بسم الله الرحمن الرحيم بأقلام الشوك ومداد الحب نُسطِّر حضوفًا أغلى من الذهب في وصف سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الشمائل المحمدية باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم المزاح هو الملاطفة والمؤانسة والمداعبة والهدف منه إدخال السرور على النفوس وزيادة الألفة والمحبة ونحو ذلك من المعاني العظيمة ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يداعب أصحابه ويمازحهم بقدر الحاجة ولا يقول إلا حقًا عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا ذا الأذنين قال أبو أسامة وهو أحد الرواه يعني يمازحه في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مازح أنس بن مالك رضي الله عنه فقال له يا ذا الأذنين وهذا مزح لا يدخله الكذب فكل إنسان له أذنان فهو صادق في وصفه إياه بذلك ولا يمنع أيضًا أن يكون في هذه الكلمة نوع من المدح والثناء لأنس رضي الله عنه بمعنى أن له أذنين يسمع ويطيع ويعي ما يقال له ثم إن أنس رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمنع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من ممازحته بينما بعض الناس يستنكف أن يمازح خادمه أو سائقه ويرى أن هذا يقلل من مكانته ومنزلته وهذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وخلاف ما يقتضيه التواضع الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لآخي لي صغير يا أبا عمير ما فعل النغير قال أبو عيسى وفقه هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازح وفيه أنه كنا غلاما صغيرا فقال له يا أبا عمير وفيه أنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به وإنما قال له النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا عمير ما فعل النغير لأنه كان له نغير يلعب به فمات فحزن الغلام عليه فمازحه النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا عمير ما فعل النغير في هذا الحديث يخبر أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخالطهم ومن معاني المخالطة الممازحة بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازحهم حتى إنه قال لأخ أنس الصغير يا أبا عمير ما فعل النغير وأبو عمير أخو أنس لأمه كان عنده طائر صغير يلعب به يقال له النغير وهو طائر يشبه العصفور أحمر المنقار فمات طير أبي عمير فحزن عليه فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤانسه ويزيل عنه الحزن فقال له على وجه المداعبة يا أبا عمير ما فعل النغير ومن تمام الفائدة أن أخ أنس لأمه والذي كناه النبي صلى الله عليه وسلم بأبي عمير اسمه حفص مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهو الوارد في قصة أبي طلحة المشهورة التي في الصحيحين وفيها أنه اشتكى ابن لأبي طلحة فمات وأبو طلحة خارج فلما رأت امرأته أنه قد مات هيئت شيئا ونحته في جانب البيت فلما جاء أبو طلحة قال كيف الغلام قالت قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح وظن أبو طلحة أنها صادقة قال فبات فلما أصبح اغتسل فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات فصلّ مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما كان منهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما فقال رجل من الأنصار فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن قال الحافظ رحمه الله قوله واشتكى ابن لأبي طلحة الإبن المذكور هو أبو عمير الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يمازحه ويقول له يا أبا عمير ما فعل النغير وفي الحديث جواز التكنية للصغير ولا يعد ذلك كذبا وجواز اللعب بالطير إذا لم يكن فيه إيذاء ولا إضرار به وفيه بيان لتواضع النبي صلى الله عليه وسلم وكمال خلقه وملاطفته للصغار ومؤانسته لهم وإدخال السرور على قلوبهم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال نعم غير إني لا أقول إلا حقا في هذا الحديث قال الصحابة رضي الله عنهم يا رسول الله إنك تداعبنا أي تمازحنا وسبب هذا الاستغراب والسؤال إما لاستبعادهم وقوع المزاح منه صلى الله عليه وسلم لجليل مكانته وعظيم مرتبته فكأنهم سألوه عن حكمته وإما أن يكون سؤالهم عن هذه المداعبة هل هي من خواصه فلا يتكلمون بها فبين لهم أنها ليست من خواصه وأن جوازها منوط بقول الحق وقوله إني لا أقول إلا حقا أي عدلا وصدقا وفي الحديث جواز المزاح والمداعبة بل قد يكون سنة إذا قصد به تأليف القلوب والخير ولم يكن فاحشا قيل لابن عيينة المزاح سبه فقال بل سنة لمن يحسنه وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني حاملك على ولد ناقه فقال يا رسول الله ما أصنع بولد الناقه فقال صلى الله عليه وسلم وهل تلد الإبل إلا النوق في هذا الحديث أن رجلا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي طلب منه أن يحمله على دابة أي يعطيه دابة يركبها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إني حاملك على ولد ناقه قال ذلك له على سبيل المداعبة ففهم الرجل أن النبي صلى الله عليه وسلم سيعطيه ولد ناقة صغيرا غير قابل للركوب فقال وما أصنع بولد ناقه أي كيف يمكن لي أن أركبه فقال صلى الله عليه وسلم وهل تلد الإبل إلا النوق فولد الناقة يطلق على الصغير والكبير وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه من الإبل ما هو مهيئ للركوب لكنه داعبه قبل ذلك هذه المداعبة اللطيفة وفي الحديث إضافة إلى مزاحه صلى الله عليه وسلم الإشارة إلى إرشاده وإرشاد غيره بأنه ينبغي لمن سمع قولا أن يتأمله ولا يبادر إلى رده قبل أن يفهم المقصود منه وعن أنس بن مالك رضي الله عنه كان اسمه زاهرا وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية من البادية فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه وكان صلى الله عليه وسلم يحبه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره فقال من هذا أرسلني فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول من يشتري هذا العبد فقال يا رسول الله إذن والله تجدني كاسدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكن عند الله لست بكاسد أو قال أنت عند الله غالن في هذا الحديث أن رجلا من أهل البادية اسمه زاهر كان يأتي إلى المدينة فيهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية من الأشياء الموجودة عند أهل البادية مثل الأقق والسمن ونحو ذلك وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجهزه أن يكافئه بهدية أحسن منها إذا أراد أن يخرج إلى باديته وكان صلى الله عليه وسلم يقول إن زاهر باديتنا ونحن حاضروه فالذي في البادية يحتاج إلى الذي في الحاضرة والذي في الحاضرة يحتاج إلى الذي في البادية فكل يكمل الآخر بما يسر الله سبحانه وتعالى له وقوله وكان صلى الله عليه وسلم يحبه وكان رجلا دميما أي قبيح الصورة لكنه مليح السريرة وفيه التنبيه على أن المدار على حسن الباطن ولذا جاء في الحديث الصحيح إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره أي جاءه من ورائه وأدخل يديه تحت ابطيه وأدخله في حظنه وضمه إلى صدره وهو لا يرى من الذي يضمه ولا يدري من هو فقال من هذا أرسلني أي تركني فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فثرح به فرحا عظيما فجعل لا يألو أي لا يقصر بإلصاق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم تبركا به وتحصيلا للقرب منه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول من يشتري هذا العبد وهذا من مزاحه صلى الله عليه وسلم الذي لا يقول فيه إلا حقا حيث أطلق عليه العبد لكون الناس كلهم عبيدا لله تعالى فقال ظاهر يا رسول الله إذا والله تجدني كاسدا أي رخيصا لا يرغب في أحد لدمامتي وقبح منظري فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكنك عند الله لست بكاسد أو أنت عند الله غالن لكونك مؤمنا حسن السريرة وفي الحديث جواز المداعبة لمن علم منه قبول ذلك وليس من الحكمة مداعبة وممازحة كل الناس فإن الناس تختلف طبائعهم وتتفاوت أخلاقهم فمنهم العبوس الذي لا يقبل مزاحا ومنهم المتوسط في ذلك ومنهم المكثر فلكل معاملة خاصة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن ظاهر يحب الدعابة والمزاح فكان يمازحه وعن الحسن رضي الله عنه قال أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله أدعو الله أن يدخلني الجنة فقال يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز قال فولت تبكي فقال أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى يقول إننا أنشأناهن إن شاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا في هذا الحديث أن عجوزا أتت النبي صلى الله عليه وسلم والعجوز هي الشيخة الهرمة جاءت إليه تسأله أن يدعو الله لها أن يدخلها الجنة فأخبرها صلى الله عليه وسلم أن الجنة لا تدخلها عجوز فولت تبكي أي ذهبت وهي تبكي فقال صلى الله عليه وسلم أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز أي أنها لا تدخل الجنة حال كونها عجوزا بل تدخلها وهي شابة وقد جاء في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين سنة وقوله إن الله تعالى يقول إنا أنشأناهن إن شاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا قال ابن كثير أي أعدناهن في النشأة الآخرة بعدما كن عجائز رمصا صرنا أبكارا عربا أي بعد الثيوبة عدنا أبكارا عربا أي متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة والعرب جمع عروب وهي المرأة الحسناء المتحببة إلى زوجها والأتراب التي على سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة وهي أكمل سن الشباب فنساؤهم عرب أتراب متفقات مؤتلفات راضيات مرضيات لا يحزن ولا يحزن بل هن أفراح النفوس وقرة العيون وجلاء الأبصار فائدة المزاح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ترفيه مشروع وملاطفة حسنة تروح بها الجماعة عن نفسها فتسود روح المحبة والأنس والمودة بين المسلمين ويزول الكبت والشعور بالسآمة والملالة ولكن ينبغي الحذر من الإكثار منه لما قد يترتب عليه من السوء ولأن الإكثار منه يؤدي إلى كثرة الضحك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب فينبغي أن يكون المزاح مثل الملح في الطعام لا زائدا ولا ناقصا فيفسد الطعام كذلك ينبغي للإنسان أن يكون فيه وسطا فلا يقبل عليه بالكلية ولا يعرض عنه أيضا بالكلية وأن يتجنب فيه الإساءة للآخرين والاستهزاء بهم وأن لا يقول في مزاحه إلا حقا ويجتنب الكذب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له ويجتنب ترويع المسلم أيضا ولو بالمزاح قال صلى الله عليه وسلم لا يحل لمسلم أن يروع مسلما وقال صلى الله عليه وسلم لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جادا ولا لاعبا وكذلك كل مزاح تضمن مخالفة شرعية أو كان وسيلة إليها أو ترتب عليه أذى مسلم بقول أو فعل أو غير ذلك فكله من المزاح الممنوع قال النووي رحمه الله قال العلماء المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله تعالى والفكرة في مهمات الدين ويقول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار وأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله للحديث بقية إن شاء الله والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين