خلاصة مفاهيم أهل السنة الحق والباطل والعلم بهما الحق هو ما كان مصدره الكتاب والسنة بفهم الصحابة رضي الله عنهم وما خالف ذلك فهو الباطل والعلم بالحق والباطل يعني معرفة سبيل المؤمنين عقيدة وأحكام وسلوك ومعرفة سبيل المجرمين وتصوراتهم الباطلة وطرق كيدهم للإسلام وكل هذا قد تضمنه القرآن والسنة الصحيحة قال تعالى عن سبيل المؤمنين ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا وقال عن سبيل المجرمين وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ومن جعل القرآن والسنة بفهم الصحابة مصدره في الفهم والاتباع لا يلتبس عليه الحق بالباطل إذا التبس على الناس الحكمة من صراع الحق مع الباطل لله عز وجل الحكمة البالغة في تقديره الصراع بين الحق والباطل ومن ذلك أولا ظهور جوانب من عبودية أهل الحق لربهم لا تظهر إلا في الصراع كعبودية الصبر والثبات على الحق والتضرع إلى الله عز وجل بطلب النصر والتوبة من الذنوب إلى آخر ذلك فلله عز وجل على عباده عبوديات في الصراء والضراء والرخاء والشدة ثانيا تمييز الخبيث من الطيب فالناس في الرخاء متساوون لكنهم يتباينون في الشدائد قال عز وجل ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ثالثا في أوقات الصراع مع الباطل يظهر للناس جوانب من الحق ما كانوا ليعرفوها لولا هذا الصراع فيكثر المتبعون للحق والمناصرون له رابعا وكذلك في أحوال الصراع تستنهض الهمم وتقوى روح المقاومة عند أهل الحق ويقوى انتماؤهم وتمسكهم به إدالة الباطل على الحق الأصل البقاء للحق ولكن الله عز وجل بحكمته وعزته يديل الباطل أحيانا عليه لما سبق ذكره من الحكم وبسبب ذنوب العباد ولكن هذه الإدالة مؤقتة ومن ظن أن الله عز وجل يديل الباطل على الحق إدالة دائمة فقد أساء الظن بالله تعالى وبوعده لأن الله عز وجل حكم على الباطل بالزهوق والذهاب وعلى الحق بالبقاء والثبات والتجذر قال تعالى كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال وقال عن الحق ألم ترى كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون وقال عن الباطل ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار مكر الله بأهل الباطل يظن بعض الناس عندما يشتد مكر أهل الباطل وثسادهم أنهم في عافية وقوة لا تقاوم وينسى قول الله عز وجل ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون وقوله سبحانه وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون وقوله تعالى ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ففي هذه الآيات بينا الله عز وجل لنا أن الذين يمكرون السيئات في قبضة الله تعالى وأن الله يمكر بهم حيث يملي لهم وهم يمكرون حتى يتمادوا في المكر ويزدادوا مكرا وإفسادا مغترين بهذا الإملاء والاستدراج والله عز وجل يسوقهم بهذا المكر والإملاء منه سبحانه إلى نهايتهم القاصمة القاضية قال سبحانه ولا يحسب أن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين حقيقة انتصار الحق على الباطل يفهم بعض الناس أن انتصار الحق على الباطل مقصور على انتصاره الحسي بهزيمة الباطل في ساحات القتال ولكن حقيقة الانتصار هي الثبات على الحق في أوقات الابتلاءات وتسلط الباطل والتضحية في سبيل الله عز وجل بالمال والنفس دون أي تنازل عن الحق أو مداهنة للباطل وأوضح مثال لهذا النوع من الانتصار الفوز الكبير الذي حصل عليه أصحاب الأخدود بثباتهم على الحق حتى أحرقوا وفي ظاهر الأمر أن الباطل انتصر عليهم بإحراقه لأولياء الله عز وجل والحقيقة أن ثباتهم هذا في ميزان الله عز وجل هو غاية الفوز وقمة الانتصار قال سبحانه عن المؤمنين الذين أحرقوا في الأخدود إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير وقال عن الباطل وأهله الذين عذبوا أوليائه إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق حقيقة الصراع بين الحق والباطل إن المعركة بين الحق والباطل سنة إلهية لا تتبدل وتبدأ بالصراع في المفاهيم والأخلاق والقيم وساحة المعركة في هذا الصراع تكون بجهاد الكلمة والبيان وذلك بتقرير المفاهيم والقيم التي يدعو إليها الحق وأهله وتعد المفاهيم الجاهلية وبيان حرافها وتناقضاتها وهبوطها وتبلغ ذروة الصراع بين الحق والباطل عند القدرة في ميادين الجهاد بالسنان والسلاح والإثخان في رموز الكفر بالقتل عندما يصدون عن سبيل الله ويحولون بين الناس ووصول الحق إليهم قال الله عز وجل عن هذه السنة وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون وقال عز وجل ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض وقال عز وجل وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله الاستعلاء على الباطل قال تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون وقال سبحانه ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين فمصدر الاستعلاء على الباطل هو الإيمان بالله عز وجل والتسليم لأمره ولأن الباطل نقيض ما يريده الله فالحق يعلو ولا يعلى عليه والحق باق والباطل ذاهب بوعد الله تعالى القائل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ولا يكدر على ذلك إذن الله عز وجل بحكمته