بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ كُنُوزُ السِّيرَةِ انشقاقُ القمر ثم بعد هذه الحادثة وقعت حادثةٌ أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم وهي حادثةٌ عجيبةٌ ذكرت بالتواتر ألا وهي انشقاقُ القمر طلب كفار قريشٍ من النبي صلى الله عليه وسلم علامةً ودلالةً على صدقه وكأنه ما أتاهم بشيءٍ من ذلك فطلبوا منه صلوات الله وسلامه عليه أن يشق القمر نصفين فقال أرأيتم لو شق الله لكم القمر نصفين أتؤمنون قالوا وما لنا لا نؤمن فدع النبي صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى فشق الله لهم القمر نصفين فلما نظروا إلى القمر وهو نصفين بينهما جبل أبي قبيس قالوا لقد جاء بسحر فقال قائلٌ منهم إن كان قد سحركم فلا يستطيع أن يسحر الناس جميعا فانتظروا السفار إذا جاءوا فلما جاء السفار قالوا لهم ما أعجب ما رأيتم قالوا في ليلة كذا رأينا القمر في القتين قالوا لقد جاء بسحر عظيم سحر الناس أجمعين وهذا مصداق قول الله تبارك وتعالى في سورة القمر قولوا سحر مستمر أي سحر قوي كنوز السيرة بيعة العقبة الأولى قد مر بنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعى بعض أهل المدينة وأنهم آمنوا به وتابعوه فلما كان في الموسم من السنة الثانية عشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم جاء الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبايعوه والذين بايع النبي صلى الله عليه وسلم هم معاذ بن الحارث وذكوان بن عبد القيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة والعباس بن عبادة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة وكلهم من الخزرج إلا أبو الهيثم وعويم بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة النساء وهي التي ذكرها الله تبارك وتعالى في قوله يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَدْلَى يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ هكذا كان يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال قال عبادة ابن الصامت رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان لتفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو له كفارة ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه قال فبايعناه على ذلك ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب ابن عمير رضي الله عنه يعلمهم الإسلام ويدعو غيرهم ونجح مصعب ابن عمير نجاحا باهرا في دعوته إلى الله تبارك وتعالى وهاتان قصتان لرجلين أسلما على يد مصعب ابن عمير فكان في إسلامهما خير عظيم إن أسعد ابن زرارة خرج يوما مع مصعب ابن عمير يريد دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر فدخل في حائط لبني ظفر وجلس على بئر يقال لها بئر مرق واجتمع إليهما رجال من المسلمين وسعد ابن معاذ وأسيد ابن حضير كان سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وكان على الشرك فلما سمع بذلك قال سعد ابن معاذ لأسيد ابن حضير إذهب إلى هذين الذين قد أت يا يوسف هان ضعفاءنا فازجرهما وانههما عن أن يأتي دارنا فإن أسعد ابن زرارة ابن خالتي ولولا ذلك لك فيتك هذا فأخذ سيد حربته وأقبل إليهما فلما رآه أسعد ابن زرارة قال لمصعب ابن عمير هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه قال مصعب إن يجلس أكلمه فجاء أوسيد فوقف عليهما متشتما وقال ما جاء بكما إلينا تسفها نضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة فقال له مصعب أوتجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته كرهته كف عنك ما تكره فقال أنصفت ثم ركز حربته وجلس فكلمه مصعب وتلا عليه القرآن وبين له دين الله تبارك وتعالى وكيف أن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور من عبادة الأصنام عبادة رب العباد سبحانه وتعالى قال راوي القصة فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم وذلك في إشراقه وتهلله ثم قال له ما أوسيد ما أحسن ذلك وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قال له اغتسل وطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبه وتشهد وصلى ركعتين ثم قال إن وراء رجلا ان تبعكما لم يتخلف أحد من قومه ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه وهم جلوس فقال سعد أحلف بالله جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف أوسيد على قومه قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقال نفعل إن أحببت وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وبنوا حارثة لن يقتلوا أسعد بن زرارة ولكن هكذا تصرف أوسيد بن حضير رضي الله عنه ليثير سعد بن معاذ ليقوم ويدافع عن ابن خالته أسعد بن زرارة فقام سعد مغضبا للذي ذكر له فأخذ حربته وخرج إليهما فلما رأاهما مطمئنين عرف أن أوسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما كما عرف أنه لا أحد سيقتل أسعد ولا شي فوقف عليهما متشتما ثم قال لأسعد بن زرارة والله يا أبا أمامه لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني تغشانا في دارنا بما نكره قال مصعب لسعد بن معاذ أو تقعد فتسمع إن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال