرجل مثلي awesome فقال قم يا محمد فصل العصر فقام فصل العصر المغرب حين غابت الشمس وقتا واحدا لم يزل عنه فقال قم فصل المغرب فصل المغرب ثم جاءه العشاء حين ذهب ثلث الليل الأول فقال قم فصل فصل العشاء ثم جاءه الصبح حين اسفر جدا فقال قم فصل الصبح ثم قال ما بين هذه كله وقت انشقاق القمر قال الحافظ ابن كثير وهذا أمر متفق عليه بين العلماء ان انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وانه كان احد المعجزات الباهرات وروا الشيخان في صحيحيهما عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال إن أهل مكة تسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يريهم آية فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما وروا الشيخان في صحيحيهما عن عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه قال انشق القمر ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فقال اشهدوا وذهبت فرقة النحو الجبل قال الحافظ في الفتح وهذا لا يعارض قول أنس رضي الله عنه أن ذلك كان بمكة لأنه لم يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ليلة اذ بمكة وعلى تقدير تصريحه فمنى من جملة مكة فلا تعارب وروا الطيالسي في مسنده بسند صحيح عن عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش هذا سحر ابن ابي كبشة وقالوا انتظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم قال فجاء السفار فقالوا ذلك وأنزل الله في ذلك قوله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على قبائل العرب قال ابن اسحاق ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقومه اشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه الا قليلا مستضعفين ممن آمن به فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم اذا كانت على قبائل العرب يدعوهم الى الله ويخبرهم انه نبي مرسل ويسألهم ان يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به وروا الامام احمد في مسنده بسند صحيح عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما قال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاضة ومجنة وفي المواسم بمناء يقول من يؤويني من ينصرني حتى ابلغ رسالة ربي وله الجنة وروا ابو داود والترمذي وبن ماجة بسند صحيح عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول ألا رجل يحملني الى قومه فان قريشا قد منعوني ان ابلغ كلام ربي عز وجل اسلام إياس بن معاذن الأشهلي رضي الله عنه اسلم إياس بن معاذن رضي الله عنه وهو أول من اسلم من الأنصار مطلقا وقصة اسلامه رواها الإمام أحمد في المسند والحاكم في المستدرك بسند حسن عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل قال لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذن رضي الله عنه يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج فسمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتاهم فجلس إليهم فقال هل لكم إلى خير مما جئتم له قالوا وما ذاك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله لا يشركوا به شيئا وأنزل علي كتاب ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فقال إياس بن معاذن رضي الله عنه وكان غلاما حدثا أي قوم هذا والله خير مما جئتم له قال فأخذ أبو الحيسر حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذن رضي الله عنه وقال دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا فصمت إياس فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج قال ثم لم يلبث إياس بن معاذن رضي الله عنه أنهلك قال محمود بن لبيد فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم وإنجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم كما كان يصنع في كل موسم فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنتم قالوا نفر من الخزرج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن موالي يهود قالوا نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا تجلسون أو كلمكم قالوا بلى فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا قد عزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم إن نبيا مبعوثا الآن قد أضل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض يا قوم تعلمون والله إنه لنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منهما عرض عليهم من الإسلام وكان هؤلاء النفر من الخزرج من عقلاء يثرب أنهكتهم الحرب الأهلية التي مضت من قريب والتي لا يزال لهيبها مستعرا فأملوا أن تكون دعوته صلى الله عليه وسلم سببا لوضع الحرب فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا أسماء رهط الخزرج الكرام رضي الله عنهم وكان هؤلاء رهط الكرام ستة نفر من الخزرج فيما ذكره ابن إسحاق وهم من بن النجار أسعد بن زرارة رضي الله عنه وعوف بن الحارث رضي الله عنه وهو ابن عفراء وهي أمه ومن بني زريق رافع بن مالك بن العجلان رضي الله عنه ومن بني سلمة قطبة بن عامر رضي الله عنه ومن بني حرام بن كعب عقبة بن عامر رضي الله عنه ومن بني عبيد بن عدي جابر بن عبد الله بن رئاب رضي الله عنه وليس هو جابر بن عبد الله بن عمر بن حرام رضي الله عنه المشهور أحد المكثرين من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى فلما رجع هؤلاء النفر الستة إلى المدينة ذكروا لقومهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشى فيهم فلم تبقى دار من دور الأنصار إلا ذكر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما قال حتى بعثنا الله له من يثرب فآويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبقى دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام حتى إذا كان العام المقبل وافى موسم الحج من الأنصار اثنى عشر رجلا اثنان من الأوس وعشرة من الخزرج فيهم خمسة من الستة الذين اجتمعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في العام السابق وهم من الخزرج من بن النجار اسعد بن زرارة رضي الله عنه عوف بن الحارث وهو بن عفرا رضي الله عنه معاذ بن الحارث وهو بن عفرا رضي الله عنه ومن بني زريق رافع بن