للباطل أن ينتفش في حقبة من الزمن للابتلاء والتمييز لكن مآله إلى ذهاب وسفال والاستعلاء بالإيمان لا يعني مجرد عزمة مفردة ولا نخوة دافقة ولا حماسة فائرة متهورة إنما هو الاستعلاء القائم على الحق الثابت المركز في طبيعة الوجود الذي قامت عليه السماوات والأرض الحق الباقي وراء منطق القوة وتعارف الناس لأنه موصول بالله الحي الذي لا يموت استقلال الحق عن الباطل وأنهما لا يلتقيان ولا يمتزجان الحق من عند الله عز وجل والباطل من وحي شياطين الإنس والجن وبناء على ذلك فإن الحق الذي أنزله الله عز وجل لا يمكن مزجه بالباطل الذي يدعو إليه الكفرة المبطلون فلا سبيل إلى التعاون بين حقنا وباطلهم أو للتقاء في منتصف الطريق بين القائم على الحق والقائمين على الباطل فهما فهما مختلفان وطريقان لا يلتقيان فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا فحين يغلب الباطل بقوته وجمعه على قلة المؤمنين وضعفهم لحكمة يراها الله سبحانه فالصبر حتى يأتي الله بحكمه واستجداء العون منه سبحانه هو الزاد المضمون لهذا الطريق وليس الحل التنازل عن الحق ومبادئه قال تعالى قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين إنه للتقاء بين كلمة الحق الطيبة وكلمة الباطل الخبيثة قال تعالى بواعث الصراع بين الحق والباطل المعركة بين المؤمنين أهل الحق وخصومهم من الكافرين المبطلين هي معركة عقيدة بين الإيمان والكفر وليست شيء آخر على الإطلاق مهما رفع أهل الباطل من رايات وبواعث للقتال ليصرف المؤمنين عن حقيقة الصراع وبواعثه كقولهم إن بواعث الصراع مع المسلمين اقتصادية أو سياسية أو عنصرية إلى آخر ذلك لقد حسم الله عز وجل بواعث الصراع في قوله تعالى وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد وفي قوله سبحانه قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون الواقعية في صراع الحق مع الباطل ليست الواقعية أن يتنازل الحق للباطل عن مبادئه حينما يكون ضعيفا وإنما هي أن يثبت أهل الحق عليه ويصبر كما سبق بيانه ويستعينوا بالله عز وجل على ذلك ويكفوا أيديهم عند عدم القدرة كما كان ذلك في العهد المككي في سيرته صلى الله عليه وسلم ويتوجه إلى الدعوة بالبيان والحكمة والموعظات الحسنة وتحقيق كلمة التوحيد وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وترسيخ الأخلاق والقيم حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين قال سبحانه في مثل هذه الأحوال واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين إن إدراك حقيقة الصراع مع الباطل وواقعيته سيجعل أهل الحق يخاطبون الناس وهم يقدمون لهم الإسلام في ثقة وقوة وفي عطف ورحمة وشفقة بالمدعو ثقة الذي يستيقن أن ما معه هو الحق وأن ما عليه الخصم هو الباطل وحين إذ لن يتدسس أهل الحق بالإسلام تدسسا ولن يداهنوا تصورات الناس وشهواتهم المنحرفة بل سيقولون لهم إنكم على جاهلية نجسة والله يريد أن يطهركم هذه الأوضاع التي أنتم فيها خبث والله يريد أن يطيبكم هذه الحياة التي تحيونها دون وهبوط والله يريد أن يرفعكم ويحييكم وإذا كنتم لشقوتكم لم تروا صورة واقعية للحياة الإسلامية لأن أعداء الدين يتكالبون للحيلولة دون قيام هذه الحياة فنحن قد رأيناها والحمد لله ممثلة في قلوبنا وشريعتنا المستمدة من كتاب ربنا سبحانه وهناك من أبناء المسلمين من يتحدثون عن الإسلام مع الأسف من منطلق الواقعية المنحرفة فيقدمونه للناس وكأنه متهم يحاولون دفع التهمة عنه وساء ذلك دفاعا فهذا دين الله عز وجل الذي يجب أن نرفع به رؤوسنا ونحمد الله تعالى على أن هدانا إليه ونطرحه للناس باستعلاء وفخر وبشفقة على من حرمه من الشقاء في الدنيا والآخرة قال سبحانه اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا إن مفاهيم الجاهلية والتصورات والعادات السائدة تشكل ضغطا عنيفا ولكن ذلك لا يعني أن نجاري الجاهلية في بعض مجالاتها كما لا يعني أن نقاطعها ولا نستفيد بالنافع منها كلا إنما هي المخالطة مع التميز والاستعلاء والدعوة إلى الحق وإظهار الدين والصدع به الفرق بين المداهنة والمدارات في صراع الحق مع الباطل المداهنة هي التنازل عن شيء من أصول الدين للحصول على مكاسب دنيوية أو حفاظا عليها كمن يؤيد الباطل للحصول على منصب أو مال أو خشية فقده لذلك وكمن يسكت عن قول الحق للحصول على دنيا ولذا فالمداهنة محرمة ومذمومة شرعا وقد قال تعالى في ذمها فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهنوا فيدهنون والمدارة هي التنازل عن شيء من الدنيا أو الحضوظ الشخصية حفاظا على الدين وأوصوله ودرأا للمفاسد أو تحصيلا للمصالح التي تخص المحافظة على الدين وأهله ومثال ذلك كفو اليد عن القتال في العهد المكي وبنود الصلح التي عقدت مع المشركين في صلح الحديبية ولذا فالمدارات جائزة بل ربما كانت مطلوبة شرعا وقد بوّب البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح باب المدارات مع الناس وساق عن أبي الدرداء رضي الله عنه قوله إنا لنكشر أي نظهر التبسم لهم في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم وقوله صلى الله عليه وسلم إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه وعلق ابن حجر على هذين الأثرين فقال قال ابن بطّال المدارات من أخلاق المؤمن وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاض لهم وقال القرطبي والفرق بين المدارات والمداهنة أن المدارات بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا وهي مباحة وربما استحبت والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا وقال ابن القيم رحمه الله والمدارات صفة مدح والمداهنة صفة ذم والفرق بينهما أن المدارية يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل والمداهن يتلطف ليقره على الباطل ويتركه على هواه فالمدارات لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النفاق وبهذا الفرق الواضح لا يصح لأحد أن يداهن في دين الله ويوالي أعداء الله بحجة المدارات والتسامح كما أنه لا يصح لأحد أن يترك المدارات المطلوبة للذب عن الدين وأهله خشية أن تكون مداهنة فتنة مسايرة الواقع هي الفتنة التي يقع فيها كثير من الناس بسبب ضغط الواقع فيقدمون رضى الناس وعاداتهم على رضى الله وأحكامه وشرعه ويجعلون ذلك هو منطلق تصوراتهم ومفاهيمهم وسلوكهم وأخلاقهم وكفى بذلك فتنة والمطلوب من المؤمن أن يسير ويغير الواقع إلى ما يرضي الله تعالى لا أن يسايره ويكون إن معه فذلك يسخط الله عليه ويقول أمره إلى آخر المطاف إلى سخط الناس عليه قال صلى الله عليه وسلم ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس وهذه الفتنة قد تشتد حتى توقع صاحبها في الشرك الأكبر مسايرة لآبائه وأجداده والناس من حوله وقد تكون سببا في الوقوع في الفسوق والعصيان وأصل مسايرة الواقع هو الهوى حتى يطبع على القلب فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه فتنة مسايرة الواقع على أهل العلم إن أهل العلم والدعوة هم أشد الناس تعرضا لهذه الفتنة وذلك لما يتعرضون إليه من ترغيب وترهيب من قبل شياطين الإنس والجن مما يقول بالداعية أو العالم إلى أن يساير واقعه ويتنازل عن بعض مبادئه إرضاء للسلطان أو إرضاء للناس واتقاء لسخطهم وسقوط منزلته عندهم فيداهن في دين الله عز وجل عياذا به سبحانه فتنة مسايرة الواقع على المرأة والأسرة ومن أكثر الناس وقوعا في هذه الفتنة أيضا المرأة المسكينة والتي تتأثر كثيرا بواقعها والنساء من حولها وتتأثر بزينة الحياة الدنيا من مآكل ومشارب وملابس وأزياء وموضات غريبة تصادم شرع الله عز وجل مصادمة صريحة أضف إلى ذلك ما تأثرت به كثير من بيوتات المسلمين من فتن ومظاهر فساد ومفاخرة في متاع الدنيا الفانية ويكاد الواقع ومسايرته يسحق المرأة وأسرتها وهم يرون غيرهم في مساكنهم وخدمهم وأسفارهم وملابسهم فيقعون في المسايرة والتقليد التي تكلف الناس العنت الشديد في حياتهم وينفقون في سبيل ذلك الأموال الطائلة وتتراكم الديون على أهلها ومع ذلك لا يجد هؤلاء المسايرون الإمعات لأنفسهم مفرًا منها مسايرة للناس واتقاء نقدهم وسخطهم فتنة مسايرة الواقع على العصرانيين خرج علينا العصرانيون ممن مسهم دخان العلمانية الليبرالية بفقه غريب يريد تبرير الواقع المعاصر وتغريبه لإدخال كثير من القيم الغربية في دائرة الإسلام وأنها هي الأصلح لعصرنا فاعتدوا على تطبيق الحدود وأباح الربا بزعمهم أنه ضرورة اقتصادية وسعوا لتغريب المرأة ونقد حجابها وزعموا أن الحجاب خاص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم وزينوا للمرأة خروجها من بيتها واختلاطها بالأجانب إلى غير ذلك من تبريراتهم ومسايرتهم الوضيع مسايرة الواقع وقواعد التيسير لقد وصلت فتنة مسايرة الواقع إلى بعض المنتسبين للعلم في بعض ديار المسلمين ممن لم يتحملوا ضغط الواقع فراحوا يتعللون في مسايرتهم للواقع وأهواء الناس ببعض القواعد الشرعية التي هي صحيحة في أصلها لكنهم استخدموها في تبرير الوقوع في بعض المخالفات الشرعية لا سيم الاجتماعية والاقتصادية منها بحجة التيسير على الناس ورفع المشقة عنهم دون مراعات لضوابقها الشرعية وشروطها المعتبرة شرعا وقد بلغ الأمر ببعضهم إلى أن يستدل على مداهنة الكفار والمنافقين وموالاتهم ببعض الاستدلالات التي يلون فيها نصوص الشريعة ليبرروا بها هذه المواقف المخزية كحجة التسامح والعدل مع المخالف ونبذ الكراهية والطائفية الآثار الخطيرة لفتنة مسايرة الواقع يتحدد الخطر من فتنة مسايرة الواقع في عدة أمور فمن ذلك أولاً الآثار الدنيوية وذلك بما يظهر على المساير الإمعة من فقدان للهوية وذوابان الشخصية الإسلامية مما ينجم عنه معاناة في جسده ونفسه وعقله وعرضه حيث يصبح هذا الفقدان وذلك الذوابان مصدر عنة وشقاء وتعاسة بخلاف المستسلم لشرع الله عز وجل والذي لا يقدم عليه شبهة ولا شهوة ولا رضى الناس ولا سخطهم حيث لا تجده إلا سعيداً مطمئنا محفوظاً من ربه في دينه ونفسه وعقله وماله وعرضه ثانياً الآثار الدينية وهذه أخطر من سابقتها ذلك أن المساير لواقع الناس المخالف لشرع الله عز وجل قد تتراكم عليه المعاصي والآثام حتى ترين على قلبه وأخطر من ذلك أن استمرار الوقوع في المخالفات دون إنكار ولا تمعر قد تتحول إلى شيء مألوف يطبع عليه القلب ويتشرب حبها واستحلالها والعياذ بالله لأن الانحراف قد يبدأ طفيفاً في أول الطريق ثم لا يلبث أن ينتهي إلى انحراف كامل في نهايته والذي يقبل التسليم في جزء من الانحراف لا يملك أن يقف عند انحرافه أول مرة لأن استعداده للتسليم للانحراف يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء إن ظهور مظاهر المسايرة على العبد لا سيما الداعية يفقده المصداقية عند نفسه وعند الناس خاصة المدعوين منهم وقد يؤدي به ذلك إلى ترك الدعوة وأهلها إذ كيف يساير الواقع من هو مطالب بتسيير الواقع وتغييره وهذه الآثار لا تخفى على أحد يؤمن بالله واليوم الآخر حيث إن المسايرة للواقع بما يسخط الله عز وجل قد عرض نفسه لسخط الله وعذابه نسأل الله السلامة والعافية هو الحالة التي يكون فيها الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة أو الدولة المسلمة في ضعف بحيث يكونون عاجزين عن إظهار الإسلام وشعائره جزئيا أو كليا بسبب عدو قوي خارجي أو سلطان جائر وفي هذه الأحوال ينشأ فقه الاستضعاف هو الفقه الذي يبحث في أحوال المسلمين حال الاستضعاف وما تقتضيه من أحكام شرعية تفارق فيها حالة تمكين بحيث يجوز في أزمنة الاستضعاف أو أمكنته أو أحواله ما لا يجوز حالة تمكين الموقف الشرعي في حال الاستضعاف يتلخص الموقف الشرعي في حال الاستضعاف في عدة نقاط هي أولا الشعور بالعزة والاستعلاء بالإيمان قال تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلى إن كنتم مؤمنين والحذر من الهوان والذلة والاستكانة ومن التنازل عن المبادئ وثوابت هذا الدين ثانيا مراجعة النفس ومحاسبتها والبحث عن أسباب الاستضعاف والتي من أهمها الذنوب والمعاصي والمبادرة إلى التوبة منها ثالثا الرجوع إلى الراسخين في العلم فيما يجوز الأخذ به من الرخص والقواعد الشرعية وما لا يجوز ومن هذه القواعد التي يحتاج إليها في أحوال الاستضعاف أحكام الإكراه أحكام الضرورة وضوابطها ضوابط المشقة والتيسير وضوابط تغيير الفتوى بتغيير الأحوال والأزمان والأمكنة وقواعد سد الذريعة وغيرها رابعا السعي إلى رفع الاستضعاف بإعداد القدرة على مدافعة الباطل وأهله خامسا السعي لإزالة أسباب الفرقة بين الدعاة والمجاهدين وتوحيد الصف والكلمة سادسا العناية بفقه الموازنات والأولويات وتحديد أنواع الخصوم والمخالفين والبدء بالأخطر وتأجيل ما دونه سابعا إن لم يكن هناك قدرة على التغيير والمدافعة فتشرع الهجرة للقادر عليها إذا وجد مكانا يستطيع المسلم فيه إظهار دينه ثامنا في أحوال الاستضعاف يمكن التحالف مع المخالف مادام أنه من أهل القبلة في مدافعة الكفار والمنافقين الذين يريدون تبديل الدين وطمس الهوية تاسعا الصبر والاستعانة بالله تعالى ودعاؤه حتى يحكم وهو خير الحاكمين قال تعالى قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ضوابط الأخذ برخص الاستضعاف للأخذ برخص الاستضعاف ضوابط من أهمها أولا تفاوت قدرات المستضعفين ودرجة تحملهم وذلك حسب ضعف إيمانهم وقوته ثانيا التحقق من وقوع الضرر الشديد الذي يترخص به في ارتكاب المحظور ثالثا التفريق بين استضعاف العالم المتبوع واستضعاف من دونه فقد يسع التابع ما لا يسع المتبوع رابعا الضرورة تقدر قدرها خامسا عدم الركون إلى حال الاستضعاف وأحكامها وكأنها دائمة لا تزول بل ينظر إلى أنها طارئة مؤقتة يسعى إلى رفعها قدر الإمكان وإعداد القوة لذلك سادسا ألا توقع أحوال الاستضعاف في مخالفة أصل من أصول الشريعة أو لبس الحق بالباطل الثبات على الحق وهو الثبات على ما جاء في الكتاب والسنة بفهم الصحابة رضي الله عنهم ولا سيما فيما يتعلق بأصول الإيمان وأصول العبادات وأصول الأخلاق وأصول المعاملات والتسليم لما شرعه الله عز وجل في ذلك كله وكلمة الثبات توحي بأن صاحب الحق يتعرض لما يهز ثباته على الحق من ابتلاءات ومغريات فيثبت أمامها ولا يتنازل ولا يتزعزع وهنا يتمايز الصادقون الثابتون على الحق عن الضعفاء الذين يتهاوون عند أدنى ابتلاء ولا يظهر الثبات من أهله إلا عند الشدائد وإلا فالناس متساوون عند الرخا قال تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله الانتصار على الباطل ثبات أهل الحق على حقهم في معركة الصراع مع الباطل وما يتعرضون له من الابتلاءات هو الانتصار الحقيقي الدال على صدقهم وقوة ثباتهم كما هو واضح في قصة أصحاب الأخدود الذين وصف الله ثباتهم بالفوز ذلك الفوز الكبير حتمية ابتلاء أهل الحق لاختبار ثباتهم قال تعالى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون وقال تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين لذا يجب على الدعاة والمجاهدين أن يعوا حقيقة هذه السنة الربانية ولا يتفاجعوا بها فطريق الدعوة والجهاد مملوء بالابتلاءات والمغريات والمساومات فمن كان يرجو سلامة نفسه ويقدمها على سلامة دينه فلن يصل فالبحث عن سلامة النفس واجعلها الأصل مبدأ خاطئ والصواب أن يبحث عن سلامة المبدأ ويعض عليه فإن سلمت النفس بعدها فتلك نعمة وإن ذهبت في سبيل الله فهي النعمة الكبرى لذا يجب الحذر من الخلق بين سلامة المنهج ومنهج السلامة علامة السير على الحق من علامة صاحب المبدأ الحق الثبات والطمأنين ومن علامة صاحب مصلحة النفس والساع في حضوظها التذبذب