بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قصة يوسف عليه السلام مع مرأة العزيز إنه لا يفلح الظالمون إن مثل المفاجأة التي وقعت ليوسف عليه السلام من تدبير مرأة العزيز ودعوتها الصريحة له للفجور تحتاج إلى سرعة بديهة وفطنة لتجاوزها والسلامة منها لأن التمهل في مدافعتها قد توقع الشاب في شباكها والانجراف معها وهذا ما أرشدنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله جرير بن عبد الله عن نظرة الفجأة فقال اصرف بصرك رواه أحمد فهو نظر فجأة إلى مرأة ولم يتقصد النظر وإنما فوجئ بها أمامه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بصرف بصره عنها لأن هذه النظرة لا يحاسب عليها أما إذا لم يفعل وتمادى في النظر فقد وقع في الفتنة والإثم وهذا التصرف السريع الحكيم بحاجة إلى إيمان حاضر في قلب يقظ يدفع بالمسلم إلى التصرف الصحيح في المواقف الحرجة وهذا ما فعله نبي الله يوسف عليه السلام فإنه فوجئ بتدبير امرأة العزيز لإسقاطه في الفاحشة فدفعها عنه بسرعة بقوله معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون لقد استعاذ بالله من فتنتها ومن استعاذ بالله أعاذه الله وحماه ثم ذكر لها مانعا يمنع العاقل من هذه الفعلة الفاحشة وهو إحسان العزيز إليه وهذا الإحسان لا يقابل بالإساءة والخيانة ثم أعقب ذلك ببيان أن هذه الإساءة في مقابلة الإحسان ظلم للمحسن وإنه لا يفلح الظالمون إن هذه الأمور التي صد بها فتنة امرأة العزيز نابعة من العلم الذي علمه الله إياه في قوله ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلم وكذلك نجزي المحسنين ولذلك كلما تعلم المسلم أمور دينه عرف مداخل عدوه إبليس عليه فأغلقها وعرف عواقب مخالفة أمر الله فخافه والتزم بطاعة الله إن ذكر يوسف لمانع الإساءة لمن أحسن إليه فيه تذكير لمرأة العزيز التي سعت في مراودة يوسف بأن تتذكر إحسان زوجها إليها كذلك فلا تقابله بالإساءة إليه في عرضه وخيانته في غيبته إن نبينا الكريم علمنا أن إحسان الزوج إلى الزوجة شيء عظيم يصعب على المرأة أن توفيه حقه وأن عدم شكرها له بلسانها يردي بها في جهنم فكيف لو أساءت بأفعالها ولم تصن عرضه في غيبته لا شك أن الإثم في ذلك عظيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أريت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفضع ورأيت أكثر أهلها النساء قالوا بما يا رسول الله قال بكفره قيل يكفرن بالله قال يكفرن العشيرة ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط رواه البخاري وقال أيضا عليه الصلاة والسلام إيا كن وكفران المنعمين إيا كن وكفران المنعمين قالت إحداهن يا رسول الله أعوذ بالله يا نبي الله من كفران نعم الله قال بلى إن إحدا كن تطول أيمتها ويطول تعنيسها ثم يزوجها الله البعل ويفيدها الولد وقرة العين ثم تغضب الغضبة فتقسم بالله ما رأت منه ساعة خيرا قط فذلك من كفران نعم الله عز وجل وذلك من كفران المنعمين رواه أحمد وقال صلى الله عليه وسلم لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه رواه النسائي في الكبرى فإذا كانت هذه عقوبة من جحدت إحسان زوجها برسانها فما هي عقوبة من جحدت الإحسان بالأفعال الشنيعة فيوسف عليه السلام يذكرها بطريقة غير مباشرة بأنه كان الواجب عليها أن تشكر إحسان زوجها عليها خاصة وهي امرأة عزيز مصر وأمثال هؤلاء لن يدخروا وسعا في الإغداق على نسائهم وقصورهم ثم ذكرها بأمر آخر وهو أن منكر الإحسان ظالم وأنه لا يفلح الظالمون يقولها لها وهو يتذكر إحسان العزيز إليه وهو أقل بكثير من إحسان العزيز لامرأته وهذا يعني أن ظلمها للعزيز كبير جدا بهذه الفعلة أخيتي ثقي تماما أن الظالم لن يوفق سواء كان الظلم صادرا منك أو صادرا من زوجك الظالم لا يفلح في مسعاه فإياك ثم إياك والوقوع في الظلم وكوني على ثقة من ذلك وما كان يوسف عليه السلام واثقا جدا من ذلك حتى هدد أمرأة العزيز بهذه العبارة إنه لا يفلح الظالمون هذه الحقيقة هي التي يقررها الله عز وجل وهي السنة الماضية التي لا تتبدل ولا تتغير ألا وهي عدم فلاح الظالم أما بدى لنا في الظاهر أو في بادئ الأمر أنه منتصر ومستبد بالأمر يبطش ولا يقف في وجهه أحد وهذا عام في كل من أساء إلى من أحسن إليه وقابل الإحسان بالإساءة فهو ظالم ولن يفلح في الدنيا ولا في الآخرة ولن ينال مراده من هذا الظلم وهذه الحقيقة من جهة أخرى وهي بشارة لكل مظلوم بأن الظالم لن يفلح لا في الدنيا ولا في الآخرة وأنه لن يدرك مراده من ظلمه وأنه إن عاجلا أو آجلا سينقلب عليه ظلمه وأعظم الناس إحسانا إلى الناس هم العلماء والدعاة والمصلحون الذين بذلوا أوقاتهم وأعمارهم في تعليم الناس ودعوتهم ونصحهم ونخراجهم من ظلمات الجهل إلى نور الإسلام ومن عبودية الخلق إلى عبودية الله ومن ضنك العيش إلى سعادة الدنيا والآخرة ولم يتدخروا جهدا في ذلك أبدا فكيف قابلهم الناس إذا نظرنا إلى تاريخ العلماء في هذه الأمة المعاصر منه أو القديم يجد أن العلماء قوبلوا بالإحسان والتبجيل من أهل الإحسان الذين عرفوا مكانتهم ومنزلتهم في الشريعة كما قوبلوا بالجحود والإيذاء باللسان أو بالسجن أو بالملاحقة والتعذيب ممن ينطبق عليهم وصف الظلم والطغيان في الأرض ومع ذلك فإن انتقام الله منهم لا شك فيه ولا ريب قال أبو القاسم بن عساكر رحمه الله اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم وإذا كان هذا في الإساءة لهم باللسان فكيف يكون حال من سجنهم أو قتلهم أو عذبهم إنه لا يفلح الظالمون للحديث بقية نكمل في لقاء قادم إن شاء الله قصة يوسف مع أمرأة العزيز