بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله ربيعة الرأم رحمه الله ها نحن أولاء في سنة 51 للهجرة وها هي ذيك تائب المسلمين تضرب في فجاج الأرض مشرقة مغربة تحمل للبشرية العقيدة البانية وتمد إليها اليد المصلحة الحانية وتنشر في ربوعها الشرعة التي تحرر الإنسان من عبودية الإنسان وتجعل ولاأه لله وحده لا شريك له وهذا الصحابي الجليل الربيع بن زياد الحارثي أمير خراسان وفاتح سجستان والقائد المظفر يمضي على رأس جيشه الغازي في سبيل الله ومعه غلامه الشجاع فروخ فلقد عزم بعد أن أكرمه الله بفتح سجستان وغيرها من الأسقاع على أن يختم حياته الحافلة بعبور نهر سيحون ورفع رايات التوحيد فوق ذرى تلك الأسقاع التي كانت تدعى ببلاد ما وراء النهر أعد الربيع بن زياد للمعركة الموعودة عدتها واتخذ لها أهبتها وفرض على عدو الله زمانها ومكانها فرضا ولما نشب القتال أبلى فيه الربيع وجنده المغاوير بلاء ما يزال يذكره التاريخ بلسان ندي بالحمد رطيب بالإكبار وأظهر غلامه فروخ في ساحات الوغى من ضروب البسالة وصنوف الإقدام ما زاد الربيع إعجابا به وإكبارا له وتقديرا لمزاياه وانجلت المعركة عن نصر مؤزر للمسلمين فزلزلوا أقدام عدوهم ومزقوا صفوفه وفرقوا جموعه ثم عبر النهر الذي كان يحول دونهم ودون الانسياح في بلاد الترك ويمنعهم من الاندفاع نحو أرض الصين والإيغال في مملكة الصغد والصغد هي منطقة في أواسط آسيا وما إن عبر القائد العظيم النهر واستقرت قدماه على ضفته الثانية حتى بادر فتوضأه وجنوده من مائه فأحسن الوضوع واستقبل القبلة وصلوا ركعتين شكرا لله واهب النصر ثم كافأ القائد الكبير غلامه فروخا على حسن بلائه فأعتق رقبة وقسم له نصيبه من الغنائم الكثيرة الوفيرة ثم زاده من عنده شيئا كثيرا لم تطل الحياة بعد ذلك اليوم الأبلج الأغر بالربيع بن زياد الحارثي حيث وافاه الأجل المحتوم بعد سنتين اثنتين من تحقيق حنمه الكبير فمضى إلى ربه راضيا مرضيا أما الفت الباسر الشجاع فروخ فقد عاد إلى المدينة المنورة يحمل معه سهمه الكبير من الغنائم والهبة السخية التي وهبها له قائده العظيم ويحمل فوق ذلك حريته الغالية وذكرياته الغنية بروائع البطولات المكللة بغبار الوقائع كان فروخ حين هبط مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم شابا موفور الشباب دفاق الحيوية ممتلئا فتوة وفروسية وكان يخطو نحو الثلاثين من عمره وقد عزم فروخ على أن يتخذ لنفسه منزلا يستقر فيه وزوجة يسكن اليها فابتاع دارا من أوسط دور المدينة واختار امرأة راجحة العقل كاملة الفضل صحيحة الدين تقاربه في السن واقترن بها نعم فروخ بداره التي أكرمه الله بها ولقي في صحبة زوجته من هناءة العيش وطيب العشرة ونظارة الحياة فوق ما كان يرجو ويأمل لكن تلك الدار العامرة على كل ما توافر لها من المزايا وتلك الزوجة الصالحة على كل ما حباها الله من كريم الشمائل وجليل الخصائل لم يستطيع أن يتغلب على حنين الفارس المؤمن إلى خوض المعارك وشوقه إلى سماع وقع النصال على النصال وولعه باستئناف الجهاد في سبيل الله فكان كلما ترددت في المدينة أخبار انتصارات الجيوش الإسلامية الغازية في سبيل الله تأججت أشواقه إلى الجهاد واشتد حنينه إلى الاستشهاد وفي ذات يوم من أيام الجمع سمع فروخ خطيب المسجد النبوي يزفر المسلمين بشر انتصارات الجيوش الإسلامية في أكثر من ميدان ويحض الناس على الجهاد في سبيل الله ويرغبهم في الاستشهاد إعزازا لدينه وابتغاء لمرضاته فعاد