والشتات قال تعالى عن المنافقين مذبذبين بين ذلك لا إله هؤلاء ولا إله هؤلاء وقال عنهم أيضا ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ومن علامة عدم الثبات على الحق أيضا مراعاة رضى الناس والجمهور أو أربا بالسلطة دون مراعاة إظهار الحق لأن الثابت على الحق يسعى لإحقاقه لا لرضى الخلق فيكون هم دعاة الحق إقامة دين الله والجهاد حسب الإمكان لا قصد زعيم أو شيخ أو رمز دعوي إن ثبت ثبت وإن تغير تغيروا وسائل الثبات على الحق من أعظم الوسائل أولا اللجوء إلى الله عز وجل والتقرب إليه بالطاعة واجتناب المعاصي وسؤاله الثبات لأن الله هو وحده الذي يثبت ويعصم من الفتن قال سبحانه يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وقال سبحانه ولولا أن ثبتناك لقد كت تركن إليهم شيئا قليلا ثانيا ومن الوسائل كذلك الاجتماع وعدم الفرقة ثالثا ومن ذلك أيضا بث روح التفاؤل بين أهل الحق وعدم ترديد ما من شأنه الوهن والضعف والإحباط قال سبحانه لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين رابعا ومن الوسائل الاطمئنان إلى صحة المنهج وسلامته مهمة الداعية إلى الحق إن مهمة أهل الحق البلاغ المبين لهذا الدين عقيدة وشريعة وإرشاد الناس إليه ولا يصدهم عن ذلك اعتراض المعترضين وتعنتهم في مطالب واقتراحات لأدلة بعينها يختارونها إنما يكفيهم في البلاغ بيان الحق بدليله ولا يضرهم أو يهزهم اعتراض المعترضين قال سبحانه فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقول لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل التراجع عن الحق يخلط بعض الناس بين المراجعة والتراجع فالمراجعة والمحاسبة للنفس ومداسيرها على الحق مطلوبة أما التراجع عن الحق بحجة المراجعة فهو تنازل عنه وعدم ثبات عليه والغالب أن هذه التراجعات تكون عند أصحابها بعد ابتلاءات وإغراءات حيث يؤدي بهم ذلك إلى تغيير المسار وتقديم سلامة النفس على سلامة الحق ثم يسمو مسارهم الجديد تصحيحا ومراجعة وتجديدا الحذر من أعداء الحق أخذ الحذر من الأعداء أمر مطلوب في جهاد البيان وجهاد السنان ولكن هذا لا يعني ترك الدعوة والجهاد بحجة الحذر فهذا من تزين الشيطان وتخويف المؤمنين بأوليائه قال سبحانه إنما ذلكم الشيطان يخوف أوليائه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وجمع سبحانه بين أخذ الحذر والنفرة في سبيل الله تعالى بحيث لا يلزم من أحدهما إلغاء الآخر فقال سبحانه يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا فلا يعني أخذ الحذر ترك النفير في سبيل الله ولا يعني النفير في سبيل الله التفريط في أخذ الحذر من الأعداء فما أعظمه من دين يقوم على العدل والتوازن والوسطية أثر الرغبة والرهبة من المخلوق على الثبات حينما يتكلم صاحب الحق أو يكتب وفي نفسه مرهوب أو مرغوب غير الله عز وجل فسوف يكون ما يكتبه أو يقوله من الحق مشوه لأن الرغبة والرهبة لأحد المخلوقين يتجاذبان الحق فيخرجانه مشوه لذا فعل الداعية إلى الحق إذا حضره شيء من الرغبة أو الرهبة أن يمسك عن البيان حتى يزول ثم يبين الحق بعد ذلك للناس ليكون بيانه هذا سالم من التشويه والتلبيس أثر التعلق بالنتائج على الثبات إذا علق الدعية المصلح نفسه بأثر دعوته وإصلاحه والترق بالدائم لثمارها ثم تأخرت النتائج فإن هذا يضعف الهمة ويورث الفتور والإحباط ولذا فعلى المصلح أن يبذل ما في وسعه من العمل ابتغاء مرضات الله وجنته ولا يفرط في الأسباب ثم هو بعد ذلك غير مطالب بالنتائج وحسبه أنه أرضى الله عز وجل ودعى إلى سبيله ولا ينتظر أخذ أجره في هذه الدنيا بل ما عند الله خير وأبقى قال تعالى كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ومما يوهن النفس ويولد الإحباط كثرة التفكير في الباطل وانتشاره وانتفاشه والتألم من ذلك إذا على الداعية ألا يكثر من هذا التفكير ويجعل همته في نشر الحق ومجاهدة الباطل قال تعالى فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وقال سبحانه فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم عدم التنازل عن الحق ولو بشيء صغير إن أعداء الحق وأئمة الكفر يغرون أصحاب الدعاوات لينحرفوا ولو قليلا عن استقامة الدعوة وصلابتها ويرضون بالحلول الوسط التي يغرونهم بها ويوهمونهم بها أنهم سيحققون مغانم تكسبها الدعوة وتحت هذه الإغراءات يفتن بعض الدعات عن دعوته لأنه يرى الأمر هينا فأصحاب السلطان لا يطلبون منه أن يترك دعوته إنما هم يطالبون ببعض التعديلات الطفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة ببعض التأويلات الفاسدة فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان ولو بتنازلات طفيفة ولكن الانحراف الطفيفة في أول الطريق ينتهي إلى انحراف كامل في نهايته لأن أعداء الحق يستدرجون أصحاب الدعوات فإذا سلموا في الجزء الصغير فقدوا هيبتهم وحصانتهم وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسلم الصفقة كلها والاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الحق هي هزيمة روحية والله وحده هو الذي يعتمد عليه ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة فلن تنقلب الهزيمة