بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قِصَّةُ مَرْيَمَ بْنَةِ عِمْرَانِ عَلَيْهَا السَّلامِ حَمْلُ مَرْيَمَ بِعِيْسَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لما تعجبت مريم عليه السلام من حملها بعيسى عليه السلام من غير مسيس من البشر جاءها الجواب الإلهي الذي يزيل هذا الإشكال الذي وقع في نفسها ويبين قدرة الله تعالى على كل شيء قال تعالى قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وقال أيضا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغي قال كذلك قال ربك هو علي هي ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا قال ابن جرير الطبري رحمه الله يعني هكذا يخلق الله منك ولدا لك من غير أن يمسك بشر فيجعله آية للناس وعبرة فإنه يخلق ما يشاء ويصنع ما يريد وقال ابن كثير رحمه الله تقول كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولا من عزمي أن أتزوج ولست بغيا حاشا لله فقال لها الملك عن الله عز وجل في جواب ذلك السؤال كذلك الله يخلق ما يشاء أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شي الله جل في علاه لا يعجزه شي إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وهذه حقيقة يجب أن تستقر في قلب كل مسلم وتتذكرها كل فتاة على وجه الخصوص لأن أمنيات الفتيات كثيرة وتشعر الفتاة أنها ضعيفة لا تستطيع تحقيق أمنياتها وخاصة ما يتعلق منها بموضوع الزواج والإنجاب وتكوين الأسرة فإذا غابت هذه الحقيقة عن قلب الفتاة قل لجوءها إلى الدعاء والطلب من العظيم جل في علاه وأذا دعت دعت وهي غير متيقنة بإجابة الله لها لأنها ترى أن ما تطلبه شبه مستحيل بالأسباب التي أمامها وتنسى أن الله على كل شيء قدير والله سبحانه يقول في الإجابة على تساؤل مريم كيف يكون منها الولد والأسباب المادية المعروفة غير متوفرة فلا هي متزوجة وحاشاها أن تكون بغياء فأجابها الله بقوله قال كذلك قال ربك هو علي هين نعم هو هين على الله فلا تترددي أخت الكريمة في اللجوء إلى الله بالدعاء والتضرع والمناجة في قضاء حوائجك وأمنياتك مهما كانت مستحيلة في نظرك فالأمر هين على الله سبحانه وتعالى وهو من يدبر الأمر قال السعدي رحمه الله قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس تدل على كمال قدرة الله تعالى وعلى أن الأسباب جميعها لا تستقل بالتأثير وإنما تأثيرها بتقدير الله فيري عباده خرق العوائد في بعض الأسباب العادية لألا يقفوا مع الأسباب ويقطع النظر عن مقدرها ومسببها وفي حمل مريم بعيسا من غير مسيس من البشر حكم عظيمة أشار إليها ربنا سبحانه بقوله ولنجعله آية للناس ورحمة منا فهذا الحمل فيه آية للناس ورحمة لهم من الله جل في علاه قال ابن جرير الطبري رحمه الله يعني هكذا يخلق الله منك ولدا لك من غير أن يمسك بشر فيجعله آية للناس وعبرة فإنه يخلق ما يشاء ويصنع ما يريد فيعطي الولد من شاء من غير فحل ومن فحل ويحرم ذلك من يشاء من النساء وإن كانت ذات بعل لأنه لا يتعذر عليه خلق شيء أراد خلقه إنما هو أن يأمر إذا أراد شيء ما أراد فيقول له كن فيكون ما شاء مما يشاء وكيف شاء وقال ابن كثير رحمه الله ولنجعله آية للناس أي دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه فهذه آية تدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى وحجة على المعاندين والمعرضين عن دين الله الناكرين لعظمة الله قال ابن جرير الطبري رحمه الله ولنجعله آية للناس يقول وكي نجعل الغلام الذي نهبه لك وفي قوله سبحانه كذلك الله يخلق