WEBVTT

00:00:00.000 --> 00:00:03.000
بسم الله الرحمن الرحيم

00:00:15.609 --> 00:00:17.609
يسر جمعية مودة

00:00:17.609 --> 00:00:21.609
أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة

00:00:21.609 --> 00:00:25.640
لعبد الرحمن رأفة الباشا

00:00:25.640 --> 00:00:30.100
رحمه الله

00:00:30.100 --> 00:00:34.100
العلاء ابن الحضربي رضي الله عنه

00:00:51.450 --> 00:00:56.450
غفت المدينة المحزونة الثكلا على جراحها في تلك الليلة

00:00:56.450 --> 00:01:01.450
فقد فقدت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه

00:01:01.450 --> 00:01:05.450
أشد ما تكون تعلقا به وحاجة إليه

00:01:05.450 --> 00:01:11.450
غير أن خليفة المسلمين أبا بكر الصديق لم يذق للنوم طعما

00:01:11.450 --> 00:01:17.579
فكأنما حشي مهاده بالشوك أو كحلت عيناه بالجمر

00:01:17.579 --> 00:01:20.579
وكيف تطمئن للصديق نفس

00:01:20.579 --> 00:01:26.579
وجل العرب قد خرجوا من دين الله أفواجا وارتدوا عن الإسلام

00:01:26.579 --> 00:01:28.579
وكيف يغمض له جفن

00:01:28.579 --> 00:01:32.579
ودولة الرسول صلى الله عليه وسلم الكبرى

00:01:32.579 --> 00:01:37.579
التي شيدت خلال ثلاثة وعشرين عاما بالجهد والجهاد

00:01:37.579 --> 00:01:40.579
وبنيت بالأحزان والأشجان

00:01:40.579 --> 00:01:47.579
حتى شملت الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها قد انكمشت اليوم

00:01:47.579 --> 00:01:51.579
فأصبحت محصورة في مثلث صغير

00:01:51.579 --> 00:01:56.579
رأسه في المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية

00:01:56.579 --> 00:02:00.670
وقاعدته تمتد بين مكة والطائف

00:02:00.670 --> 00:02:07.670
ولقد جيش الصديق من هذه القلة القليلة الباقية معه على الإيمان عشرة جيوش

00:02:07.670 --> 00:02:11.669
واختار لها عشرة من القادة الأفذاذ

00:02:11.669 --> 00:02:17.800
الذين توفي الرسول صلوات الله وسلامه عليه وهو عنه مراض

00:02:17.800 --> 00:02:21.800
ودفع بهم في كل اتجاه لقتال المرتدين

00:02:21.800 --> 00:02:24.800
وكان أشد ما يؤرقه في تلك الليلة

00:02:24.800 --> 00:02:31.800
اختيار القائد الحادي عشرة للجيش الذي سيوجهه إلى قتال المرتدين في البحرين

00:02:31.800 --> 00:02:35.800
وما تلاها من بلاد جنوب الجزيرة العربية

00:02:35.800 --> 00:02:39.800
فقد كانت مهمة هذا الجيش محفوفة بالمخاطر

00:02:39.800 --> 00:02:43.800
وكان طريقه مفروشا بالشوك والعذاب

00:02:43.800 --> 00:02:48.800
وظل الصديق رضوان الله عليه يتقلب على مهاده

00:02:48.800 --> 00:02:53.800
حتى شق سكون الليل بلال بن رباح بصوته الشجي الندي

00:02:53.800 --> 00:03:00.800
فدمعت عين الصديق عند سماع صوت مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:03:00.800 --> 00:03:04.800
ولمعت في الوقت نفسه في ذهنه فكرة

00:03:04.800 --> 00:03:08.800
أضاءت له السبيل إلى اختيار القائد المنشود

00:03:08.800 --> 00:03:11.800
فانبسطت أساريره السمحة

00:03:11.800 --> 00:03:15.800
ولاحت على وجهه الرقيق النبي للمحزون

00:03:15.800 --> 00:03:19.800
غلالة شفافة من الرضا والطمأنينة

00:03:19.800 --> 00:03:24.900
ولما قضيت المكتوبة دعا بالقرطاس والدوات وكتب

00:03:24.900 --> 00:03:27.900
بسم الله الرحمن الرحيم

00:03:27.900 --> 00:03:33.900
هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم

00:03:33.900 --> 00:03:35.900
للعلا ابن الحضرمي

00:03:35.900 --> 00:03:40.900
حين بعثه لقتال المرتدين في البحرين وما جاورها

00:03:40.900 --> 00:03:45.900
وعهد إليه بأن يتق الله ما استطاع في سره وفي جهره

00:03:45.900 --> 00:03:48.900
وأمره بالجد في أمر الله

00:03:48.900 --> 00:03:50.900
ومجاهدة من تولى عن دينه

00:03:50.900 --> 00:03:54.900
ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان

00:03:54.900 --> 00:03:57.900
لقي اختيار العلا ابن الحضرمي

00:03:57.900 --> 00:04:01.900
قائدا للجيش المتجه إلى قتال المرتدين في البحرين

00:04:01.900 --> 00:04:04.900
ارتياحا كبيرا لدى وجوه المسلمين

00:04:04.900 --> 00:04:08.900
فالعلا صحابي قديم الصحبة

00:04:08.900 --> 00:04:12.900
وثيق الصلة بالرسول صلوات الله وسلامه عليه

00:04:12.900 --> 00:04:15.900
وأحد كتاب الوحي والمؤتمانين عليه

00:04:15.900 --> 00:04:20.899
زد على ذلك أنه هو الذي أدخل الإسلام إلى البحرين

00:04:20.899 --> 00:04:24.899
دون أن يريق قطرة دم أو يصيب أحدا بكلم

00:04:24.899 --> 00:04:29.899
وذلك حين بعثه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه

00:04:29.899 --> 00:04:31.899
إلى المنذر ابن ساوى

00:04:31.899 --> 00:04:34.899
برسالة يدعوه فيها إلى الإسلام

00:04:34.899 --> 00:04:36.899
فما زار يتلطف به

00:04:36.899 --> 00:04:39.899
ويتوخى الحكمة في عرض الإسلام عليه

00:04:39.899 --> 00:04:42.899
حتى أعلن إسلامه هو وقومه

00:04:43.899 --> 00:04:47.899
فآقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ملكه

