خلاصة مفاهيم أهل السنة الوسطية في العبادة العبادة في الإسلام وسط بين أهل الجفاء والتفريط فيها وأهل الغلوي والرهبنة فالمفرطون في العبادة غرتهم الحياة الدنيا وتمسكوا بها ولهثوا وراءها فكانت مقاييسهم كلها مادية دنيوية وأوضح من يمثل هؤلاء اليهود الذين قال الله فيهم وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاتٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ فهم حرصون على حياة هكذا بالتنكير الذي يفيد حب الحياة أيًا كانت ولو كانت بهيمية ملؤها الغرائز والشهوات ولهذا استحقوا أن يوصفوا بكونهم المغضوب عليهم لرفضهم الامتثال للأوامر الشرعية وتحايلهم عليها من أجل مصلحتهم الدنيوية والغالون في العبادة دفعهم غلوهم إلى تحريم ما أحل الله وابتداع الرهبانية كحال رهبان النصار وعبادهم الذين حرموا على أنفسهم النكاح والطيبات من الرزق ورأوا ذلك رجسا من عمل الشيطان فردوا نعمة الله عليهم ولم يهتدوا إلى الحق في باب العبادة فاستحقوا وصف الضالين فالأولون أهل تفريق وفجور والآخرون أهل إفراط وغلو وابتداع وكل قد حذر منهم السلف ويتحصل مفهوم وسطية العبادة في الإسلام بالنظر إلى نصوص الوحيين في هذا الشأن وجمع بعضها إلى بعض للعمل ببعضها وترك بعضها الآخر فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال المجاهد من جاهد نفسه هو نفسه الذي قال للثلاثة الذين سألوا عن عبادته وكأنهم تقال لوها فقال أحدهم أما أنا فإني أصل الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فقال صلى الله عليه وسلم أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني فحث في النص الأول على الاجتهاد في العبادة ونهى في الثاني عن الغلو فيها والرهبنة فنهجه صلى الله عليه وسلم قائم على الوسطية والتوازن بين الحقوق والواجبات وحين قال سلمان الفارسي لأبي الدرداء رضي الله عنه إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعطي كل الذي حق حقه قال صلى الله عليه وسلم صدق سلمان كما أنه صلى الله عليه وسلم أجاز من النذر ما كان مشروعا وأبطل المبتدع المرفوظ فلما رأى رجلا قائما سأل عنه فقالوا نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومة رواه البخاري وهذا من وسطية العبادة بلاصة مفاهيم أهل السنة