بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عكرمة ابن أبي جهل رضي الله عنه كان في أواخر العقد الثالث من عمره يوم صدع نبي الرحمة بدعوة الهدى والحق وكان من أكرم قريش حسبا وأكثرهم مالا وأعزهم نسبا وكان جديرا به أن يسلم كما أسلم نظراؤه من أمثال سعد بن أبي وقاص ومصعب بن عمير وغيرهما من أبناء البيوتات المرموقة في مكة لولا أبوه فمن يكون هذا الأب يا ترى إنه جبار مكة الأكبر وزعيم الشرك الأول وصاحب النكال الذي امتحن الله ببطشه إيمان المؤمنين فثبتوا واختبر بكيده صدق الموقنين فصدقوا إنه أبو جهل وكفى هذا أبوه أما هو فعكرمة بن أبي جهل المخزومي أحد صناديد قريش المعدودين وأبرز فرسانها المرموقين وجد عكرمة بن أبي جهل نفسه مدفوعا بحكم زعامة أبيه إلى مناوات محمد عليه الصلاة والسلام فعاد الرسول أشد العدا وأذى أصحابه أفدح الإيذاء وصب على الإسلام والمسلمين من النكال ما قرت به عين أبيه ولما قاد أبوه معركة الشرك يوم بدر وأقسم بالله والعزة أن لا يعود إلى مكة إلا إذا هزم محمدا ونزل ببدر وأقام عليها ثلاثا ينحر الجزور ويشرب الخمور وتعزف له القيان بالمعازف لما قاد أبو جهر هذه المعركة كان ابنه عكرمة عضوده الذي يعتمد عليه ويده التي يبطش بها ولكن اللات والعزة لم يلبيان داء أبي جهل لأنهما لا يسمعان ولم ينصراه في معركته لأنهما عاجزان فخر صريعا دون بدر ورآه ابنه عكرمة بعينيه ورماح المسلمين تنهل من دمه وسمعه بأذنيه وهو يطلق آخر صرخة فرجت عنها شفتاه عاد عكرمة إلى مكة بعد أن خلف جثة سيد قريش في بدر فقد أعجزته الهزيمة عن أن يظفر بها ليدفنها في مكة وأرغامه الفرار على تركها للمسلمين فألقوها في القليب مع العشرات من قتل المشركين وأهالوا عليها الرمال ومنذ ذلك اليوم أصبح لعكرمة ابن أبي جهل مع الإسلام شأن آخر فقد كان يعاديه في بادي الأمر حمية لأبيه فأصبح يعاديه اليوم ثأرا له ومن هنا إن برى عكرمة ونفر ممن قتل آباؤهم في بدر يؤرثون نار العداوة في صدور المشركين على محمد ويضلمون جذوة الثأر في قلوب الموتورين من قريش حتى كانت وقعة أحد خرج عكرمة ابن أبي جهل إلى أحد وأخرج معه زوجه أم حكيم لتقف مع النسوة الموتورات في بدر وراء الصفوف وتضرب معهن على الدفوف تحريضا لقريش على القتال وتثبيتا لفرسانها إذا حدثتهم أنفسهم بالفرار وجعلت قريش على ميمنة فرسانها خارد ابن الوليد على ميسرتهم عكرمة ابن أبي جهل وأبل الفارسان المشركان في ذلك اليوم بلاء رجح كفة قريش على محمد وأصحابه وحقق للمشركين النصر الكبير مما جعل أبا سفيان يقول هذا بيوم بدر وفي يوم الخندق حاصر المشركون المدينة أياما طويلة فنفد صبر عكرمة ابن أبي جهل وضاق ذرعا بالحصار فنظر إلى مكان ضيق من الخندق وأقحم جواده فيه فاجتازه ثم اجتازه وراءه بضعة نفر في أجرأ مغامرة ذهب ضحيتها عمر ابن عبد ود العامري أما هو فلم ينجه إلا الفرار وفي يوم الفتح رأت قريش ألا قبل لها بمحمد وأصحابه فأزمعت على أن تخلي له السبيل إلى مكة وقد أعانها على اتخاذ قرارها هذا ما عرفته من أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر قواده أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم من أهل مكة لكن عكرمة ابن أبي جهل ونفرا معه خرجوا على إجماع قريش وتصدوا للجيش الكبير فهزمهم خارد ابن الوليد في معركة صغيرة قتل فيها من قتل منهم ولاذ بالفرار من أمكنه الفرار وكان في جملة الفارين عكرمة ابن أبي جهل عند ذلك أسقط في يدي عكرمة فمكة نبت به بعد أن خضعت للمسلمين والرسول صلوات الله وسلامه عليه عفى عما سلف من قريش انتجاه لكنه استثنى منهم نفرا سماهم وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة وكان في طليعة هؤلاء النفر عكرمة ابن أبي جهل لذا تسلل متخفيا من مكة ويمم وجهه شطر اليمن إذ لم يكن له ملاذ إلا هناك عند ذلك مضت أم حكيم زوج عكرمة ابن أبي جهل وهند بنت عتبة إلى منزل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ومعهما عشر نسوة ليبايعن النبي عليه الصلاة والسلام فدخلنا عليه وعنده اثنتان من أزواجه وبنته فاطمة ونساء من نساء ابن عبد المطلب فتكلمت هند وهي متنقبة وقالت يا رسول الله الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه وإني لأسألك أن تمسني رحمك بخير فإن امرأة مؤمنة مصدقة ثم كشفت عن وجهها وقالت هند بنت عتبة يا رسول الله فقال لها الرسول عليه الصلاة والسلام مرحبا بك فقالت والله يا رسول الله ما كان على وجه الأرض بيت أحب إلي من أن يذل من بيتك ولقد أصبحت وما على وجه الأرض بيت أحب إلي من أن يعز من بيتك فقال رسول الله وزيادة أيضا ثم قامت أم حكيم زوج عكرمة ابن أبي جهل فأسلمت وقالت يا رسول الله قد هرب منك عكرمة إلى اليمن خوفا من أن تقتله فأمنه أمنك الله فقال عليه الصلاة والسلام هو آمن فخرجت من ساعتها في طلبه ومعها غلام لها