بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمهية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك ما كاد التابعي الجليل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ينفض يديه من تراب قبر سلفه سليمان بن عبد الملك حتى سمع للأرض من حوله رجة فقال ما هذه فقالوا هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين قد أعدت لك لتركبها فنظر إليها عمر بطرف عينه وقال بصوته المتهدج الذين هكه التعب وأذبله السهر ما لي ولها نحوها عني بارك الله عليكم وقربوا لي بغلتي فإن لي فيها بلاغا ثم إنه ما كاد يستوي على ظهر البغلة حتى جاء صاحب الشرط ليمشي بين يديه ومعه ثلة من رجاله اصطفوا عن يمينه وعن شماله وفي أيديهم حرابهم اللامعة فالتفت إليه وقال ما لي بك وبهم حاجة فما أنا إلا رجل من المسلمين أغدوا كما يغدون وأروح كما يروحون ثم سار وسار الناس معه حتى دخل المسجد ونودي في الناس الصلاة جامعه الصلاة جامعه فتسايل الناس على المسجد من كل ناحية فلما اكتملت جموعهم قام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر على غير رأي مني فيه ولا طلب له ولا مشورة من المسلمين وإني خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم خليفة ترضونه فصاح الناس صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك فلأمرنا باليمن والبركة فلما رأى أن الأصوات قد هدأت والقلوب قد اطمأنت حمد الله كرة أخرى وأثنى عليه وصلى وسلم على محمد عبده ورسوله وطفق يحض الناس على التقوى ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الآخرة ويذكرهم بالموت بلهجة تستلين القلوب القاسية وتستدر الدموع العاصية وتخرج من فؤاد صاحبها فتستقر في أفئدة السامعين ثم رفع صوته المتعب حتى أسمع الناس جميعا وقال أيها الناس من أطاع الله وجب الطاعته ومن عصى الله فلا طاعت له على أحد أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيت الله فلا طاعت لي عليكم ثم نزل عن المنبر واتجه إلى بيته وأوى إلى حجرته فقد كان يبتغي أن يصيب ساعة من الراحة بعد ذلك الجهد الجاهد الذي كان فيه منذ وفاة الخليفة لكن عمر بن عبد العزيز ما كاد يسلم جنبه إلى مطجعه حتى أقبل عليه ابنه عبد الملك وكان يومئذ يتجه نحو السابعة عشرة من عمره وقال ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين فقال أي بني أريد أن أغفو قليلا فلم تبق في جسدي طاقة فقال أتغفو قبل أن ترد المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين فقال أي بني إني قد سهرت البارحة في عمك سليمان وإني إذا حان الظهر صليت في الناس ورددت المظالم إلى أهلها إن شاء الله فقال ومن لك يا أمير المؤمنين بأن تعيش إلى الظهر فألهبت هذه الكلمة عزيمة عمر وأطارت النوم من عينيه وبعثت القوة والعزم في جسده المتعب وقال أدن مني أي بني فدنا منه فضمه إليه وقبل ما بين عينيه وقال الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني ثم قام وأمر أن ينادا في الناس ألا من كانت له مظلمة فليرفعها فمن عبد الملك هذا ما خبر هذا الفتى الذي قال عنه الناس إنه هو الذي أدخل أباه في العبادة وسلكه مسلك الزهادة تعالوا نلم بقصة هذا الفتى الصالح من أولها كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدا فيهم ثلاث بنات وكانوا جميعا على حظ موفور من التقى ومقام كبير من الصلاح لكن عبد الملك كان