بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عثمان بن مضعون رضي الله عنه كانت العرب في الجاهلية ترى أن العيش كل العيش في كأس خمر ينتش الشاربون بحمياها وغانية لعوب يستمتع المعجبون بجمالها وغزوة على ظهور الجياد الصافنات يستحل بها الغزاة ما حرم الله من دماء العباد وأموالهم لكن عثمان بن مضعون أحد حكماء العرب في الجاهلية كان يرى أن للحياة غايات أسمى من ذلك وأهدافا أجل من أجل ذلك حرم الخمرة على نفسه فما عرف لها طعما ولما سئل عن ذلك قال تبا لكم أأشرب شيئا يذهب عقلي ويضحك مني من هو دوني ويجعلني أنكح كريمتي لمن لا أريد والله لا أذوقها ما امتدت بي الحياة ولما أشرقت جزيرة العرب بنور الإسلام وبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بدين الهدى والحق كان عثمان بن مضعون من المبادرين إلى الدخول في دين الله عز وجل إذ لم يسبقه إلى هذا الخير غير 12 رجلا ولإسلام عثمان بن مضعون قصة رواها عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال بينما كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه جالسا بفناء بيته في مكة إذ مر به عثمان بن مضعون غير آبه الله أو ملتفت إليه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام ألا تجلس إلي يا أبا السائب نتحدث ساعة قال بلى ثم جلس أمامه وبينما هو يحدث النبي صلوات الله وسلامه عليه رآه وقد شخص ببصره إلى السماء وثبت نظره فيها قليلا من الوقت ثم جعل يهبط ببصره إلى الأرض شيئا فشيئا حتى استقر فيها ثم أخذ يتحرف عن جليسه عثمان بن مضعون حتى بلغ المكان الذي وضع بصره فيه ثم جعل يحرك رأسه كأنه يستفهم عن شيء يقال له كل ذلك جعل عثمان بن مضعون ينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام دهشا مما رأى مستغربا ما وقع فلما بدى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وكأنه وعى جميع ما قيل له أخذ يرفع بصره نحو السماء شيئا فشيئا كأنما يتتبع أحدا ثم علق بصره بذلك الذي توارى في السماء كأنه يتملا منه ويودعه ثم عدل إلى عثمان بن مضعون ببصره وجسده كما كان أول الأمر عند ذلك حدق عثمان بن مضعون ببصره في وجه الرسول صلوات الله وسلامه عليه طويلا وقال يا محمد لقد جالستك قبل ذلك كثيرا فما رأيتك تفعل فعلك اليوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهل تنبهت إلى ذلك يا عثمان قال نعم لقد تنبهت إليه فقال النبي عليه الصلاة والسلام أتاني رسول الله جبريل آنفا وأنا جالس فقال عثمان تقول رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم قال ومن الذي قاله لك قال لقد قال لي إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القرب وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغ يعذكم لعلكم تذكروا قال عثمان يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القرب وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغ نعم ما جاءك به فلقد أمر بلباب الخير ونهى عن جذور الشر كلها قال عثمان فما إن سمعت ما سمعته منه حتى استقر الإيمان في قلبي وصار محمد صلى الله عليه وسلم أحب إلي من نفسي وولدي ثم أسلمت لرب العالمين وأسلم معي ابن السائب وأخوى قدامة وعبد الله لم تنكر قريش في بادئ الأمر على المسلمين إسلامهم فما كانت تزيد إذا رأت محمدا يمر بها على أن تقول في سخرية إن غلام بني هاشم يكلم من السماء ويتنزل عليه الوحي منها فلما عاب النبي عليه الصلاة والسلام آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا كفارا غضبوا لذلك أشد الغضب وأوقدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه نيران العداوة والبغضاء فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين وطفقت ترهقهم من أمرهم عسرا فتضرب أجسادهم بالسياط وتكوي أبدانهم بالنار وتطرحهم على الرمال الملتهبة في رمضاء مكة لتردهم عن دينهم والرسول عليه الصلاة والسلام يرى بعينيه ما يحل بأصحابه فيتفطر قلبه أسا عليهم ولوعة على ما يعانون ولا يملك إلا أن يقول لهم صبرا صبرا فإن موعدكم الجنة عند ذلك أذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة فارتحلت إليها طائفة من المؤمنين مخلفين وراءهم الأهل والوطن مودعين العشيرة والسكن فارين بدينهم إلى الله وكان في