بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله عبادة ابن الصاد رضي الله عنه صحابي هذه المرة أنصاري عقبي بدري وحسبك بهذه المآثر الثلاث أو سمة رفعة وفخار في الدنيا وشواهد رضا وزلفا عند الله في الآخرة أما أبوه فكان يدعى الصامت وأما أمه فكانت تسمى قرة العين وأما هو فكان يدعوه الناس عبادة ومن منا معشر المسلمين لا يعرف عبادة ابن الصامت فهو أحد الأبرار الأطهار الذين آوا ونصروا وهو أحد الثلاثة والسبعين الذين بايعوا بيعة العقبة وهو أحد البدريين الذين الطلع عليهم الله عز وجل فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فإذا أضفت إلى ذلك أنه خامس خمسة جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بلغت به غاية الغايات ووصلت به إلى أرق الثرى وأرفع الدرجات قضى عبادة ابن الصامت حياته مجاهدا عابدا معلما فكان في ساحات القتال أسدا مغوارا وكان في سكون الليل متبتلا أوواها وكان في أوقات السلم يعلم المسلمين كتاب الله ويفقههم في دين الله فبعد أن فتح الله على المسلمين ديار الشام أرادوا أن يفتحوا العقول والقلوب كما فتحوا المعاقل والحصون فكتب أمير دمشق إلى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول إن المسلمين في بلاد الشام قد كثروا وحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم بدين الله فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم فدعى عمر رضوان الله عليه أن نفر الخمسة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم عبادة بن الصامت ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري وأبو الدرداء رضي الله عنهم أجمعين وجزاهم عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكرم الجزاء فلما صاروا بين يديه قال لهم إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم بالحلال والحرام فأعينوني رحمكم الله بثلاثة منكم وإن أحببتم فاستهموا فقالوا ما كنا لنستهم يا أمير المؤمنين فأبو أيوب الأنصاري شيخ كبير وأبي بن كعب رجل مريض وبقينا نحن الثلاثة فوجههم عمر رضوان الله عليه وعليهم إلى ديار الشام فأقام عبادة بن الصامت في حمص ونزل أبو الدرداء في دمشق وحل معاذ بن جبل في فلسطين كان عبادة بن الصامت حين بايع الرسول صلوات الله وسلامه عليه ليلة العقبة قد بايعه على السمع والطاعة وأن يقول الحق أينما كان وأن لا يخاف في الله لو متلائم فلما رأى من أمير الشام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ما لم ترتح إليه نفسه راجعه فيما رأاه وندد به فلم يأخذ معاوية برأيه ودعاه إلى طاعته فغضب عبادة وقال والله لا أسكن معك في أرض واحدة وعاد أدراجه إلى المدينة فلما قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له ما أقدمك يا عبادة فأخبره بما كان بينه وبين معاوية من خلاف فقال ارجع إلى مكانك قبح الله أرضا ليس فيها أنت ولا أمثالك ثم كتب إلى معاوية يقول لا إمرة لك على عبادة بن الصامت وإنما هو أمير نفسه ثم إن عمر بن العاصم ضى إلى مصر فاتحا وكانت خاضعة لحكم الروم فطفق يحرر مدونها وقراها إلى أن استعصى عليه حصن بابليون الواقع على ضفة النيل بالقرب من القاهرة اليوم وكان السبب في استعصاء الحصن عليه أن الروم حفروا حوله خندقا عظيم وثبتوا في الطرق المؤدية إليه حسك الحديد ليعوق الرجال والخيل عن التقدم نحوه وشحنوه بالجنود والعتاد ونقلوا إليه رجال دولتهم وعظماء القبط من أهل مصر وعلى رأسهم المقوقس بطر يركوا مصر وحاكمها حاصر عمر بن العاص الحصن أملا في أن يضيق حماته ذرعا بالحصار فيستسلموا له غير أن النيل ما لبث أنفاض فنسف الروم السدود وقطع الجسور فأحاط الماء بالمسلمين من كل جانب وكادوا يهلكون غرقا عند ذلك كتب عمر بن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يعينه بمدد من عنده فبادر عمر إلى إمداده بأربعة آلاف من جند المسلمين وجعل على كل ألف قائدا يقوم مقام ألف هم عبادة بن الصامت والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود ومسلمة بن مخلد علم المقوقس بالمدد الذي وصل إلى جيش المسلمين فأرسل إلى عمر بن العاص وفدا من خيرة رجاله ليفابضوه أوصاهم بأن يقفوا له على أحوال المسلمين وأن ينقلوا له صورة دقيقة واضحة عن حياتهم كما لو كان يراها هو بنفسه فقضى رجال الوفد في ضيافة المسلمين ثلاث ليال فلما عادوا سألهم المقوقس عما رأوا وما سمعوا فقالوا لقد رأينا والله قوما الموت أشهى إليهم من الحياة وأحب إليهم من الرفعة جلوسهم على التراب وأكلهم على الركب أميرهم كواحد منهم فما يعرف سيدهم من مسودهم ولا رفيعهم من وضيعهم إذا أقيمت الصلاة لم يتخلف عنها أحد منهم يغسلون أطرافهم ووجوههم بالماء ويخشعون لربهم في الصلاة فقال المقوقس والله لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها ولو نازلوا الجن لأبادوها وكأنما أراد المقوقس أن يرى بأم عينيه ما حدثه به رجاله فكتب إلى عمر بن العاصي يقول أرسلوا إلينا رسلا من عندكم لنفاوضهم ونعاهدهم فأرسل إليه عشرة من رجاله وأمر عليهم عبادة ابن الصامت كان عبادة ابن الصامت طويل القامة عظيمة الهامة كث الشعر شديد الهيبة يملأ عين رائيه رهبة وروعة فلما تقدم من المقوقس هابه أشد الهيبة ودخل في نفسه منه خوف عظيم فقال لرجال الوفد نحوا عني هذا الرجل وقدموا غيره ليكلمني فقالوا هذا أميرنا وقد عهد إلينا عمر بن العاصي بأن لا نتقدم عليه وأن لا نخالف له أمر فقال المقوقس لعبادة تقدم إلي أيها الرجل وكلمني برفق فإني أهاب منظرك فقال له عبادة أراك خفتني فكيف لو رأيت أصحابي وفيهم ألف رجل كلهم أشد مني قوة وهولا فقال له المقوقس ما الذي أخرجكم من دياركم وما الذي تريدونه منا فقال عبادة بن الصامت إنا والله ما خرجنا إلا ابتغاء مرضات الله عز وجل وقد عهد إلينا نبينا صلى الله عليه وسلم ألا تكون بغية أحدنا من الدنيا إلا ما يسد جوعته ويستر عورته لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم وإنما النعيم نعيم الآخرة فقال له المقوقس لقد سمعتم قالتك ولعمري ما بلغتم الذي بلغتموه إلا بما ذكرت وما انتصرتم على الذين انتصرتم عليهم إلا لحبهم الدنيا وكرهكم لها غير أن الروم قد جمعوا لكم ما لا يحصى عدده وإنا لنعلم أنكم لن تقوى عليهم لقلتكم وضيق ذات يدكم ونحن تطيب أنفسنا بأن نعطي لكل رجل منكم دينارين ولأميركم مائة دينار ولخليفتكم ألف دينار وتنصرفوا عننا قبل أن يصيبكم ما لا طاقة لكم به فقال له عبادة بن الصامت إنما تخوفنا به من كثرة الروم لا يصدنا عن غايتنا وإننا موقنون بأننا سنفوز بإحدى الحسنيين فإن ظفرنا بكم عظمت لنا غنيمة الدنيا وإن ظفرتم بنا عظمت لنا غنيمة الآخرة واعلم أنه ليس فينا رجل واحد إلا وهو يدعو الله بعد كل صلاة أن يرزقه الشهادة وأن لا يرده إلى أهله خائبا وقد استودع كل واحد مننا أهله وولده عند الله ثم عرض على المقوقس الإسلام أو الجزية أو القتال فأبا قوم المقوقس الإسلام وأنفوا من دفع الجزية فلم يبقى إلا القتال عند ذلك عزم المسلمون على اقتحام الحصن مهما كان الثمن غاليا فقام زبير بن العوام وقال إني أهب نفسي لله عز وجل وأخذ سلما عاليا ليرقى به على جدار الحصن وطلب من جنود المسلمين أن يكبروا وراءه بصوت واحد إذا سمعوا تكبيره وما هي إلا لحظات حتى كان الفارس المغوار يمتطي أسوار الحصن وهو مشهر سيفة وصيحة الله أكبر تنطلق مدوية من فمه فانطلقت وراءه آلاف الحناج لتردد الله أكبر فزلزل دويها القلوب ودك العزائم وألقى الزبير بنفسه داخل الحصن وتبعه طائفة من جند المسلمين فأعملوا السيوف في رقاب الروم الذين أذهلتهم المفاجأة وفتحوا باب الحصن في وجوه المسلمين فتدفق عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم عبادة بن الصامت ودارت بين الفريقين راحا معركة دروس كتب الله فيها لجنده النصر وضمت إلى دولة القرآن لؤلؤة الدنيا مصر قبح الله أرضا ليس فيها عبادة بن الصامت وأمثاله عمر بن الخطاب بصحبه قد غوصت الصرح المشيد يا شيار أسعف في مدحهم هل من أسعف