أنصفت ثم ركز حربته وجلس فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن قال راوي القصة فعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم ثم قال كيف تصنعون إذا أسلمتم فقال له كما قال لأسعد ففعل كما فعل أسعد فلما رجع إلى قومه قال يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله فما أمسى فيهم رجل ولمرأة إلا مسلم ومسلمة إلا رجل واحد يقال له الأصير وقد أسلم يوم أحد وظل مصعب في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبقى دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون وكانت في السنة الثالثة عشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إذ حج من المسلمين من أهل المدينة بضع وسبعون نفسا من ضمن حجاج قومهم من المشركين وكان المسلمون يقولون حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخوف قال كعب بن مالك رضي الله عنه خرجنا إلى الحج ووعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق وكانت الليلة التي وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ومعنا عبد الله بن عمر بن حرام سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمنا عبد الله بن عمر بن حرام وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بموعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا من النقباء قال كعب رضي الله عنه فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطى مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب وهي أم عمارة وأسماء بنت عمر من بني سلمة فاجتمعنا ننتظر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب والعباس يومئذ على دين قومه إلا أنه عم النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يعرف ماذا هم صانعون بابن أخيه فلما اجتمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم كان أول المتكلمين عم النبي صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا لانحياز لكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفاه فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده فقال كعب قد سمعنا ما قلت تكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت فقال النبي صلى الله عليه وسلم تبايعوني فقالوا يا رسول الله نبايعك على ماذا قال على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة قال كعب رضي الله عنه وتل القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قام البراء ابن معرور فأخذ بيده ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنع عنك مما نمنع أزورنا منه فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر فقام أبو الهيثم ابن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم وفي رواية أن جابرا قال فقمنا نبايع الرسول صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده أسعد بن زرارة فقال رويدا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة وفيه قتل خياركم وأن تعضكم السيوف فإن أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وأما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله يريد أسعد رضي الله عنه أن يثير فيهم محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أسعد أمط عننا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها فبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم وصافحهم إلا المرأتين فإنه ما صافح مرأة قط ثم جعل عليهم 12 نقيبا 9 من الخزرج و3 من الأوس أما نقباء الخزرج فأسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة ورافع بن مالك والبراء بن معرور وعبد الله بن عمر بن حرام وعبادة بن الصامت وسعد بن عبادة والمنذر بن عمر وأما نقباء الأوس فأسيد بن حضير وسعد بن خزرج وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر وبعد أن تمت هذه البيعة بين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين بايعوه صاح الشيطان وقال يا أهل الأخاشب هلكم في محمد والصباه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أزب العقبة أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك ثم أمرهم أن يرجعوا إلى رحالهم لما سمعت قريش هذا الصوت جاؤوا إلى أهل يثرب فقالوا لهم يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن ننشب معه الحرب منكم فقال مشركوا يثرب والله ما وقع شيء من هذا ولا تم شيء من هذا وصاروا يحلفون بالله ما وقع شيء من هذا فآت الناس عبدالله بن أبي بن سلول وكان من كبار الخزرج فجعل يقول هذا باطل وما كان هذا وما كان قومي ليفعلوا مثل هذا إلا وأخبروني فاستمرت قريش تبحث وتستقصي الأخبار حتى تأكد لديهم أن الخبر صحيح والبيعة قد تمت فلما نفر الحجيج سارع فرسانهم إلى أهل يثرب ولكن بعد فوات الأوان ولكنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر بن عمر فطاردوهما وفرى منهم وأعجزهم المنذر وأمسكوا سعد بن عبادة فربطوا يديه إلى عنقه وجعلوا يضربونه ويشدون شعره حتى أدخلوه مكة فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب فخلصاه من أيديهم وذلك أن سعد بن عبادة من سادات أهل المدينة كنوز السيرة