رومي فلما أوغلا في الطريق راودها الغلام عن نفسها فجعلت تمنيه وتماطله حتى قدمت على حي من العرب فاستعانتهم عليه فأوثقوه وتركوه عندهم ومضت هي إلى سبيلها حتى أدركت عكرمة عند ساحر البحر في منطقة تهامة وهو يفابض نوتيا مسلما على نقله والنوتي يقول له أخلص حتى أنقلك فقال له عكرمة وكيف أخلص قال تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فقال عكرمة ما هربت إلا من هذا وفيما هما كذلك إذ أقبلت أم حكيم على عكرمة وقالت يا ابن عم جئتك من عند أفضل الناس وأبر الناس وخير الناس من عند محمد بن عبد الله وقد استأمنت لك منه فأمنك فلا تهلك نفسك فقال أنت كلمته قالت نعم أنا كلمته فأمنك وما زالت به تؤمنه وتطمئنه حتى عاد معها ثم حدثته حديث غلامها الرومي فمر به وقتله قبل أن يسلم وفيما هما في منزل نزل به في الطريق أراد عكرمة أن يخلو بزوجه فأبت ذلك أشد الإباء وقالت إني مسلمة وأنت مشرك فتملكه العجب وقال إن أمر يحول دونك ودون الخلوة بي لأمر كبير فلما دنا عكرمة من مكة قال الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه سيأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت وما هو إلا قليل حتى وصل عكرمة وزوجه إلى حيث يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه النبي صلوات الله وسلامه عليه وثب إليه من غير رداء فرحا به ولما جلس رسول الله وقف عكرمة بين يديه وقال يا محمد إن أم حكيم أخبرتني أنك أمنتني فقال النبي عليه الصلاة والسلام صدقت فأنت آمن فقال عكرمة إلى ما تدعو يا محمد قال أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله وأن تقيم الصلاة وأن تؤتجزك حتى عد أركان الإسلام كلها فقال عكرمة والله ما دعوت إلا إلى حق وما أمرت إلا بخير ثم أرد فيقول قد كنت فينا والله قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثا ثم بسط يده وقال إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك عبده ورسوله ثم قال يا رسول الله علمني خير شيء أقوله فقال تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فقال عكرمة ثم ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول أشهد الله وأشهد من حضر أني مسلم مجاهد مهاجر فقال عكرمة ذلك عند هذا قال له الرسول صلوات الله وسلامه عليه اليوم لا تسألني شيئا أعطيه أحدا إلا أعطيتك إياه فقال عكرمة إني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها أو مقام لقيتك فيه أو كلام قلته في وجهك أو غيبتك فقال الرسول عليه الصلاة والسلام اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد به اطفاء نورك واغفر له ما نال من عرضي في وجهي أو أنا غائب عنه فتهلل وجه عكرمة بشرا وقال أما والله يا رسول الله لا أدعو نفقة كنت أنفقتها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ولا قتالا قاتلته صد عن سبيل الله إلا قاتلت ضعفه في سبيل الله ومنذ ذلك اليوم انضم إلى موكب الدعوة فارس باسل في ساحات القتال عباد قوام قراء لكتاب الله في المساجد فقد كان يضع المصحف على وجهه ويقول كتاب ربي كلام ربي وهو يبكي من خشية الله بر عكرمة بما قطعه للرسول من عهد فما خاض المسلمون معركة بعد اسلامه إلا وخاضها معهم ولا خرجوا في بعث إلا كان طليعتهم وفي يوم اليرموك أقبل عكرمة على القتال إقبال الظامئ على الماء البارد في اليوم القائظ ولما اشتد الكرب على المسلمين في أحد المواقف نزل عن جواده وكسر غمد سيفه وأوغل في صفوف الروم فبادر إليه خارد بن الوليد وقال لا تفعل يا عكرمة فإن قتلك سيكون شديدا على المسلمين فقال إليك عني يا خالد فلقد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقه أما أنا وأبي فقد كنا من أشد الناس على رسول الله فدعني أكفر عما سلف مني ثم قال لقد قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة وأفر من الروم اليوم إن هذا لن يكون أبدا ثم ناد في المسلمين من يبايع على الموت فبايعه عمه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من المسلمين فقاتلوا دون فصطاط خالد رضي الله عنه أشد القتال وذادوا عنه أكرام الذود ولما انجلت معركة اليرموك عن ذلك النصر المؤزر للمسلمين كان يتمدد على أرض اليرموك ثلاثة مجاهدين أثخنتهم الجراح هم الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل فدع الحارث بماء ليشرب فلما قدم له نظر إليه عكرمة فقال ادفعوه إليه فلما قربوه منه نظر إليه عياش فقال ادفعوه إليه فلما دلوا من عياش وجدوه قد قضا نحبة فلما عادوا إلى صاحبه وجدوه ما قد لحقابه رضي الله عنه وسقاهم من حوض الكوثر شربة لا يضمأون بعدها وحباهم خضراء الفردوس يرتعون فيها أبدا سيأتيكم عكرمة مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت محمد رسول الله قد غوثت سفر حلمشد يا شعر واسحف ذي أفض في مدحهم هل نمزي