ما يشاء بيان من الله عز وجل أن عيسى بن مريم عليه السلام مخلوق وليس خالقا قال ابن كثير رحمه الله وصرحها هنا بقوله يخلق ما يشاء ولم يقل يفعل كما في قوله يفعل كما في قصة زكريا بل نصها هنا على أنه يخلق لأن لا يبقي لمبطل شبه وحمل مريم بعيسى عليه السلام كما أنه آية للناس فهو رحمة لهم من الله جل في علاه قال تعالى ولنجعله آية للناس ورحمة منا قال السعدي رحمه الله أي ولنجعله رحمة منا به وبوالدته وبالناس أما رحمة الله به فلما خصه الله بوحيه ومن عليه بما من به على أولي العزم وأما رحمته بوالدته فلما حصل لها من الفخر والثناء الحسن والمنافع العظيمة وأما رحمته بالناس فإن أكبر نعمه عليهم أن بعث فيهم رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة فيؤمنون به ويطيعونه وتحصل لهم سعادة الدنيا والآخرة وهكذا بعض الأمور لا تتجلى فيها الرحمة من أول نظرة ولكن بعد التأمر وإعادة النظر إلى مآلات الأمور تتجلى الرحمة بكل معانيها فلما قيل لمريم هذه بشارة من ربك أنك تحملين من غير زوج لم تدرك معاني البشارة في الحمل من أول وهلة ولكنها أدركتها لما رأت نبوة عيسى عليه السلام وهل هناك بشارة لفتاة أعظم من أن يقال لها إنك ستلدين نبي من أول العزم من الرسل يخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ويكون له شأن عظيم في الدنيا والآخرة أدركت مريم عليه السلام رحمة الله في خفة حملها وفي يسر ولادتها وفي الرزق الذي ساقه الله لها بهز النخلة التي يعجز عن هزها الرجال الأقوياء وباختيار الله لمكان ولادتها الذي جاور النهر فلا تحتاج إلى عناء البحث عن الماء وإحضاره ولا يخفى عليك أخت الكريمة حاجة النفساء إلى الماء لها ولوليدها أدركت مريم عليه السلام رحمة في الأمان الذي شعرت به لما قيل لها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا أدركت مريم عليه السلام الرحمة في عون الله لها في مواجهة قومها عندما أنطق الله وليدها الرضيع فقال لهم قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبي وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقي والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا أدركت مريم الرحمة في بر بنها عيسى عليه السلام وعنايته بها لقد خافت مريم عليه السلام على نفسها من جبريل لما جاءها في صورة رجل كامل الخلقة واستنكرت أن تحمل من غير مسيس وتمنت الموت لما ثقل حملها ثم أدركتها رحمة الله فأبصرت جوانب الرحمة التي لازمتها من بداية البشارة إلى أن توفاها الله عز وجل وأنت أيتها الفتاة المؤمنة تلمسي رحمة الله بك والتي تحيط بك من كل جانب فمن رحمة الله بك أن جعلك من أمة الإسلام وانظري إلى ضياع بنات الكفار في الغرب على وجه الخصوص لا حقوق ولا اهتمام ولا رعاية وتشريد من بعد البلوغ وقلب فارغ إلا من الهوى والرجال يعبثون بها من كل جانب ثم ترما في همها وحزنها وألمها وحيدة تصارع في الحياة المريرة ومن رحمة الله بك أن جعلك من أبوين صالحين يقومان برعايتك ونصحك وتوجيهك إلى الخير وانظري حولك ممن تعرفين والبنات التي تربين في أحضان والدين بعيدين عن دين الله وكيف هي حياتهم تبرج ظاهر ومعصية معلنة ولا هم لهنة إلا التمتع بالدنيا إلا من هداها الله وأخرجها من ظلمات أهلها إلى نور الهداية ومن رحمة الله بك تلك الصديقة الصالحة التي سخرها الله لك تعينك على فعل الخير وتبعدك عن فعل الشر وتنصح لك بصدق ومهما تلمسنا رحمة الله في حياتنا فإننا سنقف أمام هذه الآية العظيمة وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار