رياض الصالح من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم باب نهي عن سؤال الإمارة واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين عليه أو تدعو حاجة إليه قال الله تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين عن أبي سعيد عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وأذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأتي الذي هو خير وكفر عن يمينك متفق عليه لا تسأل الإمارة أي لا تطلب الخلافة أو غيرها أعنت عليها أي أعانك الله بالتسديد والتوفيق للصواب وكلت إليها أي صرفت إليها ووكلت إلى نفسك حلفت على يمين أي أقسمت على شيء فرأيت غيرها خيرا منها علمت أن الحنثة أفضل من البر بما حلفت عليه فأتي أي فعل كفر أي دفع الكفارة من فوائد الحديث أنهي عن طلب أو استشراف ما يتعلق بالحكم كالإمارة والقضاء والحسبة والوظائف العامة لأن من فعل ذلك كانت دافعة له على الأغلب مصلحة شخصية ولذلك لا يتردد في الوقوع في الإثم ليتحقق ما استشرفه وطلبه وأما من خاف من الحكم كان أدعى للعدل لتحرزه من الوقوع في الإثم جواز قبول ذلك إذا أمره بذلك الخليفة أو عينه أهل الحل والعقد لا ينجح العبد إلا بعون الله وتوفيقه فعليه طلب ذلك بالشروع في أسبابه ومن وكله الله إلى نفسه فذلك الخائب الخاسر لا يجوز الوفاء باليمين التي غيرها أبر منها وجوب التكفير على من حنث في يمينه ويجوز ذلك بعد الحنث أو قبله الحديث فيه دلالة على تقديم الأرجح والأعظم في المصالح الشرعية وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أباذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولينا مال يتيم رواه مسلم ضعيفا أي لا قدرة لديك على القيام بأعباء الولاية لا تأمرن أي لا تصيرن حاكما أو أميرا ولا توليا أي لا تكن وصيا ولا تقربن ولاية من فوائد الحديث تحريم الولاية لمن علم من نفسه الضعف عن القيام بأعبائها وجوب حفظ مال يتيم وعدم الأكل منه بغير حق أو تضييعه حرص الإسلام على المصلحة العامة وأموال اليتام وجوب نصح المسلم لآخيه إذا رأى فيه عيبا ينبغي أن يتحبب المسلم لآخيه عند إسداء النصيحة له ليشعره بصدقه وإرادة الخير له والحرص عليه من كمال المحبة في الله أن يحب المرء ما يحب لآخيه من الخير عظم مسؤولية الإمارة والتنفير من طلبها لما يترتب عليها من حسرة وندامة يوم القيامة إلا من أعطاها حقها وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني فضرب بيده على من كبي ثم قال يا أباذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها رواه مسلم تستعملني أي تجعلني عاملا على شيء من كبي هو مجتمع رأس العضد مع الكتف خزي وندامة أي فضيحة لمن لم يقم بحقها فتجعله يندم على تقلدها بحقها أي كان أهلا لها من فوائد الحديث من طلب الولاية لا يولى فالإسلام لا يعطي الإمارة من سألها وحرص عليها وعمل على طلبها وأحق الناس بها من امتنع عنها وكرهها الولاية أمانة عظيمة ومسؤولية خطيرة فعلى من وليها أن يرعاها حق رعايتها ولا يخن عهد الله فيها فضل من تولى الولاية وكان أهلا لها سواء كان إماما عادلا أو خازنا أمينا أو عاملا متقنا وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنكم ستحرصون على الإمارة وستكونون دامة يوم القيامة رواه البخاري من فوائد الحديث التنفير من الحرص على المراتب والمناصب وخاصة ممن لم يكن أهلا لذلك شدة عقوبة من فرط في الولاية ولم يرعها حق رعايتها ولم يؤدها على وجهها الأكمل والأمثل الحرص على الأمارة وحب الشرف والجاه يفسد دين المر كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المر على المال والشرف لدينه الحديث من دلائل النبوة فقد وقع ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من الحرص على الأمارة حتى تقاتلوا عليها وركبوا الصعب والذلول للوصول إليها نسأل الله السلامة باب حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذ وزير صالح وتحذيرهم من قرناء السوء والقبول منهم قال الله تعالى الأخ لا يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما بعث الله من نبي ولستخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصم الله رواه البخاري بطانة أي فئة من الأعوان والأصفياء والأولياء تحضه أي تحمله من فوائد الحديث الأمر بيد الله يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك من من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء العبد إما أن يكون داعية إلى الله يأمر بالمعروف ويحض عليه وينهى عن المنكر ويحذر منه أو مدعو إلى الشيطان وحزبه خواص العبد منهم أهل الصلاح والخير يأمرون بطاعة الله ورسوله وينهون عن الشر ويذكرون بلقاء الله ومنهم أهل الفساد والشر على العكس من ذلك من واجب الحاكم أن يختار فئة من الرعية عرفت بالتقوى والعلم والأمانة والنصح يقربها إليه ويستشيرها في أموره وأن يبعد عنه من عرف بالشر والفساد ويكون منه على حذر من استضاء بنور الله وطبق شرع الله وفقه الله بفضله وعصمه من شر نفسه وأزاح عنه كيد الشيطان وأعوانه وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكر وإن ذكر لم يعنه رواه أبو داوود وزير هو الصاحب المؤازر الذي يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره ويحمل عنه شيئا من أفقاله صدق أي ناصح أمين إن نسي أي أغفل شيئا مما يجب فعله ويحقق مصلحة الأمة أراد به غير ذلك أي أراد به شر ولم يصرح به تحريضا على اجتنا بالشر من فوائد الحديث وجود فئة صالحة حول الحاكم ترشده إلى الخير وتعينه عليه دليل توفيق الله تعالى له ورضاه عنه وفي ذلك عون على إقامة العدل تحذير الحكام من بطانة الشر فإنها سبب للإفساد والطغيان مشروعية اتخاذ وزير صدق باب النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما من الولايات لمن سألها أو حرص عليها فعرض بها عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحدهما يا رسول الله أمرنا على بعض ما والاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك فقال إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله أو أحدا حرص عليه متفق عليه من بني عمي أي من الأشعريين أمرنا أي اجعلنا أمراء هذا العمل أي إمارة المسلمين حرص عليه أي رغب به واهتم اهتماما شديدا وأظهر ذلك تلميحا أو تصريحا من فوائد الحديث لا يجوز للخليفة أن يولي أحدا منصبا طلبه أو حرص عليه لأن ذلك مشعر بأنه يريده غالبا لنفع نفسه أو عشيرته وليس لمصلحة الأمة ينبغي على الخليفة أن يختار الأكفاء الأطقياء لاستعمالهم على الولايات العامة ليكونوا عونا له على إقامة العدل وتطبيق شرع الله في الأمة ونشر الأمن والأمان بين الناس