مالك بن العجلان رضي الله عنه ذكوان بن عبد قيس رضي الله عنه ومن بني عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت رضي الله عنه يزيد بن ثعلبة رضي الله عنه ومن بني سالم بن عوف العباس بن عبادة بن نضلة رضي الله عنه ومن بني سلمة قطبة بن عامر رضي الله عنه ومن بني حرام بن كعب عقبة بن عامر رضي الله عنه ومن الأوس من بني عبد الأشهل أبو الهيثم مالك بن التيهان رضي الله عنه ومن بني عمر بن عوف عويم بن ساعدة رضي الله عنه نود بيعة العقبة الأولى روى الشيخان في صحيحيهما عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لو متلائم وروى البيهقي في دلائل النبوة بسند جيد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لو متلائم وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب بما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعناه عليها وهم مشهور قلت وأما وصف بيعة العقبة الأولى على مثل ما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء فهو وهم من بعض الرواه فلم يكن في بيعة العقبة الأولى ذكر للنساء ولا في بنودها بعث مصعب وابن أم مكتوم رضي الله عنهما إلى المدينة انتهى موسم الحج وانصرف القوم راجعين إلى بلادهم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب ابن عمير وابن أم مكتوم رضي الله عنهما وأمرهما أن يقرأ الأنصار القرآن ويعلم الإسلام ويفقها في الدين روى الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عاز بن الأنصاري رضي الله عنه قال أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب ابن عمير وبن أم مكتوم رضي الله عنهما فجعلا يقرئاننا القرآن فأسلم على يديهما بشر كثير من الأوس والخزرج منهم سعد بن معاذ وأوسيد بن حضير رضي الله عنهما وبإسلامهما يومئذ أسلم جميع بني عبد الأشهل الرجال والنساء إلا الأصير عمر بن ثابت بن وقش رضي الله عنه فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم حينئذ وقاتل فاستشهد يوم أحد رضي الله عنه ولم يسجد لله سجدة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لمن أهل الجنة قال جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما ثم بعثنا الله فأتمرنا واجتمعنا سبعون رجلا منا فقلنا حتى متى نذر رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة وروى تفاصيل هذه البيعة العظيمة التي كانت سببا في الهجرة إلى المدينة الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بسند حسن عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه قال خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا فلما توجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك فلقينا رجل من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل تعرفانه قال قلنا لا قال فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه قال نعم قال وكنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال فإذا دخلتم المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم معه جالس فسلمنا ثم جلسنا إليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل قال نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر قال نعم قال كعب رضي الله عنه فواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبد الله بن عمر بن حرام أبو جابر سيد من سادتنا وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوته إلى الإسلام وأخبرته بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا قال فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطى حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومعنا مرأتان من نسائهم نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار وأسماء بنت عمر بن عدي بن ثابت إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع قال فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه يومئذ عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أول متكلم فقال يا معشر الخزرج وكانت العرب مما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج أوسها وخزرجها إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه وهو في عز من قومه ومنعة في بلده فقلنا قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلى ودعى إلى الله عز وجل ورغب في الإسلام ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم فأخذ البراء ابن معرور رضي الله عنه بيده ثم قال نعم والذي بعثك بالحق لنمنع عنك مما نمنع منه أزورنا فبايعنا يا رسول الله فنحن أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر وفي رواية جابر رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد وصحيح بن حبان بسند حسن قال جابر رضي الله عنه فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة فقال عمه العباس يا ابن أخي إني لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك إني ذو معرفة بأهل يثرب فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين فلما نظر العباس في وجوهنا قال هؤلاء قوم لا أعرفهم هؤلاء أحداث فقلنا يا رسول الله على ما نبايعك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة قال جابر رضي الله عنه فقمنا نبايعه وروا الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن جابر رضي الله عنه قال كان العباس آخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يواثقنا فلما فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت وأعطيت وروا الحاكم في المستدرك بسند رجاله ثقات عن ابن شهاب الزهري قال كان بين ليلة العقبة وبين مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشهر أو قريب منها وكانت بيعة الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في ذي الحجة وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في شهر ربيع الأول المختصر في السيرة النبوية من تأليف الشيخ موسى بالراشد العازمي وتقديم جمعية مودة بمملكة البحرين إن طال شوق العالمين لبعضهم فالشوق نحوك لا يحاط مداه صلى عليك الله ما رفع النداء وتحركت بالباقي شفاه