بسم الله الرحمن الرحيم حياة السلف بين القول والعمل الخوف والخشية والرجاء الخوف والخشية لما طعن عمر رضي الله عنه جاء الناس فجعلوا يثنون عليه فقال وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي وقال لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما هل يسرك إسلامنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه برد لنا وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس فقال لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلينا وصمنا وعملنا خيرا كثيرا وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك فقال عمر لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا وأن كل شيء عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان رأس عمر رضي الله عنه في حجري فقال يا عبد الله ضع رأسي بالأرض قال فجمعت ردائي فوضعته تحت رأسه فقال ضع رأسي بالأرض لا أم لك ثم قال ويل عمر وويل أمه إن لم يغفر الله له وقال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا قال ابو شهاب الزهري بيده فوق أنفه وقال حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ولما نزل بحذيفة ابن اليمان رضي الله عنه الموت جزع جزعا شديدا فقيل له ما يبكيك قال ما أبكي أسفا على الدنيا بل الموت أحب إلي ولكني لا أدري على ما أقدم على الرضا أم على سخط وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال لن يلجى النار من بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع وبكى رضي الله عنه في مرضه فقيل له ما يبكيك فقال ما أبكي على دنياكم هذه ولكن أبكي على بعد سفري وقلة زادي فإني أمسيت في صعود مهبطة على جنة ونار ولا أدري أيهما يؤخذ بي واستأذن ابن عباس قبل موت عائشة رضي الله عنها وهي مغلوبة فقال أنت بخير إن شاء الله زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكح بكرا غيرك ونزل عذرك من السماء فقالت ووددت أني كنت نسيا منسيا وعاد خباب ابن الأرت رضي الله عنه بقايا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أبشر أبا عبد الله إخوتك تقدم عليهم غدا فبكى وقال عليها من حال أما إنه ليس بي جزع ولكنكم ذكرتموني أقواما وسميتموهم لي إخوانا وإن أولئك قد مضوا بأجورهم كما هي وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أتينا بعدهم وعن شداد ابن أوسن الأنصاري رضي الله عنه أنه كان إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه لا يأتيه النوم فيقول اللهم إن النار أذهبت مني النوم فيقوم فيصلي حتى يصبح وعن أبي رجائن العطاردي قال رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع ودخل ابن عمر رضي الله تعالى عنه الكعبة فسمعته وهو ساجد يقول قد تعلم ما يمنعني من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلا خوفك وقال كعب الأحبار رحمه الله لأن أبكي من خشية الله فتسير دموعي على وجنتي أحب إلي من أن أتصدق بوزني ذهبا وقال سفيان الثوري رحمه الله ما أطاق أحدني العبادة ولا قوي عليها إلا بشدة الخوف وكان سعيد بن المسيب رحمه الله يكثر أن يقول في مجلسه اللهم سلم سلم وقيل للحسن البصري رحمه الله كيف نصنع بأقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير فقال الحسن والله لأن تصحب أقوام يخوفونك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب أقوام يؤمنونك حتى يلحقك الخوف وقال بعض السلف ليس الخائف من بكى وعصر عينيه ولكن الخائف من ترك الأمر الذي يخاف أن يعذب عليه وعن إبراهيم بن شيبان رحمه الله أنه قال الخوف إذا سكن القلب أحرق مواضع الشهوات فيه وطرد عنه رغبة الدنيا وعن القاسم بن محمد قال كنا نسافر مع ابن المبارك رحمه الله فكثيرا ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي بأي شيء فضل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة إن كان يصلي إنا لنصلي ولئن كان يصوم إنا لنصوم وإن كان يغزو فإنا لنغزو وإن كان يحج إنا لنحج قال فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت إذ طفئ السراج فقام بعضنا فأخذ السراج فمكث هناك ثم جاء بالسراج فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع فقلت في نفسي بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا ولعله حين فقد السراج فصار إلى الظلمة ذكر القيامة وقال ابن المبارك رحمه الله أكثركم علما ينبغي أن يكون أكثركم خوفا وقال عبد الرحمن ابن يزيد ابن جابر قلت ليزيد ابن مرتدر رحمه الله ما لي أرى عينيك لا تجف قال وما مسألتك ما لي أرى عينيك لا تجف قال وما مسألتك عنه قلت عسى الله عز وجل أن ينفعني به قال إن الله قد توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حرياً ألا تجف لي عين وقال الفضيل ابن عياض رحمه الله من خاف الله لم يضره أحد ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد قال أبو سليمان الداراني رحمه الله من حسن ظنه بالله عز وجل ثم لا يخاف الله فهو مخدوع وقال المروذي كان أبو عبد الله رحمه الله إذا ذكر الموت خنقته العبر وكان يقول الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب وإذا ذكرت الموت هان علي كل أمر الدنيا إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وإنها أيام قلائل ما أعدل بالفقري شيئا ولو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر الرجاء وإحسان الظن بالله وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر وقال أيضا رضي الله عنه والذي لا إله غيره ما أعطي عبد شيئا خير من حسن الظن بالله والذي لا إله غيره ما يحسن عبدني الظن بالله إلا أعطاه الله ظنه ذلك فإن الخير في يده وقال أيضا رضي الله عنه والله لو تعلمون من الله ما نعلم لاتكلتم ومرض أعرابي فقيل له إنك تموت قال إلى أين يذهب بي قال إلى الله قال فما كراهتي أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه وعن المعتمر بن سليمان رحمه الله قال قال أبي رحمه الله حين حضرته الوفا يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا أحسن الظن به وقال بعضهم وإني على خوفي من الله واثق بإنعامه والله أكرم منعمي وعن إبراهيم النخعي رحمه الله قال كانوا يستحبون أن يلقن العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن ظنه بربه وقال بعضهم وإني لأرجو الله حتى كأنني أرى بجميل الظن ما الله صانع وقال حماد بن سلمة رحمه الله والله لو خيرت بين محاسبة الله إياي وبين محاسبة أبوي لخترت محاسبة الله على محاسبة أبوي وذلك أن الله تعالى أرحم بي من أبوي وقال يحيى بن معاذ رحمه الله لولا أن العفو من أحب الأشياء إليه مبتلى بالذنب أكرم الخلق عليه ولم احتضر بشر بن منصور رحمه الله ضحك وقال أخرج من بين ظهراني من أخاف فتنته وأقدم على من لا أشك في رحمته الموازنة بين الخوف والرجاء قال مطرف رحمه الله لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لوجد سواء لا يزيد أحدهما على صاحبه وعن الحسن البصري رحمه الله قال الرجاء والخوف مطية المؤمن وقال الفضيل بن عياض رحمه الله الخوف أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحا فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل ما جاء في من يصعق عند الموعظة وموقف السلف من ذلك عن حسين بن عبد الرحمن قال قلت لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قراءة القرآن قالت كانوا كما ذكرهم الله أو كما وصفهم عز وجل تدمع عيونهم وتقشع رجلودهم فقلت لها إنها هنا رجالا إذا قرأ على أحدهم القرآن غشي عليه فقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومر بن عمر رضي الله عنه برجل ساقط من العراق فقال ما شأنه فقالوا إذا قرأ عليه القرآن يصيبه هذا قال إنا لنخشى الله عز وجل وما نسقط وكان رجل يرعد عند الذكر فقال له إبراهيم النخعي رحمه الله إن كنت تملكه فما أبالي ألا أعتد بك وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من هو خير منك فوائد أخرى عن الحسن البصري رحمه الله في قوله عز وجل هاء مقرأ كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه قال إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل وإن المنافق أساء الظن فأساء العمل وعن أبي حازم رحمه الله قال من أعظم خصلة ترجى للمؤمن أن يكون أشد خوفا على نفسه وأرجاه لكل مسلم حياة السلاح بين القول والعمل