نصرا قال الله عز وجل وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كت تركن إليهم شيئا قليلا التحالف مع الأنظمة الطاغوتية وخطر ذلك على الثبات يرى بعض الدعاة أو بعض الجماعات الإسلامية بسبب الضغوط والابتلاءات التي يتعرض لها شباب الصحوة ورموزها وتأخر النتائج أن تمد الجسور مع الأنظمة التي نقضت الحكم بشرع الله عز وجل وأن تقام تحالفات مع الأحزاب الوطنية أو العلمانية لعمل مشترك في مصلحة الأمة والوطن ومحاربة العدو المشترك وبناء على ذلك يكون الدعية المسلم جنبا إلى جنب مع العلماني أو القومي أو الرافضي في مجالس واحدة تسمى بالمجالس البرلمانية أو الشعبية أو الوطنية وفي هذه المجالس تبدأ التنازلات عن الحق وثوابته والتي أولها الإقرار والرضى بالدخول في هذه المجالس التي تشرع من دون الله ويقسم الداخل فيها على احترامها وهنا يتحول هدف الدعات من السعي لهدم هذه المجالس الكفرية إلى أن يكونوا من أركانها وكفى بذلك ضلالا وإذلالا للناس وأخطر ما في هذه الممارسات هدم عقيدة الولاء والبراء والتمييع في طرح ثوابت هذا الدين وإن إيقاع الدعات في هذه الزلات يفرح بها رؤوس الطواغيت ورموز الجاهلية حين يملون من أساليب القمع والبطش والسجن التي غالبا ما ترسخ التمسك بالدعوة فيعرضون على الدعات ما هو أخطر من ذلك وهو محاولة الاحتواء بالترغيب والوعود الكاذبة وتعلن الجاهلية للإسلاميين تفضلوا اعملوا للإسلام من خلال مؤسسات الدولة ومجالسها وهنا تصيد الشباك من تصيد من المتميعين الذين يحاولون تغطية هذه التنازلات ببعض الشبهات الشرعية كقولهم بالحفاظ على مفاهيم الشرعية وتارة باحتجاجهم بتغير الفتوى مع تغير الأحوال وتارة بالضرورة ورفع المشقة وتارة بقولهم نريد سحب البساط من تحت أقدام الجاهلية وتبريرهم ذلك كله بالحكمة ومراعاة الواقع والظروف المحيطة وقد قال عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين وقال عز وجل فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا وقال عز وجل فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ولما مال دعاة الديمقراطية والدخول مع أعداء الدين في تحالفات راحوا يبحثون في الشريعة عن شبهة أدلة يحتجون بها على صنيعهم هذا مثل استدلالهم بتحالف النبي صلى الله عليه وسلم ومع خزاعة وهم مشركون وكتحالفه في الكتاب الذي كتبه أول مقدمه إلى المدينة مع اليهود في الدفاع المشترك كما استدلوا بتولي يوسف عليه السلام خزائنا المال في حكومة ملك مصر وهي حكومة كافرة بل أصبح عزيزا فيها وكل هذه الأدلة شبهات لا تصلح لأن المناطة مختلف تماما ففيما استدلوا به كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرئيس المطاع ومن تحالف معه من اليهود أو المشركين كان تحت امرته وهو الطرف القوي ومن تحالف معهم ضعفا وكذلك الحال مع يوسف عليه السلام حيث كان هو الآمر الناهي المتنفذ بينما فيما استدلوا عليه من الأحوال المعاصرة فإن الطرف القوية هم الطواغيت والأنظمة الكافرة بينما الإسلاميون هم الطرف الضعيف الذي لا يملك أمرا ولا نهي فالقياس هنا فاسد وفاقد لأركانه الهجرة حينما تتعذر مدافعة الباطل الهجرة لغة الترك وشرعا ترك بلد الشرك إلى بلد الإسلام ويتبع ذلك ترك بلد البدعة إلى بلد السنة وبلد الفسوق والعصيان إلى بلد الالتزام بالشرع وبلد الربا والمعاملات المحرمة إلى بلد المعاملات الحلال وتشرع لمن لم يقدر على التغيير ما لم تكن هناك مصلحة شرعية في بقائه أما من كان في مقدوره الإنكار ومدافعة الفساد والمفسدين فلا يسوغ له ذلك والهجرة في سبيل الله تعالى هي تجرد من كل ما تهفو إليه النفس من متاع الدنيا من أهل ومال ووطن وتقديم محبة الله عز وجل على جميع المحاب قال تعالى ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعا ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وقال تعالى إن الذين توفاهم الملائكة وقالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءة مصيرا العزلة هي هجرة ما عليه الناس من المعاصي لا يستطيع مخالطتهم إلا في خير أو دعوة وهي مشروعة لمن لم يتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يكن في مقدوره الهجرة أو أنه لا يوجد مكان يهاجر إليه يستطيع فيه إظهار دينه فهنا يجب اعتزال الناس للصالح والانشغال بها وبخاصة الأهل والأولاد ومخالطة الناس في الخير أو في ما لا بد من أمور الدنيا قال الله عز وجل عن اعتزال إبراهيم عليه السلام لقومه وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا الإرهاب يعني التخويف والإرعاب والترويع وهو قسمان الأول إرهاب محمود ويحث عليه الشرع وهو إرهاب الكفار وتخويفهم وإلقاء الرعب في قلوبهم مما يكف شرهم ويذلهم ويجعلهم يستسلمون للمجاهدين كله لله قال تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم الثاني إرهاب مذموم محرم وهو الاعتداء على الأنفس وتخويف وترويع من لم يأذن الشرع بتخويفه وترويعه ومصطلح الإرهاب من المصطلحات التي شوهت اليوم وتلاعب بها أعداء الإسلام من كفار ومنافقين فأطلقوا على المجاهدين في سبيل الله تعالى والمقاومين لغزو الكفار وصف الإرهاب والبوذي والهندوسي وإرهاب حكام