قصص الأنبياء ... قصص الأنبياء ... عليهم السلام صلاة الله عقبها سلام على خير الخلائق أجمعي أولو عزمين مقابه رفيع و نور الهدى ... قصة صالح عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين وبعد ... في الشمال الغربي من الجزيرة العربية ما بين منطقة الحجاز وتبوك كانت تسكن قبيلة ثمود في منطقة يقال لها الحجر تبعد عن المدينة النبوية قرابة 400 كيلومتر وهي قبيلة عربية كان أهلها قوما متكبرين أشرارا و كانوا أيضا فارهين أي حاذقين للنحت على الجبال أعطاهم الله القوة في الأبدان فصاروا ينحتون من الجبال بيوتا و يبنون في السهول قصورا و مع هذا فقد وسع الله عليهم في معاشهم فكانت لهم البساتين و الزروع و النخيل و قد عمرهم الله في الأرض فكانوا يعيشون زمنا طويلا و يعمرون في الأرض كثيرا لكنهم مع كل هذا النعيم الذي كانوا فيه لم يشكروا الله سبحانه وتعالى بل قد أشركوا و عبدوا الأصنام و تساهلوا في المنكرات و ارتكبوا الموبقات كان من قوم ثمود و من أشرافهم رجل يدعى صالح ذو نسب شريف رفيع فيهم و كان ذا عقل راجح و حكمة يرجعون إليه في خصوماتهم و يستشيرونه في أمور حياتهم لم يرضى صالح بما كان عليه قومه من الشرك و كفر نعم الله تعالى فانعزل عنهم بغنمه يرعاها يأكل من لحمها و يشرب من لبنها فاختاره الله تعالى نبيا و بعثه إلى قومه رسولا ليحذرهم و ينذرهم و يردهم إلى جادة الصواب امتثل صالح عليه السلام أمر الله تعالى و أخذ في دعوة قومه إلى التوحيد و قال لهم يا قوم عبد الله ما لكم من إله غيره كما هي دعوة كل الأنبياء قبله و من بعده فدعوتهم واحدة لم يزاحموا قومهم في المناصب و لم يطلبوهم من أموالهم شيئا و إنما كانوا يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ولكن بماذا قابلت ثمود دعوة نبيهم صالح عليه السلام لقد كذبوه و استهزأوا به و رفضوا دعوته و قالوا له يا صالح قد كنا نرى فيك عقلا و كنا نعدك لأن تكون من أشرافنا فكيف بك الآن تنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا هل تريد منا أن نصدقك نحن في شك من كلامك و في ريبة من أمرك إنما أنت يا صالح مسحور لم يلتفت صالح عليه السلام إلى قولهم بل استمر في دعوتهم و إنذارهم و تخويفهم من عقاب الله تعالى و تذكيرهم بنعم الله تعالى التي أنعم بها عليهم و تحذيرهم مصير من قبلهم من الأمم الهالكة كقوم عاد لكنهم ألغوا عقولهم واستمروا في طغيانهم و عنادهم و قالوا متهكمين أما وجد الله غيرك ليرسله إلينا و نحن إن اتبعناك فنحن شر من المجانين قال الله تعالى و إلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم عبد الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا و إننا لفي شك لفي شك مما تدعونا إليه مريب و قال تعالى كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون و ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما ها هنا آمين في جنات و عيون و زروع و نخل طلعها هضيم وتنحطون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون و قال تعالى كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر ألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر ثم لجأ قوم ثمود إلى أسلوب التحدي و طلبوا من صالح عليه السلام أن يأتيهم بآية دليلا على صدقه و إثباتا لأمره فطلبوا منه أن يخرج لهم ناقة من الصخرة العظيمة التي عند بئرهم و وعدوه بأنه إن فعل ما طلبوه فسيؤمنون به و يصدقونه فدعى صالح عليه السلام ربه و طلب منه أن يعطيهم ما سألوا و ذلك طمعا منه في إسلامهم فاستجاب الله له وأعطاهم ما سألوا ولكن وفق شروط محددة فانفلقت الصخرة و شاهد الناس الناقة وهي تخرج من تلك الصخرة الصما آية لنبي الله صالح عليه السلام و حجة عليهم و قال لهم نبيهم صالح عليه السلام إن الله قد أخرج لكم هذه الناقة كما طلبتم و جعل لها شرب يوم من ماء البئر و لكم شرب يوم فلا تعتدوا على يوم شربها و ذرو هذه الناقة تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء هذه أوامر رب العالمين فلا تخالفوها حتى لا يصيبكم العذاب الأليم و مع قوة هذه الآية و رؤيتهم لها لم يؤمن بنبي الله صالح عليه السلام إلا القليل من قومه من المستضعفين و بقي الأكثرون على كفرهم و عنادهم ظل قوم ثمود أياما ينظرون إلى ناقة الله وهي تمشي بينهم وتشرب من ماءهم وهم لا يقتربون منها بسوء فأزهم الشيطان فأصبحوا يحيكون المكائد و يمكرون فيما بينهم ليقتل الناقة ظلما و كفرا جاء في الأخبار أن امرأة بغيا جاءت إلى رجل منهم يقال له مصرع بن مهرج فعرضت نفسها عليه و كانت امرأة جميلة فقالت له أتزوجك و مهري أن تقتل ناقة صالح و جاءت امرأة عجوز أخرى إلى رجل يقال له قدار بن سالف و قالت له عندي أربع بنات أزوجك من شئت منهم إن قتلت ناقة صالح اجتمع هذان الرجلان ابن مهرج و قدار و دعو أصحابهما إلى قتل الناقة فاستجاب لهما سبعة آخرون فأصبحوا تسعة رهط في المدينة يفسدون فيها و لا يصلحون هؤلاء هم رؤوس الفتنة مع أن الجميع