بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلَامِ بِشَارَةُ مَرْيَمَ بِعِيْسَا عَلَيْهِمَ السَّلَامِ لما تفرغت مريم عليها السلام لعبادة ربها في محرابها في بيت المقدس وابتعدت عن شواغل الدنيا وعن الناس وآنست خلوتها بمناجات الله أرسل الله لها الملائكة تبشرها بحملها بعيسى عليه السلام آية من آيات الله للعالمين قال تعالى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين قال ابن جرير الطبري رحمه الله والتبشير إخبار المرء بما يسره من خبر وقال ابن كثير رحمه الله هذه بشارة من الملائكة لمريم عليه السلام بأن سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير ولا شك أن كل فتاة متزوجة تفرح إذا ظهر لها أنها حامل أو بشرت بالحمل من قبل الطبيبة المختصة وهذا موافق لفطرة الأمومة التي فطرت عليها المرأة وهذه الفطرة لا توجد إلا عند المرأة لا توجد عند الرجل ولا يمكن أن يعرفها أو يتذوقها لأن الله قال وليس الذكر كالأنثى فلا يتصور أن الرجل يحمل ويلد لأن الله لم يخلقه لهذا فما يزعمه المنتكسون عن الفطرة من دعو المساوات المطلقة بين الرجل والمرأة تكذبه الفطرة التي لا يمكن لعاقل أن ينكرها ولكن كيف بشرت الملائكة مريم بالحمل وهل فرحت بهذه البشارة كما تفرح بها كل فتاة تبشر بمولودها الأول لقد كانت مريم في خلوتها تتعبد الله في محرابها بعيدا عن الناس فتفاجأت بدخول رجل عليها كامل الخلقة فخافت على نفسها قال تعالى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا فقالت إنني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا فكانت أول ردة فعلها الاستعاذة بالله من هذا الرجل الداخل عليها في خلوتها وتذكيرها إياه بتقوى الله والابتعاد عنها قال طاهر بن عاشور رحمه الله لأنها حسبت أنه بشر اختبأ لها ليراودها عن نفسها فبادرته بالتعوذ منه قبل أن يكلمها مبادرة بالإنكار على ما توهمته من قصده الذي هو المتبادر من أمثاله في مثل تلك الحالة وهذا التصرف منها موافق لفطرة الفتاة العفيفة الطاهرة التي لا تأمن على نفسها من دخول رجل غريب عليها في خلوة إذ لا ثالث لهما إلا الشيطان وقد قال صلى الله عليه وسلم ألا لا يخلون رجل بمرأة إلا كان ثالثهما الشيطان رواه الترمذي قال الملا علي القاري رحمه الله والمعنى يكون الشيطان معهما يهيج شهوة كل منهما حتى يلقيهما في الزنا وقال الشوكاني رحمه الله قوله لا يخلون رجل بمرأة إلا كان ثالثهما الشيطان سبب ذلك أن الرجل يرغب إلى المرأة لما جبل عليه من الميل إليها لما ركب فيه من شهوة النكاح وكذلك المرأة ترغب إلى الرجل لذلك فمع ذلك يجد الشيطان السبيل إلى إثارة شهوة كل واحد منهما إلى الآخر فتقع المعصية وما يقال اليوم من أن الفتاة الواثقة من نفسها لا يخاف عليها من جلوسها مع الشباب واختلاقها معهم في الجامعات أو في ميادين العمل كلام يعرف باطله من تكلم به قبل من سمعه منه إن الفتاة التي لا تفزع إذا اختلت برجل غريب عنها كما فزعت مريم عليه السلام هي فتاة جاهلة بقطورة الخلوة برجل غريب أو أنها مفتونة بهذا الغريب أو أغواها الشيطان وزين لها الحرام أما مريم عليه السلام فإنها بادرت بتذكير الرجل بالله وبتقوى الله إذ لا حيلة لها إلا ذاك قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقي قال ابن جرير طبري رحمه الله تقول أستجير بالرحمن منك أن تنال مني ما حرمه عليك إن كنت ذا تقوى له تتقي محارمة وتجتنب معاصيه لأنه من كان لله تقي فإنه يجتنب ذلك وقال ابن كثير رحمه الله أي إن كنت تخاف الله تذكيرا له بالله وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل فخوفته أولا بالله عز وجل فلما رأى جبريل منها هذا الفزع طمأن قلبها بقوله قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قال السعدي رحمه الله فلما رأى جبريل منها الروع والخيفة قال إنما أنا رسول ربك أي إنما وظيفتي وشغلي تنفيذ رسالة ربي فيك لأهب لك غلاما زكيا وهذه بشارة عظيمة بالولد وزكائه فإن الزكاء يستلزم تطهيره من الخصال الذميمة واتصافه بالخصال الحميدة ولكن مريم عليه السلام لم تفرح ببشارة الملائكة لها بحملها بعيسى عليه السلام وإنما تعجبت أشد التعجب من هذه البشارة فقالت أَنَّا يَكُونُ لِيْ غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً قال ابن كثير رحمه الله أي فتعجبت مريم من هذا وقالت كيف يكون لي غلام أي على أي صفة يوجد هذا الغلام مني ولست بذات زوج ولا يتصور مني الفجور ولهذا قالت وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً والبغيّ هي الزانية وتعجب مريم عليه السلام في محله في الوضع الطبيعي في الحياة وهو أن حمل الفتاة لا يكون إلا باتصالها برجل يعاشرها بالحلال أو بالحرام ولكن الله عز وجل جعل حمل مريم آية من آياته للعالمين نكمل في لقاء قادم إن شاء الله والحمد لله رب العالمين قصة مريم ابنة عمران