المسلمين من قتل وتشريد وسجن وتخويف للمسلمين وسموا إرهابهم هذا دفاعا عن الحرية ومواجهة للإرهاب والإرهابيين ويقصدون بذلك المجاهدين الذين انبروا للدفاع عن دينهم وأعراضهم وأموالهم وعن نبيهم صلى الله عليه وسلم ومما يدخل في الإرهاب المذموم ما يمارسه الكفار والمنافقون على بعض الدعات من الإرهاب الفكري وذلك بتقييد حريته فيما يراه حقا ويحاصرونه في دائرة لا يريدونه الخروج عنها وإن صدع بالحق وصموه بالإرهاب والحرية في مفهومهم والمجاهدين الذي يقيد الحريات زعموا في الوقت الذي يمارسون هم فيه تقييد الحريات والوقوف في وجه كل من رفض كفرهم ونفاقهم وتغريبهم واستخدام كل ما يملكون من وسائل في منعه من ممارسة حريته في عبادته وسلوكه وأحكام دينه ويتشدق الغرب اليوم بالحرية يجب أن يقضوا الحرية ويمارسوا أشد أنواع الضيق ومصادرة الحريات مجاهدة المنافقين قال الله عز وجل يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير والمقصود بالمنافقين هنا الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام خداعا للمؤمنين وخطرهم أشد من الكافرين لأن الكافر يعرف ويتقى خطره أما المنافق فيأمنه المؤمنون بما يظهر من الإسلام ويطلع على عوراتهم ويوالي أعداءهم ولذا كان عذابه يوم القيامة أشد من عذاب الكفار إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا والمقصود بمجاهدتهم أن يكون المسلمون على حذر دائم منهم وأن يفضحوهم ويغلظوا عليهم كما وصف جهادهم الفقيه المفسر بن العربي بأنه واجب باللسان وأنه فريضة دائمة في الدقيق في مجاهدة المنافقين نخرج ببعض الفروق بين فريضتي جهاد الكفار وجهاد المنافقين منها أولا أن جهاد الكفار يجيء ويذهب باختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة أما المنافقون فجهادهم قائم دائم في السلم والحرب وفي كل مكان وزمان ثانيا أن عداوة المنافقين مستترة خفية ومعادات الكفار ظاهرة جلية والمستتر أخطر من المعلن ولذلك قال سبحانه عن المنافقين هم العدو فاحذرهم ثالثا أن خطر المنافقين يأتي في الغالب من الخارج وخطر الخارج لا يتمكن دائما إلا بمساندة من الداخل والواقع يشهد بذلك كما في أفغانستان والعراق رابعا أن جهاد الكفار قد يكون عينيا وقد يكون كفائيا وقد يسقط بالأعذار أما جهاد المنافقين وهو واجب عيني على كل مكلف بحسبه ويتلخص الفهم الصحيح والموقف السليم في مجاهدة المنافقين في الآتي أولا بغضهم والبراءة منهم ومن صفاتهم وأفعالهم وهجرهم وهجر مجالسهم وهذا من الجهاد القلبي لهم ثانيا ثالثا ثالثا ثالثا ثالثا ثالثا ثالثا ثالثا ثالثا ثالثا وإيقامة الحجة عليهم وإحباط مؤامراتهم 4- إبعادهم عن مراكز التأثير في الأمة وتفقد الصف الداخلي مهم ولا سيما صفوف الدعات والمجاهدين والحذر من الثناء عليهم أو المجادلة عنهم 5- ترك الصلاة خلفهم وعليهم وعدم الاستغفار لهم إن ظهر كفرهم وماتوا على ذلك 6- وعظهم وزجرهم ومناصحتهم ودعوتهم للتوبة 7- الحكم عليهم بالردة إذا ظهر منهم أحد نواقض الإسلام وإيقامة حد الردة عليهم 8- جهادهم باليدي والإغلاض عليهم إذا أمنت الفتنة أو المفسدة والسعي لشل حركتهم وفاعليتهم قال سبحانه عن جهادهم باليد لإن لم ينتهي المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا وقال تعالى قل هل تربصون بنا إلا إحد الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا قال أهل التفسير أو بأيدينا أي بالقتل إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلناكم مسجد الضرار قال سبحانه في وصفه وأهدافه والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل فمسجد الضرار إذن مرتبط بالمنافقين الذين يرفعون لافتاة إسلامية ويتخذون لها أمكنة أو مؤسسات ظاهرها الدعوة إلى الإسلام وباطنها الحرب والكيد للدين وأهله وتفريقا بين المؤمنين كل ذلك إضرارا بالمسلمين ولذلك سميا ضرارا وقد بناه المنافقون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبره الله عز وجل بهدف المنافقين من بنائه فهدمه الرسول صلى الله عليه وسلم وأحرقه ومثل هذا المسجد يتكرر في كل مكان وزمان يتواجد فيه المنافقون ويأخذ صورا وأشكالا متعددة يجمعها أنه من داخله يكاد فيه للدين وأهله وتعقد فيه المؤامرات لحرب المسلمين وموالات الكافرين وإظهار عورات المسلمين لهم ومن هذه الصور ذلك المؤتمرات التي تقيمها الأنظمة الطاغوتية باسم الإسلام والاحتفال بمناسباته ومنها بعض المؤسسات ومراكز البحوث التي ترفع لافتات إسلامية ودوافع إغاثية خيرية ومثل هذه المراكز يجب فضحها وتحذير الناس من الاغترار بها وإذا كان للمسلمين تمكين وقوة ووجب هدمها وإزالتها ولنا أسوة في كشف مسجد الضرار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ضرب من ضروب جهاد المنافقين ومجاهدتهم استبانة سبيل المجرمين وتعريت باطلهم قال الله عز وجل وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ولم يقل الله عز وجل ولتستبين المجرمين وإنما قال ولتستبين سبيل المجرمين فالمطلوب معرفة سبيل المجرمين وطرق كيدهم وخططهم ضد هذا الدين وليس مجرد معرفة أشخاصهم ولا يمكن تعريت المجرمين ومعرفتهم إلا بعد معرفة سبيلهم وطرق