بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله أبو العاص بن الربيع رضي الله عنه كان أبو العاص بن الربيع العبشمي القرشي شاب موفور الشباب بهي الرونق رائع المجتلى بسطت عليه النعمة ظلالها وجل له الحسب بردائه فغدا مثلا للفروسية العربية بكل ما فيها من خصائل الأنفة والكبرياء ومخايل المروأة والوفاء ومآثر الاعتزاز بتراث الآباء والاجداد وقد ورث أبو العاص حب التجارة عن قريش صاحبة الرحلتين رحلة الشتاء ورحلة الصيف فكانت ركائبه لا تفتأ ذاهبة آيبة بين مكة والشام وكانت قافلته تضم المائة من الإبل والمائتين من الرجال وكان الناس يدفعون إليه بأموالهم ليتجر لهم بها فوق ماله لما بلوا من حذقه وصدقه وأمانته وكانت خالته خديجة بنت خويلد زوج محمد بن عبد الله تنزله من نفسها منزلة الولد من أمه وتفسح له في قلبها وبيتها كان مرموقة ينزل فيه على الرحب والحب ولم يكن حب محمد بن عبد الله لأبي العاص بأقل من حب خديجة له ولا أدنى ومرت الأعوام سراعا خفاقا على بيت محمد بن عبد الله فشبت زينب كبرى بناته وتفتحت كما تتفتح زهرة فواحة الشذاب هي الروا فطمحت إليها نفوس وابناء السادة البهاليل من أشراف مكة وكيف لا وهي من أعرق بنات قريش حسبا ونسبا وأكرمهن أما وأبا وأزكاهن خلقا وأدبا ولكن أنا لهم أن يغفروا بها وقد حال دونهم ودونها ابن خالتها أبو العاص ابن الربيع فتافتان مكة لم يمضي على اقتران زينب بنت محمد من عص إلا سنوات معدودات حتى أشرقت بطاح مكة بالنور الإلهي الأسنا وبعث الله نبيه محمدا بدين الهدا والحق وأمره بأن ينذر عشيرته الأقربين فكان أول من آمن به من النساء زوجته خديجة بنت خويلد وبناته زينب ورقية وأم كالثوم وفاطمة على الرغم من أن فاطمة كانت صغيرة آنذاك غير أن صهره أبو العاص كره أن يفارق دين آبائه وأجداده وأبى أن يدخل فيما دخلت فيه زوجته زينب على الرغم من أنه كان يصفيها بصاف الحب ويمحظها من محض الوداد ولما اشتد النزاع بين الرسول صلوات الله وسلامه عليه وبين قريش قال بعضهم لبعض إنكم قد حملتم عن محمد همومة بتزويج فتيانكم من بناته فلو ردتموا هن إليه لن شغل بهن عنكم فقالوا نعم الرأي ما رأيتم ومشوا إلى أبو العاص وقالوا له فارق صاحبتك يا أبو العاص وردها إلى بيت أبيها ونحن نزوجك أي امرأة تشاء من كرائم عقيلات قريش فقال لا والله إني لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بها نساء الدنيا جميعا أما بنته رقية وأمك الثوم فقد طلقتا وحملتا إلى بيته فسر الرسول صلوات الله وسلامه عليه بردهما إليه وتمنى أن لو فعل أبو العاص كما فعل صاحباه غير أنه ما كان يملك من القوة ولم يكن قد شرع بعد تحريم زواج المؤمنة من المشرك ولما هاجر الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة واشتد أمره فيها وخرجت قريش لقتاله في بدر اضطر أبو العاص للخروج معه مقترارا إذ لم تكن به رغبة في قتال المسلمين ولا أرب في النيل منهم ولكن منزلته في قومه حملته على مسايرتهم حملا وقد انجلت بدر عن هزيمة منكرة لقريش أذلت معاطس الشرك وقصمت ظهور طواغيته ففريق قتل وفريق أسر وفريق نجاه الفرار وكان في زمرة الأسرا أبو العاص زوج زينب بنت محمد صلوات الله وسلامه عليه فرض النبي عليه الصلاة سلام على الأسرا فذية يفتدون بها أنفسهم من الأسر وجعلها تتراوح بين ألف درهم وأربعة آلاف حسب منزلة الأسير في قومه وغناه وطفقت الرسل تروح وتغدو بين مكة والمدينة حاملة من الأموال ما تفتدي بها أسراها فبعثت زينب رسولها إلى المدينة يحمل فذية زوجها أبو العاص كانت أهدتها لها أمها خديجة بنت خويلد يوم زفتها إليه فلما رأى الرسول القلادة غشيت وجهه الكريم غلالة شفافة من الحزن العميق ورقل ابنته أشد الرقة ثم التفت إلى أصحابه وقال إن زينب بعثت بهذا المال لافتداء أبو العاص فإن رأيتم أن تطلقوا لها أسرها وتردوا عليها ما لها ففعلوا فقالوا