رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب الورع وترك الشبهات وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق فقال لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها متفق عليه من فوائد الحديث من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته تحريم قبول الصدقة الواجبة والمندوبة جواز الانتفاع بما يجده الإنسان في الطريق من الأشياء الحقيرة التي يعرض الناس عنها غالبا الحث على التقاط الطعام من الطريق وأكله إن كان صالحا وعدم تركه للشيطان من اشتبه عليه حكم شيء فالواجب في حقه تركه والابتعاد عنه وعن النواز بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس رواه مسلم أي تردد فيه من فوائد الحديث الحث على حسن الخلق لمنزلته العظيمة في الإسلام وأنه ينجي من الإثم والمعصية للإثم على متان أن يتردد في النفس ويتحرك وأن يكره الطلاع الناس عليه لأنه عورة يهرب ذو الحياء من كشفها في الحديث دليل على أن للنفس شعورا من أصل الفطرة بما تحمد وتذم عليه فهي قادرة على تمييز الإثم من البر لأن الله فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقبوله وركز في الطباع محبة ذلك والنفور عن ضده وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جئت تسأل عن البر قلت نعم فقال استفت قلبك البر مطمأنت إليه النفس وطمأن إليه القلب والإثم ماحاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك رواه أحمد والدارمي استفت قلبك أي طل بالفتوى من قلبك وتردد في الصدر أي لم ينشرح له من فوائد الحديث من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم إخبار السائل بما يريد السؤال عنه قبل أن يسأل وهذا من الغيب الذي أطلعه الله عليه الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير بل يعرف الحق بالنور الذي عليه فيقبله قلبه وينفر عن الباطل فينكره ولا يعرفه هذا الحديث لا يدل على زعم بعض المتصوفة أن الإلهام والكشفة من الأدلة إلى معرفة الأحكام وعن أبي سروعة عقبة بن الحارث رضي الله عنه أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتت همرأة فقالت إني قد أرضعت عقبة والتي قد تزوج بها فقال لها عقبة ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف وقد قيل ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره رواه البخاري كيف وقد قيل أي كيف اجتماعكما بعده وقد قيل إنكما أخواني من الرضاعة من فوائد الحديث يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب شهادة المرضع على من أرضعته كافية في إثبات الرضاعة حرص الصحابة رضوان الله عليهم على الوقوف على الحكم الحق ولو كان في ذلك مشقه حيث ركب عقبة بن الحارث من مكة إلى المدينة ليسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خفي عليه حكم أو اشتبه عليه أمر فعليه سؤال أهل العلم استحباب الرحلة في طلب العلم من عرف الحكم الشرعي وجب عليه التزام ينبغي على العبد المسلم أن يترك الشبه ويحتاط لدينه وعرضه وعن الحسن بن علي رضي الله عنه ما قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك رواه الترمذي ومعنى أترك ما تشك فيه وخذ ما لا تشك فيه من فوائد الحديث ينبغي الوقوف عند المشتبهات واتقائها فإن الحلال المحضى لا يحصل للمؤمن في قلبه منه ريب بل تسكن إليه النفس وتطمئن وأما الشبهات فيحصل للقلوب منها القلق والاضطراب الموجب للشك وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري ما هذا فقال أبو بكر وما هو قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه رواه البخاري الخراج شيء يجعله السيد على عبده يؤديه إلى السيد كل يوم وباقي كسبه يكون للعبد يخرج له الخراج أي يأتيه بما يكسبه من الخراج تكهنت أي أخبرته عما سيكون من غير دليل من فوائد الحديث ورع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأحرصه على عدم دخول جوفه شيء محرم بيان حرمة الكهانة وكذلك حلوان الكاهن فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن حلوان الكاهن جواز الأكل من خراج الغلام الأصل في طعام المسلمين أنه حلال وينبغي عدم السؤال عنه إلا إذا ظهرت فيه حرمة لا يجوز الأكل من طعام من علم أن ما له حرام وعن نافع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمائة فقيل له هو من المهاجرين فلم نقصته إنما هاجر به أبوه يقول ليس هو كمن هاجر بنفسه رواه البخاري من فوائد الحديث ورع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فضل المهاجرين الأولين الذين خرجوا بأنفسهم فرارا بدينهم يريدون وجه الله للإمام أن يفرض لبعض أهل