بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر خروج الإمام أحمد بن حنبل من السجن الزمان في الخامس والعشرين من رمضان سنة واحد وعشرين ومئتين للهجرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون من بعدهم على العقيدة الصحيحة الصافية التي لم تكدرها شائبة يعتقدون في الله وفي كتابه ما ذكره الله عن نفسه وعن كتابه من غير لجوء إلى تحريف أو تأويل أو تشبيه أو تعطيل حتى بدأ البعد عن تلك العقيدة السليمة يسري في الأمة شيئا فشيئا ومن مصادر ذلك المروق عن ذلك النهج الصافي الجهل بحقيقة دين الإسلام وبالعربية لغة القرآن وذلك حينما دخل في الإسلام بعض الأعاجم كالموالي ولديهم رواسب من عقائدهم السابقة فالجعد بن درهم وتلميذه جهم بن صفوان كان من الموالي فادخل بين المسلمين شرا وبيلا في بث بعض الأفكار المنحرفة عقيدة المسلمين الصحيحة كبدعة القول بخلق القرآن وتنقفها بعض الناس عنهم ثم جاء الترجمة كتب اليونان والإغريق والرومان والفرس والهند فزادت الطين بلة والمرض علة فاتسع الخرق وفشت العقائد المنحرفة في الأمة ومما زاد ترسيقها في بعض الأذهان تبني بعض الخلفاء العباسيين لها وتقريب رؤسائها وامتحان الناس بها وقد كان من بين تلك العقائد المنحرفة عن الحق القول بخلق القرآن التي تبناها أهل الاعتزال مذهباً لهم وأعلنوها في الناس فجاء الخليفة العباسي المأمون فجالس القاضي ابن أبي دؤاد فحمل عنه فكرة القول بخلق القرآن ونصرها ونشرها بقوة وشدة وامتحن الناس بها فلما مات المأمون أوصى أخاه المعتصم بصحبة ابن أبي دؤاد فاستمر تبني هذه الفكرة ومن بعد المعتصم جاء ابنه الواثق فبقيت الحال كما هي عليه حتى انتهت في عهد المتوكل وقد كان من العلماء الذين أبوا لاستجابة لهاؤلاء الخلفاء الثلاثة في تبن القول بخلق القرآن أحمد بن حنبن الشيباني رحمه الله فحبس لأجل ذلك وضرب بالسياط وفي الخامس والعشرين من رمضان من سنة واحد وعشرين ومائتين للهجرة خرج من السجن فكان يوما عظيماً فرح به المسلمون فرحاً كبيرا الإمام أحمد بن حنبل وشيء من سيرته العطرة اسمه ونسبه ومولده رحمه الله هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال ابن أسد الشيباني أبو عبدالله المروزي ثم البغدادي أحد الأئمة الأعلام ولد في بغداد في ربيع سنة أربع وستين ومائة للهجرة وربي يتيما فقد قدم به أبوه من مرو وهو حمل فوضعته أمه ببغداد وتوفي أبوه وهو ابن ثلاث سنين فكفلته أمه علمه وحفظه رحمه الله كان الإمام أحمد رحمه الله جبلا من جبال الحفظ وبحرا من بحور العلم جمع الله له بين قوة الحفظ وجودة الفهم ومعرفة مقاصد النصوص ومعانيها فكان حافظا محدثا فقيها قال عبد الله بن أحمد قال لي أبو زرع أبوك يحفظ ألف ألف حديث وقال عبد الله أيضا قال لي أبي خذ أي كتاب إن شئت من كتب وكيع من المصنف فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك أنا بالكلام أدبه وزهده رحمه الله لقد كان لعلم أحمد وفقه وعمله بعلمه أثره الحسن على أفعاله وأقواله وأحواله فظهر عليه الزهد والأدب والتقوى والهدي الصالح فغدا من لا يسمع منه العلم تكفيه رؤيته والجلوس معه وفي ذلك يحصل الخير الكثير قال المروذي قال لي أبو عبد الله ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مر بي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دي نارا فاحتجمته وأعطيت الحجام دي نارا وعن الحسين بن إسماعيل عن أبيه قال كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون نحو خمس مئات يكتبون والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت ثناء العلماء عليه ولعلم الإمام أحمد وفقه وورعه وحسن عمله وقوته في الحق وثباته عليه احتل مكانة مرموقة في نفوس الناس فأحبوه وعظموه وأجلو قدرة وأثنوا عليه خيرا ومن ذلك أهل العلم من مشايخه وأقرانه وتلاميذه ومن سمع عنه أو التقى به فقد لهجت ألسنتهم بالثناء عليه وبيان فضله قال عبد الرزاق ما رأيت أفقها منه ولا أورع وقال يحيى بن معين لو جلسنا مجلسا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها وقال الشافعي خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل ولا أعلم ولا أفقها ولا أتقى من أحمد بن حنبل بين يدي المعتصم ولما وصل الإمام أحمد واستقر في السجن أخرج بين يدي المعتصم مرات عدة من أجل أن يوافقه في رأيه ويتراجع عن قوله إن القرآن كلام الله غير مخلوق وكان يحضر هذه المجالسة مع المعتصم نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم والقاضي ابن أبي دؤاد وعصمة من الفقهاء والقضاء القائلين بخلق القرآن وكانوا وعلى رأسهم ابن أبي دؤاد يصمون الإمام أحمد بالضلال والإضلال والكفر ويحرّظون المعتصم على تعذيب أبي عبد الله وقتله وضمان تحمل دمه في أعناقهم بين يدي الله فكانوا يقولون يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل كافر وقال بعضهم يا أمير المؤمنين دمه في عنقي أقتله وقال ابن سماعه يا أمير المؤمنين اضرب عنقه ودمه في رقبتي وقال برغوث يا أمير المؤمنين هو كافر حلال الدم اضرب عنقه ودمه في عنقي وقال شعيب كذلك أيضا قال أبو عبد الله لم يكن في القوم أشد تكفير لي منهما لكن لم يلتفت المعتصم إلى ذلك كله وقد استعمن المعتصم ومن معه مع أبي عبد الله ليعدل عن رأيه في تلك المجالس ثلاثة أساليب الأول أسلوب المناظرة والإقناع العقلي فغلبهم أحمد الثاني أسلوب الترغيب حتى قال له المعتصم يا أحمد أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي ومن من يطأ بساطي فيقول أحمد يا أمير المؤمنين يأتوني بآية من كتاب الله أخذوا سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجيبهم إليها الثالث أسلوب الترهيب والتعذيب هذا هو الأسلوب الأخير الذي لجأ إليه المعتصم مع أحمد حينما لم ينفع معه الأسلوبان الأولان فقد تعرض أحمد لجلد مبرح بالسياط بين يدي المعتصم حتى كان يغمى عليه وحتى سال دمه وتقطع جلده وعن شدة ذلك الجلد الذي تعرض له يقول شاباصني التائب لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطا لو ضربته على فيل لهدته يوم الخروج فلما رأى المعتصم هذا الثبات الكبير من أحمد أرعبه ذلك وكان قد نصح ابن أبيد آدن المعتصم بهذه النصيحة لما سمع بعض الجلساء يطلب قتله وتحمل دمه حيث قال لا يا أمير المؤمنين لا تفعل فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس صبر حتى قتل فاتخذه الناس إماما وثبتوا على ما هم عليه ولكن أطلقه الساعة فإن مات خارجا من منزلك شك الناس في أمره قال أحمد فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت وقد أطلقت الأقياد من رجلي وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومئتين ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله ودع المعتصم بعم أحمد ثم قال للناس تعرفونه قالوا نعم هو أحمد بن حنبل قال فانظروا إليه أليس هو صحيح البدن قالوا نعم ولما قال قد سلمته إليكم صحيح البدن هدأ الناس وسكنوا قال الذهبي ما قال هذا مع تمكنه في الخلافة وشجاعته إلا عن أمر كبير كأنه خاف أن يموت من الضرب فتخرج عليه العامة ولو خرج عليه عامة بغداد لربما عجز عنهم موقف صاحب الخلق الكبير بعد كل هذا الابتلاء العظيم الذي لقيه الإمام أحمد وهذا الإيذاء الكبير الذي تعرض له من المعتصم وجلسائه تتبدى منه أخلاق الكبار والمؤمنين الصادقين الأبرار الذين لا ينتصرون لأنفسهم فيصدر عفوه العامة عن المعتصم لما قدمه من خدمة للإسلام قال أحمد بن سنان بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل يوم فتح عاصمة بابك وظفر به أو في فتح عمورية فقال هو في حل من ضربي وسمعته يقول كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعا وقد جعلت أبا إسحاق يعني المعتصم في حل ورأيت الله يقول وليعفو وليصفحو ألا تحبون أن يغفر الله لكم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة مصطح قال أبو عبد الله وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سبابك فرحم الله أبا عبد الله ما كان أصبره وأقواه في الحق وأجلده وما كان أعظم عفوه وصفحه بعد كل ما جرى له وفاته رحمه الله وبعد حياة مليئة بالخير العميم والثبات العظيم على الحق ونشر العلم والسنة يودع أبو عبد الله هذه الحياة إلى جوار ربه قال ابنه عبد الله سمعت أبي يقول استكملت سبعا وسبعين سنة ودخلت في ثمان فحم من ليلته ومات اليوم العاشر وقال ابنه صالح لما كان أول ربيع الأول من سنة واحد وأربعين ومائتين للهجرة حم أبي ليلة الأربع وبات وهو محموم يتنفس تنفسا شديدا وكنت قد عرفت علته وكنت أمر رضه إذا اعتل فقلت له يا أبه على ما أفطرت البارحة قال على ماء باقي لي قال واجتمعت عليه أوجاع الحصر وغير ذلك ولم يزل عقله ثابتا فلما كان يوم الجمعة الاثنتين عشرة خلت من ربيع الأول لساعتين من النهار رمضان أحداث وعبر