بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ جَمْعِيَّةُ مَوَدَّةٍ تُقَدِّمْ حَدَثَ فِي رَمَدَانِ لِعَدِّ الرَّحْمَانِ رَأْفَةِ الْبَاشَى إِسْلَامُ بَنِي ثَقِيفٍ في رمضان سنة تسعي للهجرة قرَّت عين الرسول صلوات الله وسلامه عليه بإسلام ثقيف بعد إباءٍ عنيد ونفورٍ جامحٍ دام عشرين عاما وتاريخ الدعوة الإسلامية يروي لثقيفٍ وإسلامها قصةً قاتمة البداية مشرقة النهاية تبدأ هذه القصة منذ الجاهلية حيث كانت ثقيفٌ تسكن الطائف والطائف ربضٌ من أرباض مكة ممنعة الحصون عالية الذرى معتصمةٌ بالجبال الشوامخ لا يُرامُ حماها ولا تُنالُ ذراها وهي إلى ذلك روضةٌ ناظرةُ الجنات برودُ النسمات كثيرةُ الفاكهة طيبةُ الجناة دانيةُ القطوف كانت أغلب مساكن الطائف لبني ثقيف وكانت فيها السيادةُ والجاه فهم قومٌ شمُّ الأنوف بيضُ الوجوه كرامُ الأحساب وهم إلى ذلك أربابُ جاهليةٍ جهلاء وعبدةُ أصنام بنوا لله كعبةً كبرى ليحجوا إليها ويطوفوا حولها ويُقرِّبوا إليها القرابين ولما أرسل الله رسوله بدين الهدى والحق وأمره أن يُنذر عشيرته الأقربين صدعَ بالأمر وجهرَ بالحق فتصدَّت له قريشٌ بالأذى والتنكيل فما لا نت له قناةٌ ولا وهن له عزم وإنما جعل يعرض نفسه على القبائل ليمنعوه حتى يُبلِّغ رسالات ربه وقبل الهجرة بسنوات ثلاث استأثر الله بخديجة بنت خويلد ثم مات بعدها عمُّ الرسول أبو طالب فكلبت قريشٌ في أذى الرسول صلى الله عليه وسلم وأقدم سُفهاؤها عليه إقداماً شديداً عند ذلك يمَّم الرسول صلى الله عليه وسلم وجهه شطر الطائف يلتمس النصرة من ثقيف وينشد عندها المنعة من قومه ويرجو أن تقبل منه دعوته فتعزَّ بالإسلام ويعزَّ بها الإسلام وما إن بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم الطائف حتى عمد إلى ثلاثة نفر من سادتها هم عبد ياليل بن عمر وأخواه حبيبٌ ومسعود فعرض عليهم نفسه ودعاهم إلى الله ورغبهم بثوابه وأنذرهم من عقابه فاستكبر منهم من استكبر وسخر منهم من سخر فقال أحدهم للرسول صلوات الله وسلامه عليه مزقت ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الثاني أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك وقال الثالث ساخرا والله لا أكلمك أبدا لأن كنت رسولًا من عند الله كما تقول فأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام ولأن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك عندئذ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم كاسف البال محزون النفس وقد كره أن يبلغ ذلك قومه فيشتدوا في أذا فسألهم أن يكتموا خبره معهم ولكنهم لم يفعلوا لقد أغروا به سفهاءهم وأقعدوا له في طريقه صفين من أشرارهم وبأيديهم الحجارة فلما مر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بينهم جعلوا كلما رفع رجلا يرضخونها بالحجارة وكلما وضع رجلا يرضخونها بالحجارة وهم يسبونه ويعيبونه ويصيحون به فتمزقت قدماه ودمي كعباه وما زالوا به حتى جمعوا عليه الناس وألجأوه إلى بستان لعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة وكانا من قريش ثم انصرفوا عنه جلس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى ظل شجرة وقد بلغ منه الجهد مبلغه ورفع طرفه إلى السماء وقال اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك فلما رآه ابنى ربيعة على هذه الحال تحركت له رحمهما وكانا من قريش فدعو غلاما لهما يقال له عداس وكان نصرانيا وقال له خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل وقل له أن يأكل منه أقبل عداس على النبي صلى الله عليه وسلم ووضع الطبق بين يديه فلما مد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إليه ليأخذ منه قال بسم الله الرحمن الرحيم فنظر عداس في وجهه ثم قال والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس وما دينك قال نصراني من أهل نينوة فقال له الرسول صلوات الله وسلامه عليه من قرية الرجل الصالح يونس ابن متى فقال عداس يا عداس وما يدريك ما يونس ابن متى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي عند ذلك أكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه فلما رأاه سيداه قال ويلك يا عداس ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه قال يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا قال ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه انصرف رسول الله صلوات الله وسلامه عليه من الطائف وقد يأس من خير ثقيف وتوجه إلى مكة مهموما محزونا بعد أن لقي يوما لم يلقى ما هو أشد منه فقد روي عن عائشة رضوان الله عليها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد قال عليه الصلاة والسلام لقيت من قومي ما كان أشد وكان أشد ما لقيت منهم يوم ثقيف إذ عرضت نفسي على عبد يا ليل فلم يجبني إلى ما أرد فانطلقت على وجهي وأنا مغموم فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل وناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي وقال يا محمد أنا ملك الجبال وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بما شئت فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ظلت ثقيف مستمسكة بكفرها معتصمة بحصونها زمنا طويلا فقد هاجر الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى يثرب ولقي فيها من النصرة ما لم يلقه في الطائف ودحر الشرك في بدر وفتح الله عليه الفتح المبين يوم مكة وأسلم من قبائل العرب خلق كثير غير أن ثقيفا لم تسلم وإنما ظلت عاكفة على لاتها تعبدها من دون الله ويوم حنين كان لثقيف في جيش الشرك قوة مذكورة وقد خاضت مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه معركة ضارية دامية فاستحر القتل في بني مالك من ثقيف حتى قتل منهم سبعون رجلا وكان في جملة القتلى سيدان كبيران من سادة القوم ثم ارتدت ثقيف إلى الطائف واعتصمت فيها يمم الرسول صلوات الله وسلامه عليه وجهه بعد حنين نحو الطائف بجيش من أصحابه فحاصرها حصارا شديدا ورماها بالمنجنيق فكان عليه الصلاة والسلام أول من رما بالمنجنيق في الإسلام لكن المدينة الحصينة صمدت أمام هجمات جيش المسلمين وفي يوم من أيام الحصار زحف نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جدار من جدران الطائف تحت دبابة ليخرقوه فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرماهم الرماة بالنبال وقتلوا منهم رجالا دام حصار الرسول صلى الله عليه وسلم للطائف نحو من عشرين يوما ثم رجع عنها بعد أن استشهد تحت أسوارها نفر من أصحابه منهم عبد الله بن أبي بكر الصديق أصابه سهم فما زال مريضا منه حتى فارق الحياة وفيما كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه منصرفا عن الطائف لحق به سيد من سادات ثقيف هو عروة بن مسعود الثقافي فأعلن إسلامه وسأل الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يرجع إلى قومه ليدعوهم إلى الله فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم إنهم قاتلوك إن رجعت إليهم لما عرف من نخوتهم وشدتهم فقال يا رسول الله إني أحب إليهم من أبصارهم وثق الزعيم الثقافي عروة بن مسعود بمكانه من قومه فعاد إليهم وأعلن إسلامه أمامهم وقال لهم والله يا قوم لقد جئت كسرا في ملكه وقيصر في عظمته فما رأيت ملكا في قومه مثل محمد بين أصحابه ولقد رأيت قوما لا يسلمونه بشيء أبدا فانظروا ما رأيكم فإنه عرض عليكم رشدا فقبلوا ما عرض عليكم فإني لكم ناصح لكن ثقيفا لم توقر زعيمها ولم تستجب له وإنما قتلته وبينما كان عروة يصعد أنفاسه الطاهرة أو صاءا لا يدفن مع قومه وإنما يجعل قبره مع الشهداء الذين استشهدوا عند أسوار الطائف من المهاجرين والأنصار وحسن أولئك رفيقا فهو مدفون خارج الطائف ثم إن ثقيفا أخذت بعد ذلك تثوب إلى رشدها وتراجع نفسها رأات المسلمين في صدق إيمانهم وخلوصنياتهم ودقة نظامهم فأكبروهم وعز عليهم أن يتمادوا في حربهم والنكاية لهم ووجدوا الإسلام تنتشر كلمته وتعلو رايته وأنه لا قبل لهم بمقاومته فشرح الله صدورهم للإسلام ووجه قلوبهم للإيمان