بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله العلاء ابن الحضربي رضي الله عنه غفت المدينة المحزونة الثكلا على جراحها في تلك الليلة فقد فقدت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أشد ما تكون تعلقا به وحاجة إليه غير أن خليفة المسلمين أبا بكر الصديق لم يذق للنوم طعما فكأنما حشي مهاده بالشوك أو كحلت عيناه بالجمر وكيف تطمئن للصديق نفس وجل العرب قد خرجوا من دين الله أفواجا وارتدوا عن الإسلام وكيف يغمض له جفن ودولة الرسول صلى الله عليه وسلم الكبرى التي شيدت خلال ثلاثة وعشرين عاما بالجهد والجهاد وبنيت بالأحزان والأشجان حتى شملت الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها قد انكمشت اليوم فأصبحت محصورة في مثلث صغير رأسه في المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية وقاعدته تمتد بين مكة والطائف ولقد جيش الصديق من هذه القلة القليلة الباقية معه على الإيمان عشرة جيوش واختار لها عشرة من القادة الأفذاذ الذين توفي الرسول صلوات الله وسلامه عليه وهو عنه مراض ودفع بهم في كل اتجاه لقتال المرتدين وكان أشد ما يؤرقه في تلك الليلة اختيار القائد الحادي عشرة للجيش الذي سيوجهه إلى قتال المرتدين في البحرين وما تلاها من بلاد جنوب الجزيرة العربية فقد كانت مهمة هذا الجيش محفوفة بالمخاطر وكان طريقه مفروشا بالشوك والعذاب وظل الصديق رضوان الله عليه يتقلب على مهاده حتى شق سكون الليل بلال بن رباح بصوته الشجي الندي فدمعت عين الصديق عند سماع صوت مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولمعت في الوقت نفسه في ذهنه فكرة أضاءت له السبيل إلى اختيار القائد المنشود فانبسطت أساريره السمحة ولاحت على وجهه الرقيق النبي للمحزون غلالة شفافة من الرضا والطمأنينة ولما قضيت المكتوبة دعا بالقرطاس والدوات وكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم للعلا ابن الحضرمي حين بعثه لقتال المرتدين في البحرين وما جاورها وعهد إليه بأن يتق الله ما استطاع في سره وفي جهره وأمره بالجد في أمر الله ومجاهدة من تولى عن دينه ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان لقي اختيار العلا ابن الحضرمي قائدا للجيش المتجه إلى قتال المرتدين في البحرين ارتياحا كبيرا لدى وجوه المسلمين فالعلا صحابي قديم الصحبة وثيق الصلة بالرسول صلوات الله وسلامه عليه وأحد كتاب الوحي والمؤتمانين عليه زد على ذلك أنه هو الذي أدخل الإسلام إلى البحرين دون أن يريق قطرة دم أو يصيب أحدا بكلم وذلك حين بعثه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه إلى المنذر ابن ساوى برسالة يدعوه فيها إلى الإسلام فما زار يتلطف به ويتوخى الحكمة في عرض الإسلام عليه حتى أعلن إسلامه هو وقومه فآقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ملكه وولل على ابن الحضرمي على الصدقات وأمره أن يأخذ الزكاة من الأغنياء وأن يضعها في الفقراء وظل العلاء في عمله هذا إلى أن توفي الرسول صلوات الله وسلامه عليه ولحق به الملك المنذر ابن ساوى في نفس الشهر عليه رحمة الله لم يكن أمام العلاء ابن الحضرمي وجيشه الغازي في سبيل الله من طريق يسلكونه إلى البحرين سوى صحراء الدهناء تلك الصحراء التي كانت مخوفة آنذاك وما تزال مخوفة إلى اليوم والتي تعرف الآن بالربع الخالي فمضى الجيش المؤمن المبارك يطوي المفاوز طيا وهو في حرب ضروس مع الرياح السافيات ونضال مرير مع الرمال العاتيات وصراع رهيب مع الطبيعة القاسية حيث لا ماء ولا شجر ولا حياة وفيما كان القوم على حالهم هذه نزل بهم ما لم يقع في حسبان حاسب أو يرق إليه خيال متخيل ففي مساء ليلة ضريرة النجم حالكة الجلباب نزل الجيش عن جماله طلبا للراحة وترقبا لانبلاج الفجر المبصر إذ لم يكن في وسعهم أن يمشوا في الليل خوفا من الضياع في هذه الصحاري التي لم تخطط بها قدم طريقا ولو خطته لأتت عليه الرمال السافيات في بضع لحظات فما كادوا يستقرون على الأرض حتى هب جمل من جمالهم مذعورا لسبب لم يعرفوه وانطلق يعدو كالمجنون في تلك الفياف المظلمة فاستثيرت لذعره الجمال الأخرى جميعها واندفع التجري وراءه كأنما ركبها ألف عفريت أو لدغ كل منها ألف ثعبان وقد حاول الرجال الأشداء أنضاء الصحراء أن يوقفوا هذه الحيوانات الهائجة المائجة أو يلحقوا بها لكنهم ما لبثوا أن أضلوها وأضلتهم وابتلعتها الصحراء وفي لحظات قليلات وجد الجيش نفسه في تلك المفاوز المهلكة بغير ماء ولا زاد ولا راحلة ولا أمل لك أن تتصور أيها المستمع الكريم ما دهم نفوسهم من كرب ولك أن تتخيل ما صدع أفئدتهم من قطب ولك أن تطلق العنان لخيالك المجنح لترى ما الذي كان يعترج في أغوار تلك الصدور لقد أيقنوا أنهم هالكون لا محالة وأن هذه الصحراء ستطويهم في جوفها الكبير كما يطوي البحر المحيط في أحشائه حفنة من الرمال وأنهم سيبقون سرا من أسرار هذه المفاوز الرهيبة لن تبوح به لأحد وجعل بعضهم يوصي بعضا وهم على يقين بأنه لن يخرج من بين فكي هذه المهلكة أحد سالما ولكنها سنة الحياة عند ذلك أقبل القائد الملهم تلميذ المدرسة المحمدية الفذة الفريدة على جنده وقال لهم في لهجة المطمئن الواثق ما هذا الذي غلب عليكم من الجزع والهلع والهم فقالوا ما بالك تلومنا ونحن إن بقينا إلى غد وأسلمنا الليل إلى النهار فإن الشمس لا تلبث أن تهلكنا عطشا قبل أن يرتفع قرصها إلى قبة الفلك فقال لهم إني لعلى ثقة بأنكم لن تصابوا بضر أبدا فأنتم المسلمون لله المؤمنون به في سبيله خرجتم وانتصارا لدينه نهظتم فأبشروا بفرج من عنده ووالله إنكم لن تخذلوا ولن تصابوا بما يسوءكم وإن فرج الله أقرب إليكم مما تظنون نزلت كلمات القائد المؤمن في أفئدة رجاله منزلة الماء العذب البرود من ذلغلة الصادي فسكنت نفوسهم واطمأنت قلوبهم وأسلموا أعينهم إلى الكرى ولما انبلج الفجر تيمموا صعيدا طيبا ووقفوا بين يدي ربهم خاشعين مخبطين فلما انتهت الصلاة استدار العلاء بوجهه نحوهم ورفع كفيه نحو السماء وجعل يدعو الله عز وجل بقلب ضارع وطرف دامع ونفس مؤملة راجئة وهم يدعون بدعائه ويؤمنون على رجائه فلم يفرغ من نجواه لربه حتى لاح لهم الماء من بعيد وجعلت صفحته الفضية تلتمع تحت تباشير الصباح فحسبه الجند أول الأمر سرابا كذلك الذي يراه المرء في الصحراء فلما أقبلوا عليه وجدوه ماء فجعلوا يهللون ويكبرون وطفقوا يشربون ويغتسلون ولبثوا عنده ينتظرون بقية فرج الله وما كاد ينتصف النهار حتى رأوا من بعيد أشباحا تتجه نحوهم فحددوا نحوها النظر فإذا هيتدنوا منهم شيئا فشيئا وما هو إلا قليل حتى أيقنوا أنها جمالهم تسعى إليهم وكأن حاديا يسوقها نحوهم سوقا ومن خلال دموع الفرح بفرج الله عز وجل والأمل بنصره رأى وعيرهم تقبلوا جميعا على الماء كما ذهبت جميعا وعليها أقطابها وأحلاسها والمأونة والزاد