واسطة عقد إخوته وكوكبهم المتألق لقد كان أديبا أريبا له سن الفتيان وعقل الكهول ثم إنه نشأ في طاعة الله عز وجل منذ نعومة أظفاره فكان أقرب الناس سمتا إلى آل الخطاب عامة وأشبههم بعبد الله بن عمر خاصة في تقواه لله وتخوفه من معاصيه وتقربه إليه بالطاعة حدث ابن عمه عاصم قال وفدت على دمشق فنزلت على ابن عمي عبد الملك وهو عزب فصلين العشاء وأوى كل منا إلى فراشه فقام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه وأسلم كل منا جفنيه إلى الكرى ثم إن استيقظت في جوف الليل فإذا عبد الملك قائم يصلي في العتمة وهو يقرأ قوله جل وعز فما راعني منه إلا أنه كان يردد الآية وينشج نشيجا مكبوثا يقطع نياط القلوب وكان كل ما فرغ من الآية عاد إليها حتى قلت سيقتله البكاء فلما رأيت ذلك قلت لا إله إلا الله والحمد لله كما يفعل المستيقظ من النوم لإقطع عليه البكاء فلما سمعني سكت فلم أسمع له حسا وقد تتلمذ الفتى العمري على أكابر علماء عصره حتى تملا من كتاب الله وتضلع بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفقها في الدين فغدا على حداثة سنه يزاحم الطبقة الأولى من فقهاء أهل الشام في زمانه أدروي أن عمر بن عبد العزيز جمع قراء الشام وفقهاءها وقال إني قد دعوتكم لأمر هذه المظالم التي في أيدي أهل بيتي فما ترون فيها فقالوا يا أمير المؤمنين إن ذلك أمر كان في غير ولايتك وإن وزر هذه المظالم على من غصبها فلم يرتح إلى ما قالوه جفت إليه أحدهم من من كان يرى غير رأيهم وقال إبعث يا أمير المؤمنين إلى عبد الملك فإنه ليس بدون من دعوت علما أو فقها أو عقلا فلما دخل عليه عبد الملك قال له عمر ما ترى في هذه الأموال التي أخذها بن عمنا من الناس ظلما وقد حضر أصحابها وجعلوا يطلبونها وقد عرفنا حقهم فيها فقال أرى أن تردها إلى أصحابها مادم تقد عرفت أمرها وإنك إن لم تفعل كنت شريكا للذين أخذوها ظلما فانبسطت أسارير عمر وارتاحت نفسه وزال عنهما أهمه ولقد آثر الفتى العمري المرابطة على الثغور والإقامة في إحدى المدن القريبة منها على البقاء في بلاد الشام فمضى إليها وخلف وراءه دمشق ذات الرياض النظرة والظلال الضليلة والأنهار السبعة وكان أبو على الرغم من كل ما عرفه من صلاحه وتقاه شديد الخوف عليه من نزغات الشيطان كثير الإشفاق عليه من نزوات الشباب حريصا على أن يعلم من أمره كل ما يجوز له أن يعلم وكان لا يغفل عن ذلك أبدا ولا يهمله حدث ميمون بن مهران وزير عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره قال دخلت على عمر بن عبد العزيز فوجدته يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك يعظه فيها وينصحه ويبصره ويحذره وينذره ويبشره وكان مما جاء فيها قوله أما بعد فإن أحق من وعى عني وفهم قولي لأنت وإن الله وله الحمد قد أحسن إلينا في صغير الأمر وكبيره فاذكر يا ابني فضل الله عليك وعلى والديك وأياك والكبر والعظمة فإنها من عمل الشيطان وهو للمؤمنين عدو مبين وعلم أني لم أبعث إليك بكتابي هذا لأمر بلغني عنك فما عرفت من أمرك إلا خيرا غير أنه بلغني عنك شيء من إعجابك بنفسك ولو أن هذا الإعجاب خرج بك إلى ما أكره لرأيت مني ما تكره قال ميمون ثم التفت إلي عمر وقال يا ميمون إن ابني عبد الملك قد زينا في عيني وإني أتهم نفسي في ذلك وأخاف أن يكون حبي له قد غلب على علمي به وأدركني ما يدرك الأباء من العما عن عيوب أولادهم فسر إليه واسبر غورة