الإيمان فرضا ليعينهم على الحياة ومن ذلك من تفرغ للدعوة والعلم وعن عطية بن عروة السعدي الصحابي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدعى ما لا بأس به حذرا مما به بأس رواه الترمذي من فوائد الحديث تناول الحلال المحظ من صفات المتقين التقوى حجاب بين العبد والشبهات من التقوى وقاية النفس عن الشبه والإعراض عنها باب استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان أو الخوف من فتنة في الدين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها قال الله تعالى ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي رواه مسلم والمراد بالغني غني النفس كما سبق في الحديث الصحيح من فوائد الحديث فضل اعتزال الناس مع لزوم طاعة الله عند خوف الفتنة وفساد الناس اثبات صفة المحبة لله وأنه يحب عبده الطائع بيان الصفات التي توجب محبة الله لعباده وهي التقوى والتواضع والرضى بما قسم الله الغنى ليس بكثرة العرض والمال وإنما الغنى غنى النفس خير الأعمال ما كان خالصا لوجه الله تعالى خفيا لا يظهر للعباد خشية الرياء والشهرة وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رجل أي الناس افضل يا رسول الله قال مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال ثم من قال ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه وفي رواية يتق الله يدع الناس من شره متفق عليه من فوائد الحديث استحباب السؤال عما يحتاج إليه الإنسان من أمور الدين فضل المجاهد لبذله نفسه وماله في سبيل الله مخالطة الناس عند فسادهم مدعاة لارتكاب الآثام جواز اعتزال الناس عند وقوع الفتنة لما فيه من السلامة من الآفات وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن رواه البخاري وشعف الجبال أعلاها يوشك أن يقرب مواقع القطر أي مواضع العشب التي ينزل فيها المطر فإنه إن أصاب الأرض أعشبت من فوائد الحديث الفرار من الفتن سبيل المؤمنين الخلص لأن فيه صيانة للدين خير مال المسلم غنيمات يرعاها في العشب المباح حيث يكسب منها قوتا طيبا العزلة راحة من خلطاء السوء الإذن في التعر بزمن وقوع الفتن فقد كان محرما على من هاجر في سبيل الله أن يرجع بعد هجرته أعرابيا إلا أنه أذن فيه عند حلول الفتن تستحب العزلة لمن خاف على دينه الحديث من دلائل النبوة وقع ما أخبر به الصادق المصدوق فلا يكاد المؤمن ينجو بنفسه في الليل أو النهار وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بعث الله نبيا إلا رعي الغنم فقال أصحابه وأنت قال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة رواه البخاري من فوائد الحديث ألهم الله الأنبياء جميعهم قبل النبوة برعي الغنم كي يحصل لهم التمرون برعايتها على ما يكلفونه من القيام بسياسة الناس مخالطة الغنم يحصل منها الحلم والأنات والشفقة لأنهم في صبرهم على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرع ودفع عدوها الصائل عليها من سبع وغيره ومعرفتهم باختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى من يتعاهدها ألفوا من ذلك الصبر على الأمة واحتمل اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا إلى مسيئها وهذا من باب عناية الله تعالى لأنبيائه ورعايته لهم وتربيتهم للتدرج في حمل الأمانة وتبليغ الرسالة خصة الغنم برعي الأنبياء لها لكونها أضعف من غيرها ولأن تفرقها أكثر من الإبل والبقر تواضع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لاشتغالهم بالحرف اليسيرة يستحب للعبد كسبقوته بالحلال وإن قل ففيه البركة لمن قنع وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من خير معاش الناس رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل أو الموت مضانة أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير رواه مسلم يطير أي يسرع ومتنه أي ظهره والهيعة الصوت للحرب والفزعة نحوة ومضان الشي المواضع التي يضن وجوده فيها والغنيمة تصغير الغنم والشعفة هي أعلى الجبل عنان أي سير اللجام الذي تمسك به الداب يبتغي القتل أي يطلبه من الكفار في الجهاد اليقين أي الموت ليس من الناس إلا في خير أي لا يخالط الناس إلا في خير من فوائد الحديث فضل الجهاد والاستعداد له وترق به وتحديث النفس به طلبا للشهادة في سبيل الله فضل رعي الغنم لما فيه من كفاية المأونة والكسب الحلال عند اعتزال الناس في زمن الفتنة والفساد من خالط الناس ينبغي أن يسلم المسلمون من يده ولسانه العزلة بسبب الفتن ينبغي أن لا تحول بين العبد والقيام بالأحكام الشرعية على وجهها من صلاة وصيام وزكاة وحج رياض الصالح يا رياض الصالحين