بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله البغيرة بن شعبة رضي الله عنه من هؤلاء البدات الذين قطعوا الفيافية وجازوا القفار يتعاقبون كل ثلاثة على جمل حتى بلغوا ديار فارس هداه فإذا أبل فرس الهداية صاروا غزاه من هؤلاء الرجال فلا ترى على أبدانهم إلا ثوبًا صفيقًا ولا تجد في أيديهم إلا سلاحًا خفيفًا ولا تُبصِرُ تحتَهم إلا خيلاً أهزلَها الضربُ في الآفاق وأظنَتها قِلَّةُ المأونة إنه مُلكُماتُ الأُباه فرسانُ النهار عُبادُ الليل صحابةُ رسول الله صلواتُ الله وسلامُه عليه لقد نهَدوا من بطن الجزيرة العربية بقيادة سعد بن أبي وقاص وجاءوا إلى كسرى وقومه يحملون إليهم دعوةَ الهدى والحق فإذا أبوها حملوا في وجوههم السيوف عسكر جيش المسلمين بقيادة الأسد سعد بن أبي وقاص عند القادسية يتأهب للقاء العدو وهو لا يزيد على ثلاثين ألفا أما جيش فارس فقد بلغ عشرين ومئة ألف وكانت عدةُ المسلمين قليلةً ضئيلة وكانت عدةُ الفرس تفوق الحصر وتعزُّ على التقدير ومع ذلك فقد كان الفرس يرهبون المسلمين أشدَّ الرهبة ويخافونهم أعظم الخوف فصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءوا يؤدون الأمانة ويبغون الشهادة لا يبال الواحد منهم على أي جنب كان في الله مصرعه أما جنود فارس فقد كانوا على وفرة العدة وكثرة العدد لا يعرفون لأي شيءٍ يحاربون وعن أي شيءٍ يدافعون لذلك كان قادتهم يقرنونهم بالسلاسل والأصفاد حتى لا يفروا عند الزحف ويولوا الأدبار كان صاحب فارس يعرف ذلك من المسلمين فقد بلاهم من قبل ويعرف ما عليه جنده فقد خذلوه أمام المسلمين أكثر من مرة ومن هنا أرسل رسله إلى قائد جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص يسأله أن يرسل إليه نفرا من رجاله ليفابضهم فيما جاء من أجله المسلمون وليقف منهم على ما يريدون اختار سعد عشرة من أصحابه فيهم المغيرة بن شعبة للقاء عظيم الفرس ولا تسأل عن السبب الذي جعله يختار المغيرة فقد كان الرجل أحد دهات العرب المعدودين حتى كان يقال له مغيرة الرأي وكان الشعبي يقول دهات العرب أربعة معاوية للأنا وعمر بن العاص للمعضلات والمغيرة للبديهة وزياد بن أبيه للصغير والكبير ولم يخطئ سعد فقد كان الموقف يحتاج إلى البديهة أكثر من حاجته لأي شي مضى هؤلاء النفر إلى لقاء عظيم الفرس على الموعد فخرج الناس شيبا وشبانا ونساء وملدانا ليرو هؤلاء القادمين لقد سمعوا من أخبار بأسهم على عدوهم وتراحمهم فيما بينهم ومساواتهم بين رئيسهم ومرأوسهم وأيمانهم برسالتهم ما أغراهم بالخروج إليهم لينظروا ما يكونون فلما رأوهم أخذ منهم العجب كل ما أخذ لقد لفت أنظارهم أجسامهم الدقيقة وأرديتهم الصفيقة ونعالهم البسيطة وخيولهم الضعيفة التي تخبط الأرض بأرجلها خبطا وسياطهم التي يحملونها بأيديهم وسيوفهم وتروسهم ولما استأذنوا على عظيم الفرس وجدوه قد زين مجلسه بالنمارق المذهبة وجمل بالتنافس المزركشة وأظهرت فيه اليواقيت الثمينة والآلئ الفريدة ومختلفوا ضرو بالزينة والمتاع أما هو فقد جلس على سرير من ذهب ولما هموا بالدخول عليه قال لهم الحجاب ضعوا أسلحتكم لدى الباب فقالوا إننا لم نأتكم وإنما أنتم دعوتمونا فإما أن تتركونا على ما جئنا عليه وإلا رجعنا فأذن لهم فدخلوا على ما يحبون وما إن استقر بهم المجلس حتى أخذ ملك فارس يعرض بفقرهم فسألهم عن ملابسهم مسمها وعن أرضيتهم ما ثمنها وعن نعالهم ما صنعها ثم قال لهم ما الذي أقدمكم هذه البلاد فنهض إليه أحدهم وقال إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله قال وما موعود الله قال الجنة لمن قتل والظفر لمن سلم فقال قد سمعتم قالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظرو قال نعم كم أحب إليكم يوما أو يومين قال لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا فقال ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث فانظر في أمرك وأمر قومك واختر واحدة من ثلاث قال وما هذه الثلاث قال لقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نبدأ بدعوة من يجاورنا من الأمم وأن نسلك معهم سبيل الإنصاف فإما أن يدخلوا في ديننا الذي حسن الحسن كله وقبح القبيح كله وإما أن يختاروا أهونا الأمرين وهو الجزية فإن أبوا لم يبقى إلا الحرب والمناجزة فاستشاط عظيم الفرس غضبا وقال إني لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى منكم ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين وقد كنا نوكل أمركم إلى قرى الظواحي ليكتبتوكم أي ليصرفوكم ويذلوكم وما كنا نغزوكم استصغارا لشأنكم فإن كان عددكم كثر فلا تغرنكم الكثرة وإن كان ضيق العيش هو الذي أهاجكم فرضنا لكم قوتا إلى أن تخصبوا وأكرمنا سادتكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم ثم أتبع يقول إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رآ عسلا فقال من يوصلني إليه وله درهمان فلما سقط عليه غريق فيه فجعل يطلب الخلاص فلا يجده وجعل يقول من يخلصني وله أربعة دراهم ثم استشاط غضبا وقال أقسم بالشمس لأقتلنكم غدا عند ذلك قام إليه المغيرة بن الشعبة وقال أيها الملك إن هؤلاء الذين كلموك أشراف يستحيون من الأشراف وليس كل ما أرسلو به إليك قالوه لك وقد أحسنوا ولا يجدر بمثلهم إلا ما فعلوه فإن شئت بلغتك عنهم وهم يشهدون إنك قد وصفتنا بما كنا عليه من سوء الحال فجاء وصفك دون الحقيقة لأنك لم تكن عالما بنا وأما جوعنا الذي ذكرته فلم يكن يشبهه جوع فقد كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات ونرى ذلك طعاما مستساغا وأما منازلنا فإنما هي ظهر الأرض ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم كان ديننا أن يقتل بعضنا بعضا وأن يبغي بعضنا على بعض وقد كان الواحد منا يدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه وكنا نعبد الحجارة فإذا رأينا حجر أحسن من الذي نعبده ألقيناه وأخذنا غيره لقد كانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك ثم بعث الله إلينا رجلا منا معروفا لدينا فأرضه خير أرضنا وحسبه خير حسبنا وبيته خير بيوتنا وهو نفسه أصدقنا وأحلمنا فدعانا إلى الإيمان بالله وحده وقال وقلنا وصدق وكذبنا وزاد ونقصنا فلم يقل شيئا إلا وكان فقدف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه فصار فيما بيننا وبين رب العالمين فما قال لنا فهو قول الله وما أمرنا به فهو أمر الله وقال لنا من تابعكم على هذا الدين فله ما لكم وعليه ما عليكم ومن أبى فعرضوا عليه الجزية ثم حموه مما تحمون منه أنفسكم ومن أبى فقاتلوه فاختر إن شئت الجزية تدفعها وأنت صاغر وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك وعشيرتك فغضب الملك وقال لولا أن الرسل لا تقتلوا لقتلتكم ثم قال لحجابه إيتوني بحمل من تراب فحملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه كما تساق الدواب حتى يخرج بعيدا عن بيوت المدائن ثم قال من أشرفكم فقام عاصم بن عمر وقال أنا وإنما قال ذلك ليحمل التراب فحملوه علي ثم قال لهم ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه غدا رستم ليدفنه مع جنده في خندق القادسية وما هي إلا ساعات معدودات حتى طلع الغد لكن شمس ذلك الغد لم تغرب إلا بعد أن رأى جنود الفرس المنهزمون رأس رستم محمولا على رماح المسلمين اشتركوا في القناة