وانظر هل ترى فيه ما يشبه الكبر والفخر فإنه غلام حدث ولا آمن عليه الشيطان قال ميمون فشددت الرحال إلى عبد الملك حتى قدمت عليه فاستأذنت ودخلت فإذا غلام في مقتبل العمر ريان الشباب بهي الطلعة جم التواضع قد جلس على حشية بيضاء فوق بساط من شعر فرحب بي ثم قال لقد سمعت أبي يذكرك بما أنت أهل له من الخير وإني لأرجو أن ينفع الله بك فقلت له كيف تجد نفسك فقال بخير من الله عز وجل ونعمة غير أني أخشى أن يكون قد غرني حسن ظن والدي بي وأنا لم أبلغ من الفضل كل ما يظن وإني لأخاف أن يكون حبه لي قد غلبه على معرفته بي فأكون آفة عليه فعجبت من اتفاقهما ثم قلت له أعلمني من أين معيشتك فقال من غلة أرض اشتريتها ممن ورثها عن أبيه ودفعت ثمنها من مال لا شبهة فيه فاستغنيت بذلك عن فيئ المسلمين قلت فما طعامك فقال ليلة لحم وليلة عدس وزيت وليلة خل وزيت وفي هذا بلاغ فقلت له أفما تعجبك نفسك فقال قد كان في شيء من ذلك فلما وعظني أبي بصرني بحقيقة نفسي وصغرها عندي وحط من قدرها في عيني فنفعني الله عز وجل بذلك فجزاه الله من والد خير فقعدت ساعة أحدثه وأستمتع بمنطقه فلم أرفة كان أجمل وجه ولا أكمل عقلا ولا أحسن أدبا منه على حداثة سنه وقلة تجربته فلما كان آخر النهار أتاه غلام فقال أصلحك الله قد فرغنا فسكت فقلت ما هذا الذي فرغوا منه قال الحمام قلت وكيف قال أخلوه لي من الناس فقلت لقد كنت وقعت من نفسي موقعا عظيما حتى سمعت هذا فذعر واسترجع وقال وما في ذلك يا عم يرحمك الله قلت الحمام لك قال لا قلت فما دعاك إلى أن تخرج منه الناس كأنك تريد بذلك أن ترفع نفسك فوقهم وأن تجعل لها قدرا يعلو على أقدارهم ثم إنك تؤذي صاحب الحمام في غلة يومه وترجع من أتى حمامه خائبا قال أما صاحب الحمام فأنا أرضيه وأعطيه غلة يومه قلت هذه نفقة سرف خالطها كبر وما يمنعك أن تدخل الحمام مع الناس وأنت كأحدهم قال يمنعني من ذلك أن طائفة من رعاع الناس يدخلون الحمام بغير أزر فأكره رؤية عوراتهم وأكره أن أجبرهم على وضع الأزر فيأخذوا ذلك على أنه اقتدار مني عليهم بالسلطان الذي أسأل الله أن يخلصنا منه كفافا لا علينا ولا لنا فعظني رحمك الله ونجرة أن تفع بها واجعل لي مخرجا من هذا الأمر فقلت انتظر حتى يخرج الناس من الحمام ليلة ويعودوا إلى بيوتهم ثم ادخله قال لا جرم أي أعاهد وأقسم لا أدخله نهارا أبدا بعد اليوم ولولا شدة برد هذه البلاد ما دخلته أبدا وأطرق قليلا لأنما يفكر في أمر ثم رفع رأسه إلي وقال أقسمت عليك لتطوين هذا الخبر عن أبي فإني أكره أن يظل ساخطا علي وإني لأخشى أن يحول الأجل دون الرضا منه قال ميمون فأردت عند ذلك أن أسبر عقله فقلت له إن سألني أمير المؤمنين هل رأيت منك فهل ترضى لي أن أكذب عليه فقال لا معاذ الله ولكن قل له رأيت منه شيئا فوعظته وكبرته في عينه فسارع إلى الرجوع عنه فإن أبي لا يسألك عن كشف ما لم تظهره له لأن الله جل وعز قد أعاذه من البحث عن ما استتر قال ميمون رضي الله عن خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز وارضاه ونضر ضريحه وضريح ابنه وفلذة كبده عبد الملك وسلام عليهما يوم لحق بالرفيق الأعلى وسلام عليهما يوم يبعثان مع الأخيار الأبرار أما علمت أن لكل قوم نجيب وأن نجيب بني أمية عمر بن عبد العزيز وأنه يبعث يوم القيامة أمة وحدة محمد بن علي بن الحسيم رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخرا بالفعلهم وزهت بهم دلأنا