نعم ونعمة عين يا رسول الله غير أن النبي عليه الصلاة والسلام اشترط على أبو العاص قبل إطلاق سراحه أن يسير إليه ابنته زينب من غير ابطاء فما كاد أبو العاص يبلغ مكة حتى بادر إلى الوفاء بعهده فأمر زوجته بالاستعداد للرحيل وأخبرها بأن رسل ونظرونها غير بعيد عن مكة وأعد لها زادها وراحلتها وندب أخاه عمر بن الربيع لمصاحبتها وتسليمها لمرافقيها يدا بيد تنكب عمر بن الربيع قوسه وحملك نانته وجعل زينب في هودجها وخرج بها من مكة جهارا نهارا على مرأى من قريش فهاج القوم وماجوا حتى أدركوهما غير بعيد وروعوا زينب وأفزعوها عند ذلك وترى عمر قوسه ونثرك نانته بين يديه وقال والله لا يدنو رجل منها إلا وضعت سهما في نحره وكان راميا لا يخطئ له سهم فأقبل عليه أبو سفيان بن حرب وكان قد لحق بالقوم وقال له يبن أخي كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف عنهم فقال له إنك لم تصب في ما صنعت فلقد خرجت بزينب علانية على رؤوس الناس وعيوننا ترى وقد عرفت العرب جميعها أمر لكبتنا في بدر وما أصابنا على يدي أبيها محمد فإذا خرجت بابنته علانية كما فعلت رمتنا القبائل بالجبن ووصفتنا بالهوان والذل فارجع بها واستبقها في بيت زوجها أياما حتى إذا تحدث الناس بأننا رددناها فسلها من بين أظهرنا سرا وألحقها بأبيها فما لنا بحبسها عنه حاجة فرضي عمر بذلك وأعاد زينب إلى مكة ثم ما لبث أن أخرجها منها ليلا بعد أيام معدودات وأسلمها إلى رسل أبيها يدا بيد كما أوصاه أخوه أقام أبو العاص في مكة بعد فراق زوجته زمنا حتى إذا كان قبيل الفتح بقليل خرج إلى الشام في تجارة له فلما قفل راجعا إلى مكة ومعه عيره التي بلغت مائة بعير ورجاله الذين نيفوا على مائة وسبعين رجلا برزت له سرية حين سرايا الرسول صلوات الله وسلامه عليه قريبا من المدينة فأخذت العير وأسرت الرجال لكن أبو العاص أفلت منها فلم تظفر به فلما أرخى الليل سدولة استترى أبو العاص بجنح الظلام ودخل المدينة خائفا يترقب ومضى حتى وصل إلى زينب واستجار بها فأجارته قلوا صلوات الله وسلامه عليه لصلاة الفجر واستوى قائما في المحراب وكبر للإحرام وكبر الناس بتكبيره صرخت زينب من صفة النساء وقالت أيها الناس أنا زينب بنت محمد وقد أجرت أبو العاص فأجيروه فلما سلم النبي من الصلاة التفت إلى الناس وقال هل سمعتم ما سمعت قالوا نعم يا رسول الله قال والذي نفسي بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتموه وإنه يجير من المسلمين أدناهم ثم انصرف إلى بيته وقال لابنته أكرمي مثوى أبو العاص وعلمي أنك لا تحلين له ثم دعى رجال السرية التي أخذت العير وأسرت الرجال إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم وقد أخذتم ماله فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له كان ما نحب وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم وأنتم به أحق فقالوا بل نرد عليه ما له يا رسول الله فلما جاء لأخذه قالوا له يا أبو العاص إنك في شرف من قريش وأنت ابن عم رسول الله وصهره فهل لك أن تسلم ونحن ننزل لك عن هذا المال كله فتنعم بما معك من أموال أهل مكة وتبقى معنا في المدينة فقال بئس ما دعوتموني أن أبدأ ديني الجديد بغدرة مضى أبو العاص بالعير وما عليها إلى مكة فلما بلغها ثم قال يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا وجزاك الله عننا خيرا فقد وجدناك وفيا كريما قال أما وإني قد وفيت لكم حقوقكم فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والله ما منعني من الإسلام محمد في المدينة إلا خوفي أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم فلما أداها الله إليكم وفرأت ذمتي منها أسلمت ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرم وفادته ورد إليه زوجته وكان يقول عنه حدثني فصدقني ووعدني فوفالي يا شعر أسحف في مدقهم هل هم مزيق