إلى بيته وقد عقد العزم على الانضواء تحت راية من رايات المسلمين المنتشرة تحت كل نجم وأعلن عزمه هذا لزوجته فقالت له يا أبا عبد الرحمن لمن تتركني وتترك هذا الجنين الذي أحمله بين جوانحي فأنت رجل غريب عن المدينة لا أهل لك فيها ولا عشيرة فقال أتركك لله ورسوله ثم إني خلفت لك ثلاثين ألف دينار جمعتها من غنائم الحرب فصونيها وثمريها وأنفقي منها على نفسك ووليدك بالمعروف حتى أعود إليك سالما غانما أو يرزقني الله الشهادة التي أتمناها ثم ودعها ومضى إلى غايته وضعت السيدة الرزان حملها بعد رحيل زوجها ببضعة أشهر فإذا هو غلام مشرق الوجه حلو القسمات رائع المجتلى ففرحت به فرحا عظيما كاد ينسيها فراق أبي وأطلقت عليه اسم ربيعة بدت على الغلام الصغير علامات النجابة منذ نعومة أظفاره وظهرت أمارات الذكاء في أفعاله وأقواله فأسلمته أمه إلى المعلمين وأوصتهم بأن يحسنوا تعليمه واستدعت له المؤدبين وحضتهم على أن يحكموا تأديبه فما لبث كثيرا حتى أتقن الكتابة والقراءة ثم حفظ كتاب الله عز وجل وجعل يرتله نديا طريا كما أنزل على فؤاد محمد صلوات الله وسلامه عليه ووعى ما تيسر له من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واستظهر من كلام العرب ما يحسن بمثله أن يستظهر وعرف من أمور الدين ما ينبغي أن يعرف وقد أغدقت أم ربيعة على معلم ولدها ومؤدبيه المال والجوائز إغداقا فكانت كلما رأته يزداد علما تزيدهم برا وإكراما وكانت تترقب عودة أبيه الغائب وتجتهد في أن تجعله قرة عين لها وله لكن فاروخا طالت غيبته ثم تضاربت الأقوال فيه فقال بعضهم إنه وقع أسيرا في أيدي الأعداء وقال آخرون إنه ما زال طليقا يواصل الجهاد وقال فريق ثالث عائد من ساحات القتال إنه نال الشهادة التي تمناها فترجح هذا القول الأخير عند أم ربيعة لانقطاع أخباره فحزنت عليه حزنا أمضف آدها ثم احتسبته عند الله كان ربيعة يومئذ قد أيفع وكاد يدخل فيما داخل الشباب فقال الناصحون لأمه ها هو ذا ربيعة قد استكمل ما ينبغي لفتا مثله أن يستكمله من القراءة والكتابة وزاد على أقرانه فحفظ القرآن وروى الحديث فلو تخيرت له حرفة من الحرف فإنه لا يلبث أن يتقنها وينفق عليك وعلى نفسه مما تدره من خير فقالت أسأل الله أن يخير له ما فيه صلاح معاشه ومعاده إن ربيعة قد اختار لنفسه العلم وعزم على أن يعيش متعلما ومعلما ما امتدت به الحياة مضى ربيعة في الطريق التي اختطها لنفسه غير وان ولا مقصر وأقبل على حلقات العلم التي كان يزخر بها مسجد المدينة كما يقبل الظماء على الموارد العذاب ولزم البقية الباقية من الصحابة الكرام وعلى رأسهم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عن الرعيل الأول من التابعين وفي مقدمتهم سعيد بن المسيب ومكحول الشامي وسلمة بن دينار وواصل كلال ليله بكلال نهاره حتى أنهكه الجهد فإذا كللمه أحد في ذلك ودعاه إلى الرفق بنفسه قال سمعنا أشياخنا يقولون إن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته نفسك كلها ثم ما لبث كثيرا حتى ارتفع ذكره وبزغ نجمه وكثر إخوانه وأولع به تلاميذه وسوده قومه ولقد سارت حياة عالم المدينة هادئة وادعة فشطر من يومه في داره لأهله وإخوانه وآخر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمجالس العلم وحلقاته ولقد مضت حياته متشابهة حتى وقع فيها ما لم يكن في الحسبان ما رأيت أحدا أحفظ للسنة من ربيعة ابن الماجشون رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دوأنا