قد رضي بقتل الناقة فقد روي أن عاقر الناقة قال لقومه لا أقتلها حتى ترضوا جميعا بذلك فجعلوا يذهبون و يسألون الناس حتى كانوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون أترضين أن تقتل الناقة فتقول نعم حتى سألوا الصبيان أترضون أن تعقر الناقة فيقولون نعم عندها تجرأ قدار بن سالف و صاحبه ابن مهرج و من معهما و ترصدوا للناقة عند مورد شربها فرماها ابن مهرج بسهم فوقع السهم في ساقها فخرجت النساء يجبن في أنحاء القبيلة و قد كشفنا عن وجوهن و حسرنا عن شعورهن و صرنا يصحن بالرجال أقتل الناقة أقتل الناقة فقام عليها قدار بن سالف فشد عليها بالسيف فطعنها في لبتها فخرت ميته و كان قدار بن سالف هو أشقى ثمود الذي تحمل الوزر الأكبر في قتل الناقة ثم قال قوم ثمود لنبيهم متحدين يا صالح ائتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت حقا من المرسلين الصادقين فقال لهم صالح عليه السلام يا قوم لم تستعجلون بالسيئات من العذاب قبل الحسنة هل استغفرتم الله لعله أن يرحمكم لكن هذا الأسلوب لم يجد معهم نفعا فمنع الله عنهم المطر من السماء تخويفا لهم وإنذارا فقالوا ما منعنا المطر إلا بسبب صالح ومن معه فقد أغضب آلهتنا وهم مصدر شؤم علينا وقد تطيرنا بهم عندها أقسم أولئك النفر الأئمة الكفر على أن يقتلوا صالح عليه السلام بعد قتلهم الناقة وكانت خطتهم بأن يبيتوه ليلا فيقتلونه ثم إذا أصبح الناس يقولون لأهل صالح وعشيرته ما عرفنا بمقتله إلا الآن وإنا لصادقون قال الله تعالى ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن يعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون فأوحى الله تعالى إلى صالح عليه السلام أن يعدهم بحلول العذاب بعد ثلاثة أيام وأمره الله أن يخرج من بينهم ومن اتبعه من المؤمنين فأخبرهم صالح عليه السلام بما أمره الله وخرج بمن آمن معه فنجاهم الله من العذاب الأليم أما قوم ثمود فقد أصبحوا في اليوم الأولي ووجوههم مصفرة يرى كل واحد منهم الصفرة في وجه أخي فبدأ الشك يدور في نفوسهم هل هذا بداية العذاب الذي توعدنا به صالح وفي اليوم الثاني أصبحوا ووجوههم محمرة كالدم عند ذلك أيقنوا بالعذاب وفي اليوم الثالث أصبحوا ووجوههم مسودة فأخذوا يحفرون قبورهم بأيديهم منتظرين الهلاك وفي ذلك اليوم أخذتهم الرجفة من تحت أقدامهم وعلتهم الصيحة من فوقهم حتى أهلكتهم أجمعين وأخذهم العذاب المهين فأصبحوا كهشيم المحتظر أي كزرع بليا فصار متفتتا متناثرا في حظيرة الغنم قداسته بأقدامها مر صالح عليه السلام على قومه وهم موتا فأخذ يخاطبهم ويقول لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكنكم قوم لا تحبون الناصحين قال الله تعالى ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب فلما جاء أمرنا أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة وأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كثروا ربهم ألا بعداً لثمود أيها الأخوة الكرام لقد ذكر الله تعالى صالحاً عليه السلام في القرآن الكريم تسع مرات وذكر قبيلته ثمود وعشرين مرة ولنا في قصة صالح عليه السلام مع قومه دروساً وعبراً كثيرة من أهمها أولاً العاقبة دائماً تكون لأنبياء الله تعالى عليهم السلام فبعد أن يصل الطغيان إلى منتهاه تكون النجاة لعباد الله المؤمنين والهلاك لأعدائه الكافرين فالله تعالى يمهل ولا يهمل ثانياً الآيات مهما كانت واضحة فإن المجرمين لا يؤمنون بها ولا يهتدون كما هو حال قوم ثمود فقد رأوا الناقة ماثلة أمامهم كما طلبوا ومع ذلك لم يؤمنوا ثالثاً ترك الحق لقلة أهله وقلة ناصري أو اتباع الباقل لكثرة أهله هو داء في الناس من قديم الزمان فقوم ثمود قالوا أبشرا منا واحداً نتبعه إنا إذاً لفي ضلال وسعر رابعاً حكم راضي كالفاعل في أحكام الآخرة عند الله تعالى فقد ذكر الله في كتابه أن الذي عقر الناقة واحد منهم بينما رضي الباقون بذلك لذلك أضاف الفعل في بعض الآيات إليهم جميعا فقال فعقروها فعمهم الله بعذاب جميعا ولم ينجو منهم إلا من لم يرضى بذلك وهم المؤمنون أما ما يتعلق بأحكام الدنيا فلا تجري إلا على من أظهر الفعل والقول خامساً ينبغي على المسلم أن يأخذ العظة والعبرة إذا مر على ديار المعذبين كقوم ثمود في منطقة الحجر فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقرى ثمود فاستسقى الناس من الآبار وعجنوا عجينهم فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين للإبل ونهاهم صلى الله عليه وسلم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم لا تدخلوا عليهم ثم تقنع بردائه وهو على الرحل وقال لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم ونحن نرى الآن بعض الجهلة يذهب إلى تلك الأماكن ويصور فيها ويفرح ويضحك وهذا مخالف لما أرشدنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم للحديث بقية إن شاء الله والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين كنتم مع قصص الأنبياء