بسم الله الرحمن الرحيم إنما يخشى الله من عباده العلماء سير الأئمة الأربعة أربع سير حافلة بالجمال والجلال اختصرت بعناية من الكتاب الفذ العظيم سير أعلى من نبلاء للإمام الذهبي رحمه الله من إعداد الشيخ محمد المهنى حفظه الله الإمام مالك رحمه الله هو شيخ الإسلام حجة الأمة إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس ابن مالك ابن أبي عامر الأصبحي المدني وأمه هي عالية بنت شريك الأزدية مولد مالك على الأصح في سنة ثلاث وتسعين عام موت أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشأ في صون ورفاهية وتجمل وطلب العلم وهو حدث ابن بضع عشرة سنة فأخذ عن نافع وبن المنكدر والزهري وهيشام بن عروة وخلق وتأهل للفتيا وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة وحدث عنه جماعة وهو شاب طري وقصده طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعثر المنصور وما بعد ذلك وازدحموا عليه في خلافة الرشيد وأيلا أن مات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم ليضربنا الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة ويروا عن سفيان بن عيينة أنه قال كنت أقول هو سعيد بن المسيب حتى قلت كان في زمانه سليمان بن يسار وسالم بن عبد الله وغيرهما ثم أصبحت اليوم أقول إنه مالك لم يبق له نظير بالمدينة وذكر أبو المغيرة المخزومي أن معناه مادام المسلمون يطلبون العلم لا يجدون أعلم من عالم بالمدينة فيكون على هذا سعيد بن المسيب ثم بعده من هو من شيوخ مالك ثم مالك ثم من قام بعده بعلمه قلت كان عالم المدينة في زمانه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه زيد بن ثابت وعائشة ثم بن عمر ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم عبيد الله بن عمر ثم مالك قال ابن عيينة مالك عالم أهل الحجاز وهو حجة زمانه وقال الشافعي وصدق وبر إذا ذكر العلماء فمالكني النجم قال الزبير بن بكار في حديث ليضربنا الناس أكباد الإبل كان سفيان بن عيينة إذا حدث بهذا في حياة مالك يقول أراه مالك فأقام على ذلك زمانا ثم رجع بعد فقال أراه عبد الله بن عبد العزيز العمرية الزاهد قال ابن عبد البر وغير واحد ليس العمري ممن يلحق في العلم والفقه بمالك وإن كان شريفا سيدا عابدا قلت قد كان لهذا العمري علم وفقه جيد وفضل وكان قوالا بالحق أمارا بالعرف منعزلا عن الناس وكان يحض مالكا إذا خلا به على الزهد والانقطاع والعزلة فرحمهم الله وذكر الحافظ ابن عبد البر في التمهيد أن عبد الله العمرية العابد كتب إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل فكتب إليه مالك إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم وآخر فتح له في الجهاد فنشر العلم من أفضل أعمال البر وقد رضيت بما فتح لي فيه وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر ولم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكا في العلم والفق والجلالة والحفم فقد كان بها بعد الصحابة مثل سعيد بن المسيب والفقهاء السبعة والقاسم وسالم وعكرمة ونافع وطبقتهم ثم زيد بن أسلم وبن شهاب وأبي الزناد ويحيى بن سعيد وصفوان بن سليم وربيعة بن أبي عبد الرحمن وطبقتهم فلما تفانوا اشتهر ذكر مالك بها وبن أبي ذئب وعبد العزيز بن الماجشون والدرا وردي وأقرانهم فكان مالك هو المقدم فيهم على الإطلاق والذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق رحمه الله تعالى قال الرعيني قدم المهدي المدينة فبعث إلى مالك فأتاه فقال لابنيه هارون وموسى اسمع منه فبعث إليه فلم يجبهما فأعلم المهدي فكلمه فقال يا أمير المؤمنين العلم يؤتى أهله فقال صدق مالك صيرا إليه فلما صارا إليه قال له مؤدبهما اقرأ علينا فقال مالك إن أهل المدينة يقرأون على العالم كما يقرأ الصبيان على المعلم فإذا أخطأوا أفتاهم فرجعوا إلى المهدي فبعث إلى مالك فكلمه فقال سمعت بن شهاب يقول جمعنا هذا العلم في الروضة من رجال وهم يا أمير المؤمنين سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعروة والقاسم وسالم وخارجة بن زيد ونافع وعبد الرحمن بن هرمز ومن بعدهم أبو الزناد وربيعة ويحيى بن سعيد وبن شهاب كل هؤلاء يقرأ عليهم ولا يقرأون فقال المهدي في هؤلاء قدوة صيروا إليه فقرأوا عليه ففعلوا قال قتيبة كنا إذا دخلنا على مالك خرج إلينا مزينا مكحلا مطيبا قد لبس من أحسن ثيابه وتصدر الحلقة ودعا بالمراوح فأعطا لكل منا مروحة قال محمد بن عمر كان مالك يأت المسجد فيشهد الصلوات والجمعة والجنائز ويعود المرضى ويجلس في المسجد فيجتمع إليه أصحابه ثم ترك الجلوس فكان يصلي وينصرف وترك شهود الجنائز ثم ترك ذلك كله والجمعة واحتمل الناس ذلك كله وكانوا أرغب ما كانوا فيه وربما كلما في ذلك فيقول ليس كل أحد يقدر أن يتكلم بعذره وكان يقصد أنه أصيب بمرض منعه من شهود الجمعة والجماعة قال وكان مجلسه مجلس وقار وحلم فقد كان رجلا مهيبا نبيلا ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ولا رفع صوت قال إسماعيل بن أبي أويس سألت خالي مالكا عن مسأله فقال لي قر ثم توضأ ثم جلس على السرير ثم قال لا حول ولا قوة إلا بالله وكان لا يفتي حتى يقولها قال أبو مصعب كان مالك لا يحدث إلا وهو على طهارة إجلالا للحديث صفة الإمام مالك قال عيس بن عمر ما رأيت قط بياضا ولا حمرة أحسن من وجه مالك ولا أشد بياض ثوب من مالك ونقل غير واحد أنه كان طوالا جسيما عظيم الهامة أشقر أبيض الرأس واللحية عظيم اللحية وقيل كان أزرق العين وقال أبو عاصم ما رأيت محدثا أحسن وجها من مالك وقال أبو مصعب كان مالك من أحسن الناس وجها وأجلاهم عينا وأنقاهم بياضا وأتمهم طولا في جودة بدن وقد ساق القاضي عياض من وجوه حسن بزة الإمام ووفور تجمله وقد كان مالك إماما في نقد الرجال حافظا مجودا متقنا قال عتيق بن يعقوب سمعت مالكا يقول حدثن ابن شهاب ببضعة و أربعين حديثا ثم قال أعدها علي فآعدت عليه منها أربعين حديثا قال الشافعي قال محمد بن الحسن أقمت عند مالك ثلاث سنين وكسرا وسمعت من لفظه أكثر من سبع مئات حديث فكان محمد إذا حدث عن مالك امتلأ منزله وإذا حدث عن غيره من الكوفيين لم يجئه إلا اليسير وقال ابن أبي عمر العدني سمعت الشافعي يقول مالك معلمي وعنه أخذت العلم قال ابن مهدي أئمة الناس في زمانهم أربعة الثوري ومالك والأوزاعي وحماد بن زيد وقال ما رأيت أحدا أعقل من مالك وعن مالك قال جنة العالم لا أدري فإذا أغفلها أصيبت مقاتله قال الهيثم بن جميل سمعت مالك سئل عن ثمان وأربعين مسأله فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بلا أدري قال مالك سمعت عبدالله بن يزيد بن هرمز يقول ينبغي للعالم أن يورث جلساؤه قول لا أدري حتى يكون ذلك أصلا يفزعون إليه قال ابن عبد البر صح عن أبي الدرداء أن لا أدري نصف العلم المحنة قال محمد بن جرير كان مالك قد ضرب بالسياط واختلف في سبب ذلك فحدثني العباس بن الوليد حدثن ابن ذكوان عن مروان الطاطري أن أبا جعفر المنصور نهى مالكا عن الحديث ليس على مستكره طلاق ثم دس إليه من يسأله فحدثه به على رؤوس الناس فضربه بالسياط وسئل أحمد بن حنبل من ضرب مالك قال بعض الولاة في طلاق المكره كان لا يجيزه فضربه لذلك قال الواقدي لما دعي مالك وشوور وسمع منه وقبل قوله حسد وبغوه بكل شيء فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعوا به إليه وكثروا عليه عنده وقالوا هو لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجيز عنده قال فغضب جعفر فدعا بمالك فحتج عليه بما رفع إليه عنه فأمر بتجريده وضربه بالسياط وجبذت يده حتى خلعت من كتفه وارتكب منه أمر عظيم فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلوم قلت هذا ثمرة المحنة المحمودة أنها ترفع العبد عند المؤمنين فالمؤمن إذا متحن صبر واتعظ واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه فالله حكم مقصط ثم يحمد الله على سلامة دينه ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له قال أبو الوليد الباجي روي أن المنصور حج وأقاد مالك من جعفر بن سليمان الذي كان ضربه أي سلمه إليه ليقتص منه فأبى مالك وقال معاذ الله ولمالك رحمه الله رسالة في القدر كتبها إلى ابن وهب وإسنادها صحيح وله مؤلف في النجوم ومنازل القمر رواه سحنون عن ابن نافع الصائغ عنه وله جزء في التفسير ورسالة في الأقضية مجلد وله كتاب السر من رواية ابن القاسم عنه وأما ما نقل عنه كبار أصحابه من المسائل والفتاوى والفوائد فشيء كثير ومن كنوز ذلك المدونة والواضحة وأشياء وبكل حال فأي لا فقه مالك المنتهى فعامة آرائه مسددة ولو لم يكن له إلا حسم مادة الحيل ومراعاة المقاصد