طليعة المهاجرين عثمان بن مضعون وبنه وأخواه لم يمضي على هجرة المسلمين إلى الحبشة طويل وقت حتى جاءتهم الأخبار كاذبة أن جل قريش قد دخلوا في دين الله وأمنوا بما أنزل على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاد كثير منهم إلى مكة وهم لا يعلمون ما يخبئه لهم القدر من ابتلاء وكان في طريعة العائدين عثمان بن مضعون وما إن وطئت أقدامهم أرض مكة حتى استقبلتهم قريش بمثل ما ودعتهم به من تعذيب وتنكيل وأحلت بهم من الأذى والضر ما لا يطيقون فدخل عثمان بن مضعون في جوار الوليد بن المغيرة سيد بني مخزوم وأكبر زعماء قريش ووالد سيف الله خالد فقد كانت تربطه به بعض الأواصر العريقة القديمة عاش عثمان بن مضعون في حمى الوليد بن المغيرة ولقي في جواره أقصى ما يطمح إليه من السلام والأمن ولكنه لم يطب نفسا بهذه الحماية فقد كان ينغص عليه حياته الوادعة الآمنة أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه يلقى من أذى قريش ما يلقاه وأن إخوته في الله يعانون من بطشهم ما يعانون مما جعله يتهم نفسه بالأثرة والجبن وضعف الإيمان ويتقلب على نار هادئة من تعذيب الضمير فلنترك لعثمان بن مضعون للحديث عن أزمته النفسية هذه حيث قال لما رأيت ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء وأنا أغدو وأروح في أمان من الوليد بن المغيرة قلت في نفسي تبا لك يا ابن مضعون إنك تعيش آمنا مطمئنا في جوار رجل مشرك والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبك إن في ذلك لنقصا كبيرا في نفسك وضعفا خطيرا في إيمانك ثم مشيت إلى الوليد بن المغيرة وقلت له يا أبا عبد شمس لقد وفيت لي بذمتك ولقيت في حماك السلامة والأمن ولكني أريد أن أرد إليك جوارك قال ولما يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي فقلت لا ولكني آثرت جوار الله على كل جوار فلا أريد أن أستجير بأحد غيره قال إذا كان لا بد من ذلك فانطلق معي إلى المسجد فردد علي جواري على ملأ من قريش كما أجرتك على ملأ منهم فانطلقنا حتى آتينا المسجد فقال الوليد يا قوم هذا عثمان بن مضعون جاء يرد علي جواري فقلت صدق وإني وجدته وفيا كريم الجوار ولكني أردت أن لا أستجير بغير الله فرددت عليه جواره قال عثمان بن مضعون ثم صرفت فمررت بمجلس لقريش توسطه لبيد الشاعر وجعل ينشد القوم شيئا من شعره والناس يسمعون فقال لبيد ألا كل شيء ما خل الله باطل فقلت صدقت فأتبع يقول وكل نعيم لا محالة زائل فقلت كذبت إن نعيم الجنة لا يزول فاستشاطل بيد غيضا من كلمة هذه وقال يا معشر قريش والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث فيكم هذا فقال رجل من القوم إن هذا رجل سفيه من جماعة سفها قد نبذوا آلهتنا وفارقوا ديننا فلا يغيظنك قوله أقبلت على الرجل الذي قال فينا وفي ديننا ما قال وتلاحيت معه فلطمني لطمة أسالت عيني فما عدت أبصر بها وكان الوليد بن المغيرة قريبا مني فالتفت إلي وقال إن عينك يا ابن أخي كانت والله غنية عما أصابها فقلت بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله فقال هل أم يبن أخي فعد إلى جواري إن شئت فقلت إني لا أعدل بجوار الله تعالى جوارا ومنذ ذلك اليوم طفق أذى المشركين يشتد على عثمان بن مضعون ويقسو وأصبح هو وذوه هدثا لنكاية قريش وبطشهم وما حمله على أن يكون في طليعة المهاجرين إلى المدينة وهناك وهناك شهد مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه هو وابنه وأخوه بدرا فأبلوا في ساحتها أصدق البلاء وأكرمه وأدوا حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عليهم وخرجوا منها مع المسلمين منتصرين فائزين وما هو إلا قليل حتى مرض عثمان بن مضعون مرض الموت وفارق الحياة فلما طار خبر وفاته إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه مضى إليه وملء جوانحه الحزن ورفع الملاءة عن جبينه الطاهر الأغر فقبله ثم أكب عليه مرة أخرى فقبله الثانية ثم أكب عليه الثالثة فقبله أيضا إذا دموع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم تتحدر على وجهه المشرق النبيل فبكى من حضر من المسلمين لبكائه رضي الله عن الصحابي الجليل عثمان بن مضعون وأرضاه واجعل في أعلى علليين مقره ومأواه فقد آثر جوار الله على كل جوار فقد آثر بن مضعون جوار الله على كل جوار