رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب تحريم الرياء قال الله تعالى وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفًا وقال تعالى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس وقال تعالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه رواه مسلم أشرك فيه معي غيري أي قصد مراءات غير الله أو تسميعه تركته وشركه أي أحبط أجره وحرمته الثواب من فوائد الحديث الرياء نوع من أنواع الشرك الرياء محبط للعمل مبطل للأجر الإسلام دين التوحيد والإخلاص والاتباع لا يقبل الأنداد مهما اختلفت ألوانها وتغيرت أشكالها المراء استحق الإثمى والعذاب على ريائه في عمله العباد يعرفون نعمة الله عليهم يوم القيامة ويقرون بها وإن أنكروها في الدنيا الله سبحانه يعلم ما تضمر نفوس العباد من خير وشر وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل نستشهد فأتي به فعرفه نعمته فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهد قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جري فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار رواه مسلم جري أي شجاع حاذق يقضى يوم القيامة عليه أي يحكم عليه ويفصل في أمره عرفه نعمته أي قرره بنعمته التي كانت عليه في الدنيا سحب أي جر جواد أي كريم كثير الجود يعطي ما ينبغي لمن ينبغي جري أي شجاع وهي من الإقدام على الشيء من فوائد الحديث المراؤون يأخذون ثوابهم في الدنيا فقط وهو مدح الناس لهم المراؤون يوم القيامة لا يجدون إلا العذاب جزاءا وفاقا لهم امتهان وإذلال للمرائين لأنهم يسحبون على وجوههم موضع كرامتهم إلى النار تغليض تحريم الرياء في العمل وشدة العقوبة عليه وجوب الإخلاص في الأعمال كلها لله الرياء يجري من ابن آدم مجرى الدم ليشوب أفعاله ويبطل كل أعماله وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن ناسا قالوا له إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم قال ابن عمر رضي الله عنهما كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري وعن جندب ابن عبدالله ابن سفيان رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من سمع سمع الله به ومن يراء يراء الله به متفق عليه ورواه مسلم أيضا من رواية ابن عباس رضي الله عنهما سمع بتشديد الميم معناه أظهر عمله للناس رياء سمع الله به أي فضحه يوم القيامة ومعناه من راء أي من أظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم راء الله به أي أظهر سريرته على رؤوس الخلاق من فوائد الحديث استحباب إخفاء العمل الصالح من يراء يجازيه الله تعالى بأن يجعل ثوابه في الدنيا بين الناس يتحدثون عنه وفي الآخرة ليس له إلا العذاب الأليم من راء في العمل يفضحه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق جزاء لعدم إخلاصه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة يعني ريحها رواه أبو داود والأحاديث في الباب كثيرة مشهورة يبتغي أي يقصد العرض أي متاع الدنيا وحطامها من فوائد الحديث الحث على تعلم العلم ابتغاء وجه الله وحده العبد يجازى بريائه يوم القيامة بالعذاب ويحرم من دخول الجنة باب ما يتوهم أنه رياء وليس هو رياء عن أبي ذر رضي الله عنه قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشر المؤمن رواه مسلم أرأيت أي أخبرني من فوائد الحديث من أخلص عمله لله وحمده الناس عليه ليس هو من باب الرياء الله يجازيه بالدنيا بكلام الناس بالخير عليه وكذلك يجازيه في الآخرة بالجنة دليل على رضى الله ومحبته لهذا العبد وأنه يحبب فيه الخلق لإخلاصه ولذلك يكتب له القبول في الأرض التعرض لمدح الناس مذموم حمد الناس للعبد على عمل الخير دون قصد منه لا يعد رياء باب تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية قال الله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وقال تعالى إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا وقال تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وقال تعالى إن ربك لب المرصاد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة العينان زناه من نظر والأذنان زناه من الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناه البطش والرجل زناه الخطى والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه متفق عليه كتب أي قدر وعلم مدرك ذلك لا محالة أي لا بد له من عمل ما قدر عليه أن يعمله البطش أي الأخذ عدوانا القلب يهوى ويتمنى أي يهوى وقوع ما تحبه وتتمناه النفس من الشهوة من فوائد الحديث الزنا لا يختص إطلاقه بالفرج وإنما سم النظر والنطق والاستماع زنا لأنها تدعو إلى الزنا الحقيقي ولذلك قال والفرج يصدق ذلك أو يكذبه حرمة النظر إلى ما في البيت بغير استئذان الزنا الذي يوجب الحد لا يتم إلا بالفرج الله يعلم من الأزل مقادير الناس ولا يقع شيء مخالفا لعلمه ولا يتخلف علمه عن معرفة كل شيء الله سبحانه وتعالى أعطى العبد القدرة على ردع نفسه عما حرمه الله عليه توجيه النبوي لترك الزنا ودواعيه ومقدماته كما قال تعالى ولا تقرب الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إياكم والجلوس في الطرقات قالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا أبد نتحدث فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقا قالوا وما حق الطريق يا رسول الله قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتفق عليه وعن أبي طلحة زيد بن سهل رضي الله عنه قال كنا قعودا بالأفنية نتحدث فيها فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فقال ما لكم ولمجالس الصعدات اجتنبوا مجالس الصعدات فقلنا إنما قعدنا لغير ما بأس فقعدنا نتذاكر ونتحدث قال إما لا فأدوا حقها غض البصر ورد السلام وحسن الكلام رواه مسلم الصعدات أي الطرقات الأفنية أي حرم الدار ونحوها وما كان في جوانبها وقريبا منها من فوائد الحديث كراهية الجلوس في الطرقات إلا بإعطائها حقها وهي غض البصر ورد السلام وإفشاؤه وكف الأذى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر النهي عن إتيان الأماكن التي يتعرض من خلالها للفتن النهي عن تسبب الأذى للمسلمين لتضييق الطريق عليهم وعن جرير رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال إصرف بصرك رواه مسلم الفجأة أي البغتة من غير قصد من فوائد الحديث لا إثم على من وقع نظره على أجنبية بغير قصد في أول ذلك ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال دليل على استحباب ستر المرأة وجهها في طريقها وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم احتجبا منه فقلنا يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أفعم ياوان أنتما ألستما تبصرانه رواه أبو داود والترمذي من فوائد الحديث النساء كالرجال في تحريم النظر ووجوب غض البصر وهذا هو الذي عليه أكثر أهل العلم والله أعلم وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد رواه مسلم لا يفضي أي لا يصل والمراد لا يصل إليه في ثوب واحد فلا يتجع متجردين تحت ثوب واحد من فوائد الحديث تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل وكذا المرأة تحريم لمس عورة غيره بأي موضع من يده كان حرص الإسلام على طهارة المجتمع وإغلاق كل سبل الشيطان التي تؤدي إلى الفاحشة وإشاعتها رياض الصالحين