لكفاه ومذهبه قد ملأ المغرب والأندلس وكثيرا من بلاد مصر وبعض الشام واليمن والسودان وبالبصرة وبغداد والكوفة وبعض خراسان لكن هذا الإمام أي الإمام مالك الذي هو النجم الهادي قد أنصف وقال قولا فصلا حيث يقول كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم قال الشافعي العلم يدور على ثلاثة مالك والليث وبن عيينه قلت وهم الأوزاعي والثوري ومعمر وأبو حنيفة وشعبة والحمادان وروي عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكر مالك يقول عالم العلماء ومفت الحرمين وقال أبو يوسف ما رأيت أعلم من أبي حنيفة ومالك وبن أبي ليلا وذكر أحمد بن حنبل مالك فقدمه على الأوزاعي والثوري والليث وحماد والحكم في العلم وقال هو إمام في الحديث وفي الفقه قال مالك ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك قال أبو العباس السراج سمعت البخاري يقول أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر من قول مالك في السنة قال مطرف بن عبد الله سمعت مالك يقول سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها اتباع لكتاب الله واستكمال بطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها من اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا وقال إسحاق بن عيسا قال مالك أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله وقال جعفر بن عبد الله كنا عند مالك فجاءه رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استوى فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضا ثم رفع رأسه ورما بالعود وقال الكيف منه غير معقول والاستواء منه غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج وروا عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن نافع قال قال مالك الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء وقال ابن أبي أويس سمعت مالك يقول القرآن كلام الله وكلام الله منه وليس من الله شيء مخلوق وروا ابن نافع عن مالك قال القرآن مخلوق يجلد ويحبس قال القاضي وقال غير واحد عن مالك الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وبعضه أفضل من بعض قال ابن عدي في مسند مالك بإسناد صح عن ابن وهب قال مالك نشر نافع عن ابن عمر علما كثير أكثر مما نشر عنه بنوه وقال ابن وهب قال مالك كنت آتي نافعا وأنا غلام حديث السن فينزل من درجه فيقف معي ويحدثني وكان يجلس بعد الصبح في المسجد فلا يكاد يأتيه أحد وقال ابن وهب أيضا سمعت مالك يقول حق على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية وقال قال مالك بلغني أنه ما زهد أحد في الدنيا واتقى إلا نطق بالحكمة وقال قال مالك إن الرجل إذا ذهب يمدح نفسه ذهب بهاؤه قال ابن وهب قيل لأختي مالك ما كان شغل مالك في بيته قالت المصحف والتلاوة قال خالد بن نزارن الأيلي بعث المنصور إلى مالك حين قدم المدينة فقال إن الناس قد اختلفوا بالعراق فضع كتابا نجمعهم عليه فوضع الموطأ قال الشافعي ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من موطأ مالك قلت هذا قاله قبل أن يؤلف الصحيحان قال أبو مصعب كانوا يزدحمون على باب مالك حتى يقتتلوا من الزحام وكنا إذا كنا عنده لا يلتفت ذا إلى ذا قائلون برؤوسهم هكذا وكانت السلاطين تهابه وكان يقول لا ونعم ولا يقال له من أين قلت ذا قال مصعب بن عبد الله في مالك يدع الجواب فلا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقان عز الوقار ونور سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطان قال ابن مهدي ما رأيت أحدا أهيب ولا أتم عقلا من مالك ولا أشد تقوى وقال ابن وهب ما نقلنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه قال القعنبي سمعتهم يقولون عمر مالك تسع وثمانون سنة مات سنة تسع وسبعين ومائة وقال اسماعيل ابن أبي أويس مرض مالك فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت فقالوا تشهد ثم قال لله الأمر من قبل ومن بعد توفي صبيحة أربع عشرة من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة فصلى عليه الأمير عبد الله ابن محمد ابن إبراهيم ابن محمد ابن علي ابن عبد الله ابن عباس الهاشمي وغسله ابن أبي زنبر وابن كنانة وابنه يحيا وكاتبه حبيب يصبان عليهم الماء قلت ودفن بالبقيع سير الأئمة الأربعة