بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سراقة ابن مالك رضي الله عنه هبت قريش ذات صباح وجلة مذعورة فقد سرى في أنديتها أن محمدا قد بارح مكة مستترا بجنح الظلام فلم يصدق زعماء قريش النبأ واندفعوا يبحثون عن النبي في كل دار من دور بني هاشم وينشدونه في كل بيت من بيوت أصحابه حتى أتوا منزل أبي بكر فخرجت إليهم ابنته أسماء فقال لها أبو جهل أين أبوك يا بنت فقالت لا أدري أين هو الآن فرفع يده ولطم خدها لطمة أهوة بقرطها على الأرض جن جنون زعماء قريش حين أيقنوا أن محمدا غادر مكة وجندوا كلما لديهم من قفات الأثر لتحديد الطريق الذي سلكه ومضوا معهم يبحثون عنه فلما بلغوا غار ثور قال لهم قفات الأثر والله ما جاوز صاحبكم هذا الغار ولم يكن هؤلاء مفطئين فيما قالوه لقريش فقد كان محمد وصاحبه في داخل الغار وكانت قريش تقف فوق رأسيهما حتى إن صديق رأى أقدام القوم تتحرك فوق الغار فدمعت عيناه فنظر إليه الرسول نظرة حب ورفق وعتاب فهمس الصديق قائلا والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروها يا رسول الله فقال له الرسول الكريم مطمئنا لا تحزن يا أبا بكر فإن الله معنا فأنزل الله السكينة على قلب الصديق وراح ينظر إلى أقدام القوم ثم قال يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدميه لرآنا فقال له الرسول ما ظنك يا أبا بكر بثنين الله ثالثهما وهنا سمعافة من قريش يقول للقوم هل أم إلى الغار ننظر فيه فقال له أمية بن خلف ساخرا ألم تر إلى هذا العنكبوت الذي عشش على بابه والله إنه أقدم من ميلاد محمد غير أن أبا جهل قال واللات والعزة إني لأحسبه قريبا منا يسمع ما نقول ويرى ما نصنع ولكن سحره ران على أبصارنا بيد أن قريشا لم تنفض يدها من أمر العثور على محمد ولم ينثن عزمها عن ملاحقته فأعلنت في القبائل المنتشرة على طور الطريق بين مكة والمدينة أن من يأتيها بمحمد حيا أو ميتا فله مئة من كرائم الإبل كان سراقة بن مالك المدلجي في ندي من أندية قومه في قديد قريبا من مكة فإذا برسول من رسل قريش يدخل عليهم ويذيع فيهم نباء الجائزة الكبرى التي بذلتها قريش لمن يأتيها بمحمد حيا أو ميتا فما كاد سراقة يسمع بالنوق المئة حتى شرأبت إليها أطماعه واشتد عليها حرصه ولكنه ضبط نفسه فلم يفه بكلمة واحدة حتى لا تتحرك أطماع الآخرين وقبل أن ينهض سراقة من مجلسه دخل على الندي رجل من قومه وقال والله لقد مر بي الآن ثلاثة رجال وإني لأظنهم محمدا وأبا بكر ودليلهما فقال سراقة بل هم بنو فلان مضوا يبحثون عن ناقة لهم أضلوها فقال الرجل لعلهم كذلك وسكت ثم مكث سراقة قليلا حتى لا يثير قيامه أحدا من من في الندي فلما دخل القوم في حديث آخر إن سل من بينهم ومضى خفيفا مسرعا إلى بيته وأسر لجاريته بأن تخرج له فرسه في غفلة من أعين الناس وأن ترتبطه له في بطن الوادي وأمر غلامه بأن يعد له سلاحة وأن يخرج به من خلف البيوت حتى لا يراه أحد وأن يجعله في مكان قريب من الفرس لبس سراقة الأمتة وتقلد سلاحة وطاصه وتفرسه وطفق يغذ السير ليدرك محمدا قبل أن يأخذه أحد سواه ويظفر بجائزة قريش كان سراقة ابن مالك فارسا من فرسان قومه المعدودين طويل القامة عظيم الهامة بصيرا باقتفاء الأثر صبورا على أهوار الطرق وكان إلى ذلك كله أريبا لبيبا شاعرا وكانت فرسه من عتاق الخيل مضى سراقة يطوي الأرض طيا لكنه ما لبث أن عثرت به فرسه وسقط عن صهوتها فتشاءم من ذلك وقال ما هذا تبا لك من فرس وعلى ظهرها غير أنه لم يمضي بعيدا حتى عثرت به مرة أخرى فازداد تشاءما وهم بالرجوع فما رده عن همه إلا طمعه بالنوق المئة لم يبتعد سراقة كثيرا عن مكان عثور فرسه حتى أبصر محمدا وصاحبه فمد يده إلى قوسه لكن يده جمدت في مكانها ذلك لأنه رأى قوائم فرسه تسيخ في الأرض والدخان يتصاعد من بين يديها ويغطي عينيه وعينيها فدفع الفرس فإذا هي قد رسخت في الأرض كأنما سمرت فيها بمسامر من حديد فالتفت إلى الرسول وصاحبه وقال بصوت ضارع يا هاذان أدعو لي ربكما أن يطلق قوائم فرسي ولكما علي أن أكف عنكما فدعى له الرسول فأطلق الله له قوائم فرسه لكن أطماعه ما لبثت أن تحركت من جديد فدفع فرسه نحوهما فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل فاستغاث بهما وقال إليكما زادي ومتاعي وسلاحي فخذاه ولكما علي عهد الله أن أرد عنكما من ورائي من الناس فقال له لا حاجة لنا بزادك ومتاعك ولكن رد عنا الناس ثم دعى له الرسول فانطلقت فرسه فلما هم بالعودة ناداهم قائلا تريثوا أكلمكم فوالله لا يأتيكم مني شيء تكرهونه فقال له ما تبتغي منا فقال والله يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينك ويعلو أمرك فعاهدني إذا آتيتك في ملكك أن تكرمني وكتب لي بذلك فأمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه الصديق فكتب له على لوح من عظم ودفعه إليه ولما هم بالانصراف قال له النبي عليه الصلاة والسلام وكيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرا فقال سراقة في دهشة كسر بن هرمز فقال نعم كسر بن هرمز عاد سراقة أدراجة فوجد الناس قد أقبلوا ينشدون رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فقال لهم ارجعوا فقد نفضت الأرض نفضا أبحث عنه وأنتم لا تجهلون مبلغ بصري بالأثر فرجعوا ثم كتم خبره مع محمد وصاحبه حتى أيقن أنه ما بلغ المدينة وأصبح في مأمن من عدوان قريش عند ذلك آذاعة فلما سمع أبو جهل بخبر سراقة مع النبي عليه الصلاة والسلام وموقفه من لامه على تخاذله وجبنه وتفويته الفرصة فقال يجيبه على ملامته أبا حكم والله لو كنت شاهدا لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه علمت ولم تشكك بأن محمدا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه دارت الأيام دورتها فإذا بمحمد الذي خرج من مكة طريدا شريدا مستترا بجنح الظلام يعود إليها سيدا فاتحة تحف به الألوف المؤلفة من بيض الصيوف وسمر الرماح وأذا بزعماء قريش الذين ملأوا الأرض عنجهية وغطرسة يقبلون عليه خائفين وجلين يسألونه الرأفة ويقولون ماذا عساك تصنع بنا فيقول لهم في سماحة الأنبياء اذهبوا فأنتم الطلقاء عند ذلك أعد سراقة ابن مالك راحلته ومضى إلى رسول الله ليعلن اسلامه بين يديه ومعه العهد الذي كتبه له قبل عشر سنوات قال سراقة لقد أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة فدخلت في كتيبته من الأنصار فجعلوا يقرعونني بكعوب الرماح ويقولون إليك إليك ماذا تريد فما زلت أشق صفوفهم حتى غدوت قريبا من رسول الله وهو على ناقته فرفعت يدي بالكتاب وقلت يا رسول الله أنا سراقة ابن مالك وهذا كتابك لي فقال الرسول عليه الصلاة والسلام أدن مني يا سراقة أدن هذا يوم وفاء وبر فأقبلت عليه وأعلنت اسلامي بين يديه ونلت من خيره وبره لم يمضي على لقاء سراقة ابن مالك لرسول الله صلى الله عليه وسلم غير بضعة أشهر حتى اختار الله نبيه إلى جواره فحزن عليه سراقة أشد الحزن وجعل يتراء له ذلك اليوم الذي هم فيه بقتله من أجل مائة ناقه وكيف أن نوق الدنيا كلها قد أصبحت اليوم لا تساوي عنده قلامة من ظفر النبي وجعل يردد قولته له كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرا دون أن يخامره شك في أنه سيلبسهما ثم دارت الأيام دورتها كرة أخرى وآل أمر المسلمين إلى الفاروق رضوان الله عليه وهبت جيوش المسلمين في عهده المبارك على مملكة فارس كما يهب الإعصار فطفقت تدك الحصون وتهزم الجيوش وتهز العروش وتحرز الغنام حتى أدال الله على يديها دولة الأكاسرة وفي ذات يوم من أواخر أيام خلافة عمر قدم على المدينة رسل سعد بن أبي وقاص يبشرون خليفة المسلمين بالفتح ويحملون إلى بيت مال المسلمين خمس الفي الذي غنمه الغزاة في سبيل الله فلما مضعت الغنام بين يدي عمر نظر إليها في دهشة فقد كان فيها تاج كسرا المرصع بالدر وثيابه المنسوجة بخيوط الذهب وبشاحه المنظوم بالجوهر وسواراه اللذان لم تر العين مثله ما قط وما لا حصر له من النفائس الأخرى فجعل عمر يقلب هذا الكنز الثمين بقضيب كان في يده ثم التفت إلى من حوله وقال إن قوما أدى وهذا لأمنا فقال له علي بن أبي طالب وكان حينئذ حاضرا إنك عففت فعفت رعيتك يا أمير المؤمنين ولو رتعت لرتعوا وهنا دع الفاروق رضوان الله عليه سراقة بن مالك فألبسه قمص كسرا وسراوي له وقباءه وقف فيه وقلده سيفه ومنطقته ووضع على رأسه تاجه وألبسه سواريه نعم سواريه عند ذلك هتف المسلمون الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثم التفت عمر إلى سراقة وقال بخ بخ عيرابي من بني مدلج على رأسه تاج كسرا وفي يده سواراه ثم رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم إنك منعت هذا المال رسولك وكان أحب إليك مني وأكرم عليك ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني وأكرم عليك وأعطيتني فأعوذ بك أن تكون قد أعطيتنيه لتمكربي ثم لم يقم من مجلسه حتى قسمه بين المسلمين كيف بك يا سراقة إذا لبست سراق سواري كسرا محمد رسول الله