00:04:47.899 --> 00:04:50.899
وولل على ابن الحضرمي على الصدقات

00:04:50.899 --> 00:04:53.899
وأمره أن يأخذ الزكاة من الأغنياء

00:04:53.899 --> 00:04:55.899
وأن يضعها في الفقراء

00:04:55.899 --> 00:04:58.899
وظل العلاء في عمله هذا

00:04:58.899 --> 00:05:02.899
إلى أن توفي الرسول صلوات الله وسلامه عليه

00:05:02.899 --> 00:05:06.899
ولحق به الملك المنذر ابن ساوى في نفس الشهر

00:05:06.899 --> 00:05:08.899
عليه رحمة الله

00:05:08.899 --> 00:05:12.019
لم يكن أمام العلاء ابن الحضرمي

00:05:12.019 --> 00:05:14.019
وجيشه الغازي في سبيل الله

00:05:14.019 --> 00:05:17.019
من طريق يسلكونه إلى البحرين

00:05:17.019 --> 00:05:19.019
سوى صحراء الدهناء

00:05:19.019 --> 00:05:23.019
تلك الصحراء التي كانت مخوفة آنذاك

00:05:23.019 --> 00:05:26.019
وما تزال مخوفة إلى اليوم

00:05:26.019 --> 00:05:29.019
والتي تعرف الآن بالربع الخالي

00:05:29.019 --> 00:05:33.019
فمضى الجيش المؤمن المبارك يطوي المفاوز طيا

00:05:33.019 --> 00:05:37.019
وهو في حرب ضروس مع الرياح السافيات

00:05:37.019 --> 00:05:40.019
ونضال مرير مع الرمال العاتيات

00:05:40.019 --> 00:05:44.019
وصراع رهيب مع الطبيعة القاسية

00:05:44.019 --> 00:05:47.019
حيث لا ماء ولا شجر ولا حياة

00:05:47.019 --> 00:05:50.089
وفيما كان القوم على حالهم هذه

00:05:50.089 --> 00:05:54.089
نزل بهم ما لم يقع في حسبان حاسب

00:05:54.089 --> 00:05:57.089
أو يرق إليه خيال متخيل

00:05:57.089 --> 00:06:00.089
ففي مساء ليلة ضريرة النجم

00:06:00.089 --> 00:06:02.089
حالكة الجلباب

00:06:02.089 --> 00:06:05.089
نزل الجيش عن جماله طلبا للراحة

00:06:05.089 --> 00:06:08.089
وترقبا لانبلاج الفجر المبصر

00:06:08.089 --> 00:06:11.089
إذ لم يكن في وسعهم أن يمشوا في الليل

00:06:11.089 --> 00:06:14.089
خوفا من الضياع في هذه الصحاري

00:06:14.089 --> 00:06:17.089
التي لم تخطط بها قدم طريقا

00:06:17.089 --> 00:06:20.089
ولو خطته لأتت عليه

00:06:20.089 --> 00:06:23.089
الرمال السافيات في بضع لحظات

00:06:23.089 --> 00:06:26.089
فما كادوا يستقرون على الأرض

00:06:26.089 --> 00:06:29.089
حتى هب جمل من جمالهم مذعورا

00:06:29.089 --> 00:06:31.089
لسبب لم يعرفوه

00:06:31.089 --> 00:06:33.089
وانطلق يعدو كالمجنون

00:06:33.089 --> 00:06:36.089
في تلك الفياف المظلمة

00:06:36.089 --> 00:06:39.089
فاستثيرت لذعره الجمال الأخرى جميعها

00:06:39.089 --> 00:06:41.089
واندفع التجري وراءه

00:06:41.089 --> 00:06:44.089
كأنما ركبها ألف عفريت

00:06:44.089 --> 00:06:47.089
أو لدغ كل منها ألف ثعبان

00:06:47.089 --> 00:06:50.089
وقد حاول الرجال الأشداء

00:06:50.089 --> 00:06:52.089
أنضاء الصحراء

00:06:52.089 --> 00:06:54.089
أن يوقفوا هذه الحيوانات

00:06:54.089 --> 00:06:56.089
الهائجة المائجة

00:06:56.089 --> 00:06:58.089
أو يلحقوا بها

00:06:58.089 --> 00:07:01.089
لكنهم ما لبثوا أن أضلوها وأضلتهم

00:07:01.089 --> 00:07:03.089
وابتلعتها الصحراء

00:07:03.089 --> 00:07:05.089
وفي لحظات قليلات

00:07:05.089 --> 00:07:09.089
وجد الجيش نفسه في تلك المفاوز المهلكة

00:07:09.089 --> 00:07:11.089
بغير ماء ولا زاد

00:07:11.089 --> 00:07:14.089
ولا راحلة ولا أمل

00:07:14.089 --> 00:07:17.120
لك أن تتصور أيها المستمع الكريم

00:07:17.120 --> 00:07:20.120
ما دهم نفوسهم من كرب

00:07:20.120 --> 00:07:24.120
ولك أن تتخيل ما صدع أفئدتهم من قطب

00:07:24.120 --> 00:07:27.120
ولك أن تطلق العنان لخيالك المجنح

00:07:27.120 --> 00:07:31.120
لترى ما الذي كان يعترج في أغوار تلك الصدور

00:07:31.120 --> 00:07:35.120
لقد أيقنوا أنهم هالكون لا محالة

00:07:35.120 --> 00:07:37.120
وأن هذه الصحراء

00:07:37.120 --> 00:07:39.120
ستطويهم في جوفها الكبير

00:07:39.120 --> 00:07:44.120
كما يطوي البحر المحيط في أحشائه حفنة من الرمال

00:07:44.120 --> 00:07:49.120
وأنهم سيبقون سرا من أسرار هذه المفاوز الرهيبة

00:07:49.120 --> 00:07:51.120
لن تبوح به لأحد

00:07:51.120 --> 00:07:54.120
وجعل بعضهم يوصي بعضا

00:07:54.120 --> 00:08:00.120
وهم على يقين بأنه لن يخرج من بين فكي هذه المهلكة أحد سالما

00:08:00.120 --> 00:08:03.120
ولكنها سنة الحياة

00:08:03.120 --> 00:08:07.250
عند ذلك أقبل القائد الملهم

00:08:07.250 --> 00:08:12.250
تلميذ المدرسة المحمدية الفذة الفريدة على جنده

00:08:12.250 --> 00:08:15.250
وقال لهم في لهجة المطمئن الواثق

00:08:15.250 --> 00:08:20.250
ما هذا الذي غلب عليكم من الجزع والهلع والهم

00:08:20.250 --> 00:08:23.250
فقالوا ما بالك تلومنا

00:08:23.250 --> 00:08:27.250
ونحن إن بقينا إلى غد وأسلمنا الليل إلى النهار

00:08:27.250 --> 00:08:31.250
فإن الشمس لا تلبث أن تهلكنا عطشا

00:08:31.250 --> 00:08:34.250
قبل أن يرتفع قرصها إلى قبة الفلك

00:08:34.250 --> 00:08:41.309
فقال لهم إني لعلى ثقة بأنكم لن تصابوا بضر أبدا

00:08:41.309 --> 00:08:45.309
فأنتم المسلمون لله المؤمنون به

00:08:45.309 --> 00:08:47.309
في سبيله خرجتم

00:08:47.309 --> 00:08:49.309
وانتصارا لدينه نهظتم

00:08:49.309 --> 00:08:52.309
فأبشروا بفرج من عنده

00:08:52.309 --> 00:08:55.309
ووالله إنكم لن تخذلوا

00:08:55.309 --> 00:08:58.309
ولن تصابوا بما يسوءكم

00:08:58.309 --> 00:09:02.309
وإن فرج الله أقرب إليكم مما تظنون

00:09:02.309 --> 00:09:06.309
نزلت كلمات القائد المؤمن في أفئدة رجاله

00:09:06.309 --> 00:09:11.309
منزلة الماء العذب البرود من ذلغلة الصادي

00:09:11.309 --> 00:09:15.309
فسكنت نفوسهم واطمأنت قلوبهم

00:09:15.309 --> 00:09:18.379
وأسلموا أعينهم إلى الكرى

00:09:18.379 --> 00:09:22.379
ولما انبلج الفجر تيمموا صعيدا طيبا

00:09:22.379 --> 00:09:26.379
ووقفوا بين يدي ربهم خاشعين مخبطين

00:09:26.379 --> 00:09:31.379
فلما انتهت الصلاة استدار العلاء بوجهه نحوهم

00:09:31.379 --> 00:09:34.379
ورفع كفيه نحو السماء

00:09:34.379 --> 00:09:38.379
وجعل يدعو الله عز وجل بقلب ضارع

00:09:38.379 --> 00:09:42.379
وطرف دامع ونفس مؤملة راجئة

00:09:42.379 --> 00:09:46.379
وهم يدعون بدعائه ويؤمنون على رجائه

00:09:46.379 --> 00:09:51.379
فلم يفرغ من نجواه لربه حتى لاح لهم الماء من بعيد

00:09:51.379 --> 00:09:56.379
وجعلت صفحته الفضية تلتمع تحت تباشير الصباح

00:09:56.379 --> 00:10:00.379
فحسبه الجند أول الأمر سرابا

00:10:00.379 --> 00:10:03.379
كذلك الذي يراه المرء في الصحراء

00:10:03.379 --> 00:10:06.379
فلما أقبلوا عليه وجدوه ماء

00:10:06.379 --> 00:10:09.379
فجعلوا يهللون ويكبرون

00:10:09.379 --> 00:10:12.379
وطفقوا يشربون ويغتسلون

00:10:12.379 --> 00:10:16.379
ولبثوا عنده ينتظرون بقية فرج الله

00:10:16.379 --> 00:10:19.379
وما كاد ينتصف النهار

00:10:19.379 --> 00:10:23.379
حتى رأوا من بعيد أشباحا تتجه نحوهم

00:10:23.379 --> 00:10:25.379
فحددوا نحوها النظر

00:10:25.379 --> 00:10:28.379
فإذا هيتدنوا منهم شيئا فشيئا

00:10:28.379 --> 00:10:30.379
وما هو إلا قليل

00:10:30.379 --> 00:10:34.379
حتى أيقنوا أنها جمالهم تسعى إليهم

00:10:34.379 --> 00:10:38.379
وكأن حاديا يسوقها نحوهم سوقا

00:10:38.379 --> 00:10:41.379
ومن خلال دموع الفرح بفرج الله عز وجل

00:10:41.379 --> 00:10:43.379
والأمل بنصره

00:10:43.379 --> 00:10:46.379
رأى وعيرهم تقبلوا جميعا على الماء

00:10:46.379 --> 00:10:48.379
كما ذهبت جميعا

00:10:48.379 --> 00:10:51.379
وعليها أقطابها وأحلاسها

00:10:51.379 --> 00:10:53.379
والمأونة والزاد