مكرهم استبانة سبيل المجرمين وتعريتهم أمر لا بد منه في الدعوة إلى الله عز وجل والجهاد في سبيله وبدونه تحصل المواقف الخاطئة ويحصل الاضطراب وتضليل الناس بل قد يقوم المجرمون باستخفاف المؤمنين وخداعهم وتوظيفهم فيما يريدون يقول الإمام بن القيم رحمه الله عن الآية السابقة والعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية فاستبانت لهم السبيلان كما يستبين للسالك الطريق الموصل لمقصوده والطريق الموصل إلى الهلكة فهؤلاء أعلموا الخلق وأنفعهم للناس وأنصحهم لهم إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين فلا بد من استبانة الدعاة لسبيل المجرمين ورؤوسهم وبيان هذا للناس وتعريت الباطر وأهله لهم إن استبانة المجرمين وتعريت كيدهم وحقدهم على الدين وأهله يقوي عقيدة الولاء والبراء الولاء للدين وأهله والبراءة والعداوة للكفر وأهله ويقوّل انتماء للحق وبذل الجهد والنصيحة في بيانه للناس كما يتضح المكر الكبار والحقد الدفين في قلوب الكفار والمنافقين فيزداد المسلم حذرًا منهم ولا ينخدع بتلبيسهم ويقوى شعور المقاومة لهم التفاؤل التفاؤل شعور قلبي دافعه حسن الظن بالله عز وجل النابع من معرفة الله تعالى ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى فأسماؤه سبحانه الرحمن والرحيم واللطيف والبر والقوي والعزيز وغيرها من أسماء الجلال والجمال تثمر رجاءه سبحانه وحسن الظن به وإدراك أن فرجه قريب وأن مع العسر يسرى والمؤمن العارف بربه وأسمائه الحسنى لا يتطرق إلى قلبه التشاؤم أو اليأس والإحباط مهما اشتد البلاء وانتفش الباطل في وقت من الأوقات ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنى فها هو يقول لخباب بن الأرد رضي الله عنه عندما اشتكى إليه تعذيب المشركين له وطلب النصر في العهد المككي والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون رواه البخاري وها هو الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق حين تحزب فيها الكفار وهجموا على المدينة من كل جهاتها وزلزل المسلمون زلزالا شديدا كان يبث الأمل والتفاؤل بظهور هذا الدين على فارس والروم وكان يقول وهو يضرب بالمعول الله أكبر أعطيتم فاتيح الشام الله أكبر أعطيتم فاتيح فارس وشدة البلاء مقدمة النصر كما فهم ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال الله عنهم ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ومن علامات التفاؤل التي تبشر بقرب النصر في زماننا أولا القصص من الآيات والأحاديث التي فيها وعد الله عز وجل وضهور هذا الدين في جميع الأرض على الدين كله وفتح قصطانطينية ورومية وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ثانيا العودة العالمية والمحلية لهذا الدين ودخول في آمن من الكفار فيه وتوبة كثير من أبناء الأمة واهتداؤهم ثالثا عاجة البشرية اليوم وهي تعيش هذا الشقاء إلى منقذ ولا منقذ لها إلا دين الإسلام دين الفطرة والعقل والعلم رابعا انتهاء مركزية الغرب وتقهقر وتسليق الكفار بعضهم على بعض لينهك بعضهم بعضا معما تشهده دولهم من انهيار اقتصادي وأخلاقي وكوارث وعقوبات ربانية خامسا سلامة دين الإسلام من التدخلات البشرية التي عبثت بالنحل المحرفة وشوهتها فهو دين الله المرشح للبقاء والتمكين سادسا اليقظة التي يشهدها المسلمون وقوة الشعور بالمقاومة وهم يرون الصراع بين الحق والباطل حيث تكشفت جوانب كثيرة من الحق لم يكونوا على علم بها وجوانب كثيرة من الباطل كانوا يجهلونها ويجهلون ما أخبر الله عز وجل به من عداوة الكفار وحقدهم على الإسلام وأهله كما أن المنتمين للحق من دعاة ومجاهدين قوي انتماؤهم له وحماسهم لنصرته والتضحية في سبيل الله عز وجل سابعا ألوغ الظلم والكبر والإفساد من أعداء الدين ذروته من كفار ومنافقين ولم يبق إلا أن يحق عليهم وعد الله سبحانه بالقصم والمحق والتمكين للمؤمنين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين الغلبة جاء ذكر الغلبة ومشتقاتها في القرآن الكريم على عدة معاني تعود إلى الظهور والقهر ومن ذلك أولا جاء بمعنى النصر كما في قوله تعالى كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ثانيا وبمعنى القهر كما في قوله عز وجل فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ثالثا وبمعنى أصحاب النفوذ كما في قوله قال الذين غلبوا على أمرهم رابعا وبمعنى استيلاء الشقاوة على الكفار كما في قوله ربنا غلبت علينا شقوتنا خامسا وبمعنى عدم القدرة على دفع العدو كما في قوله تعالى فدعى ربه أني مغلوب فانتصر والذي يهمنا في مفاهيم الصراع بين الحق والباطل المعنى الأول والمعنى الثاني وهو أن النصر من عند الله تعالى العزيز الحكيم فالنصر يأتي بقضاء الله وقدره وقوته إذا أخذ المسلمون بأسبابه وليس عن كثرة العدد والعدة وكما مر بنا في مفهوم سابق عن حقيقة الانتصار وأنه يتحقق ولو في أحوال تمكن الباطل واستضعاف المؤمنين وذلك حين يثبت المؤمنون على دينهم ويستعلون بإيمانهم على كل الابتلاءات والمساومات ولا يصدهم ذلك عن دينهم فهذه هي حقيقة الانتصار كما في قصة أصحاب الأخدود وتضحيتهم بأرواحهم في سبيل الله وثباتهم على الحق