بسم الله الرحمن الرحيم إنما يخشى الله من عباده العلماء سيار الأئمة الأربعة أربع سيار حافلة بالجمال والجلال أختصرت بعناية من الكتاب الفذ العظيم سيار أعلى من نبلاء للإمام الذهبي رحمه الله من إعداد الشيخ محمد المهنى حفظه الله الإمام أبو حنيفة رحمه الله فقيه الملة عالم العراق الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة يقال إنه من أبناء الفرس ولد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة ولم يثبت له حرف عن أحد منهم ورأى أنسى بن مالك رضي الله عنه لما قدم عليه ملكوفة روا عن عطاء ابن أبي رباح وهو أكبر شيخ له وأفضلهم على ما قال وعن حماد ابن أبي سليمان وبه تفقه وعن الشعبي ونافع مولى بن عمر وقطادة وعاصم بن بهدلة ومحمد بن المنكدر وهشام بن عروة وخلق سواهم حتى إنه روا عن شيبان النحوي وهو أصغر منه وعن مالك بن أنس وهو كذلك أصغر منه وعني بطلب الآثار وارتحل في ذلك وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى والناس عيال عليه في ذلك حدث عنه خلق كثير ذكر منهم شيخنا أبو الحجاج المزي في تهذيبه هؤلاء إبراهيم بن طهمان عالم خراسان وحمزة الزيات وهو من أقرانه وأبو عاصم النبيل وعبد الرزاق وعلي بن مسهر القاضي وهو شيم ويزيد بن هارون والقاضي أبو يوسف وبنه حماد بن أبي حنيفة قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة ولد جدي أبو حنيفة النعمان بن ثابت في سنة 80 وذهب أبوه ثابت إلى علي رضي الله عنه وهو صغير فدعى له بالبركة فيه وفي ذريته ونحن نرجو من الله أن يكون استجاب ذلك لعلي رضي الله عنه فينا قال النظر بن محمد كان أبو حنيفة جميل الوجه سري الثوب عطر الريح وقال أبو يوسف كان أبو حنيفة ربع من أحسن الناس صورة وأبلغهم نطقا وأعذبهم نغمة وأبينهم عما في نفسه وقال حماد بن أبي حنيفة كان أبي جميلا تعلوه سمرة حسن الهيئة كثيرة تعطر لا يتكلم إلا جوابا ولا يخوض رحمه الله فيما لا يعنيه وقال ابن المبارك ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتا وحلما من أبي حنيفة وقال قيس بن الربيع كان أبو حنيفة ورعا تقيا مفضلا على إخوانه وقال شريك كان أبو حنيفة طويل الصمت كثير العقل وقال يزيد بن هارون ما رأيت أحدا أحلم من أبي حنيفة وقال العجلي كان أبو حنيفة خزازا يبيع الخز والخز هو قماش ناعم يشبه الحرير وقال العجلي قال أبو حنيفة قدمت البصرة فظننت أني لا أسأل عن شيء إلا أجبت فيه فاسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب فجعلت على نفسي ألا أثارق حماد بن أبي سليمان حتى يموت فصحبته ثمانية عشرة سنة وقال أحمد بن الصباح سمعت الشافعي قال قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة قال نعم رأيت رجلا لو كلّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته وقال القاضي أبو يوسف بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلا يقول لآخر هذا أبو حنيفة لا ينام الليل فقال أبو حنيفة والله لا يتحدث عني بما لم أفعل فكان يحيي الليل صلاة وتضرع ودعاء وقال أبو عاصم النبيل كان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته وقال مسعر بن كدام رأيت أبا حنيفة قرأ القرآن في ركعة وقال القاسم بن معن قام أبو حنيفة ليلة يردد قوله تعالى بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ويبكي ويتضرع إلى الفجر قال زيد بن كميت سمعت رجلا يقول لأبي حنيفة اتق الله فانتفض واصفر وأطرق وقال جزاك الله خيرا ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا قال بشر بن الوليد طلب أبو جعفر المنصور أبا حنيفة فأراده على القضاء وحلف عليه ليليا القضاء فأبا وحلف إني لا أفعل فقال له الربيع الحاجب يا أبا حنيفة ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف قال أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني فأمر به إلى السجن فمات فيه ببغداد وقال مغيث بن بديل دع المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع فقال المنصور أترغب عن ما نحن فيه فقال أبو حنيفة إني لا أصلح قال كذبت فقال فقد حكم أمير المؤمنين عليّ أني لا أصلح فإن كنت كاذبا فلا أصلح وإن كنت صادقا فقد أخبرتكم أني لا أصلح وقال الفقيه أبو عبدالله الصيمري لم يقبل أبو حنيفة العهد بالقضاء فضرب وحبس ومات في السجن قال ابن المبارك أبو حنيفة أفقه الناس وقال يحيى بن سعيد القطان لا نكذب الله ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة وقد أخذنا بأكثر أقواله وقال علي بن عاصم لوزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم وقال حفص بن غياث كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشعر لا يعيبه إلا جاهل وقال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة قلت الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام وهذا أمر لا شك فيه وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليلي وسيرته تحتمل أن تفرد في مجلدين رضي الله عنه ورحمه توفي شهيدا مسقيا أي أنه سقيا السم ليموت في سنة خمسين ومائة وله سبعون سنة وابنه الفقيه حماد بن أبي حنيفة كان ذا علم ودين وصلاح وورع تام توفي حماد سنة ست وسبعين ومائة هو شيخ الإسلام حجة الأمة إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس ابن مالك ابن أبي عامر الأصبحي المدني وأمه هي عالية بنت شريك الأزدية مولد مالك على الأصح في سنة ثلاث وتسعين عام موت أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشأ في صون ورفاهية وتجمل وطلب العلم وهو حدث ابن بضع عشرة سنة فأخذ عن نافع وبن المنكدر والزهري وهيشام بن عروة وخلق وتأهل للفتياء وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة وحدث عنه جماعة وهو شاب طري وقصده طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعثر المنصور وما بعد ذلك وازدحموا عليه في خلافة الرشيد وأي لا أن مات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم ليضربنا الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة ويروا عن سفيان بن عيينة أنه قال كنت أقول هو سعيد بن المسيب حتى قلت كان في زمانه سليمان بن يسار وسالم بن عبد الله وغيرهما ثم أصبحت اليوم أقول إنه مالك لم يبق له نظير بالمدينة وذكر أبو المغيرة المخزومي أن معناه مادام المسلمون يطلبون العلم لا يجدون أعلم من عالم بالمدينة فيكون على هذا سعيد بن المسيب ثم بعده من هو من شيوخ مالك ثم مالك ثم من قام بعده بعلمه قلت كان عالم المدينة في زمانه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه زيد بن ثابت وعائشة ثم بن عمر ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم عبيد الله بن عمر ثم مالك قال ابن عيينة مالك عالم أهل الحجاز وهو حجة زمانه وقال الشافعي وصدق وبر إذا ذكر العلماء فمالكني النجم قال الزبير بن بكار في حديث ليضربنا الناس أكباد الإبل كان سفيان بن عيينة إذا حدث بهذا في حياة مالك يقول أراه مالكا فأقام على ذلك زمانا ثم رجع بعد فقال أراه عبدالله بن عبد العزيز العمرية الزاهد قال ابن عبد البري وغير واحد ليس العمري ممن يلحق في العلم والفقه بمالك وإن كان شريفا سيدا عابدا قلت قد كان لهذا العمري علم وفقه جيد وفضل وكان قوالا بالحق أمارا بالعرف منعزلا عن الناس وكان يحض مالكا إذا خلا به على الزهد والانقطاع والعزلة فرحمهم الله وذكر الحافظ ابن عبد البر في التمهيد أن عبدالله العمرية العابدة كتب إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل فكتب إليه مالك إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم وآخر فتح له في الجهاد فنشر العلم من أفضل أعمال البر وقد رضيت بما فتح لي فيه وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر ولم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكا في العلم والفقه والجلالة والحفم فقد كان بها بعد الصحابة مثل سعيد بن المسيب والفقهاء السبعة والقاسم وسالم وعكرمة ونافع وطبقتهم ثم زيد بن أسلم وبن شهاب وأبي الزناد ويحيى بن سعيد وصفوان بن سليم وربيعة بن أبي عبد الرحمن وطبقتهم فلما تفانوا اشتهر ذكر مالك بها وبن أبي ذئب وعبد العزيز بن الماجشون والدرا وردي وأقرانهم فكان مالك هو المقدم فيهم على الإطلاق والذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق رحمه الله تعالى قال الرعيني قدم المهدي المدينة فبعث إلى مالك فآتاه فقال لابنيه هارون وموسى اسمع منه فبعث إليه فلم يجبهما فأعلم المهدي فكلمه فقال يا أمير المؤمنين العلم يؤتى أهله فقال صدق مالك صيرا إليه فلما صارا إليه قال له مؤدبهما اقرأ علينا فقال مالك إن أهل المدينة يقرأون على العالم كما يقرأ الصبيان على المعلم فإذا أخطأوا أفتاهم فرجعوا إلى المهدي فبعث إلى مالك فكلمه فقال سمعت بن شهاب يقول جمعنا هذا العلم في الروضة من رجال وهم يا أمير المؤمنين سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعروة والقاسم وسالم وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار ونافع وعبد الرحمن بن هرمز ومن بعدهم أبو الزناد وربيعة ويحيى بن سعيد وبن شهاب كل هؤلاء يقرأ عليهم ولا يقرأون فقال المهدي في هؤلاء قدوة صيروا إليه فقرأوا عليه ففعلوا قال قتيبة كنا إذا دخلنا على مالك خرج إلينا مزينا مكحلا مطيبا قد لبس من أحسن ثيابه وتصدر الحلقة ودعا بالمراوح فأعطا لكل منا مروحة قال محمد بن عمر كان مالك يأت المسجد فيشهد الصلوات والجمعة والجنائز ويعود المرضى ويجلس في المسجد فيجتمع إليه أصحابه ثم ترك الجلوس فكان يصلي وينصرف وترك شهود الجنائز ثم ترك ذلك كله والجمعة واحتمل الناس ذلك كله وكانوا أرغب ما كانوا فيه وربما كلما في ذلك فيقول ليس كل أحد يقدر أن يتكلم بعذره وكان يقصد أنه أصيب بمرض منعه من شهود الجمعة والجماعة قال وكان مجلسه مجلس وقار وحلم فقد كان رجلا مهيبا نبيلا ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ولا رفع صوت قال إسماعيل بن أبي أويس سألت خالي مالكا عن مسأله فقال لي قر ثم توضأ ثم جلس على السرير ثم قال لا حول ولا قوة إلا بالله وكان لا يفتي حتى يقولها قال أبو مصعب كان مالك لا يحدث إلا وهو على طهارة إجلالا للحديث صفة الإمام مالك قال عيس بن عمر ما رأيت قط بياضا ولا حمرة أحسن من وجه مالك ولا أشد بياض ثوب من مالك ونقل غير واحد أنه كان طوالا جسيما عظيم الهامة أشقر أبيض الرأس واللحية عظيم اللحية وقيل كان أزرق العين وقال أبو عاصم ما رأيت محدثا أحسن وجها من مالك وقال أبو مصعب كان مالك من أحسن الناس وجها وأجلاهم عينا وأنقاهم بياضا وأتمهم طولا في جودة بدا وقد ساق القاضي عياض من وجوه حسن بزة الإمام ووفور تجمله وقد كان مالك إماما في نقد الرجال حافظا مجودا متقنا قال عتيق بن يعقوب سمعت مالكا يقول حدثن ابن شهاب ببضعة وأربعين حديثا ثم قال أعدها علي فأعدت عليه منها أربعين حديثا قال الشافعي قال محمد بن الحسن أقمت عند مالك ثلاث سنين وكسرا وسمعت من لفظه أكثر من سبع مئات حديث فكان محمد إذا حدث عن مالك امتلأ منزله وإذا حدث عن غيره من الكوفيين لم يجئه إلا اليسير وقال ابن أبي عمر العدني سمعت الشافعي يقول مالك معلمي وعنه أخذت العلم قال ابن مهدي أئمة الناس في زمانهم أربعة الثوري ومالك والأوزاعي وحماد بن زيد وقال ما رأيت أحدا أعقل من مالك وعن مالك قال جنة العالم لا أدري فإذا أغفلها أصيبت مقاتله قال الهيثم ابن جميل سمعت مالك سئل عن ثمان وأربعين مسأله فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بلا أدري قال مالك سمعت عبدالله ابن يزيد ابن هرمز يقول ينبغي للعالم أن يورث جلساؤه قول لا أدري حتى يكون ذلك أصلا يفزعون إليه قال ابن عبد البر صح عن أبي الدرداء أن لا أدري نصف العلم المحنة قال محمد بن جرير كان مالك قد ضرب بالسياط واختلف في سبب ذلك فحدثني العباس بن الوليد حدثن ابن ذكوان عن مروان الطاطري أن أبا جعفر المنصور نهى مالكا عن الحديث ليس على مستكره طلاق ثم دس إليه من يسأله فحدثه به على رؤوس الناس فضربه بالسياط وسئل أحمد بن حنبل من ضرب مالك قال بعض الولاة في طلاق المكره كان لا يجيزه فضربه لذلك قال الواقدي لما دعي مالك وشوور وسمع منه وقبل قوله حسد وبغوه بكل شي فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعو به إليه وكثروا عليه عنده وقالوا هو لا يرى أيمن بيعتكم هذه بشي وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز عنده قال فغضب جعفر فدعى بمالك فحتج عليه بما رفع إليه عنه فأمر بتجريده وضربه بالسياط وجبذت يده حتى خلعت من كتفه وارتكب منه أمر عظيم فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو قلت هذا ثمرة المحنة المحمودة أنها ترفع العبد عند المؤمنين فالمؤمن إذا متح صبر واتعظ واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه فالله حكم مقصط ثم يحمد الله على سلامة دينه ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له قال أبو الوليد الباجي روي أن المنصور حج وأقاد مالك من جعفر بن سليمان الذي كان ضربه أي سلمه إليه ليقتص منه فأبى مالك وقال معاذ الله ولمالك رحمه الله رسالة في القدر كتبها إلى ابن وهب وإسنادها صحيح وله مؤلف في النجوم ومنازل القمر رواه سحنون عن ابن نافع الصائغ عنه وله جزء في التفسير ورسالة في الأقضية مجلد وله كتاب السر من رواية ابن القاسم عنه وأما ما نقل عنه كبار أصحابه من المسائل والفتاوى والفوائد فشيء كثير ومن كنوز ذلك المدونة والواضحة وأشياء وبكل حال فأي لا فقه مالك المنتهى فعامة آرائه مسددة ولو لم يكن له إلا حسم مادة الحيل ومراعاة المقاصد لكفاه ومذهبه قد ملأ المغرب والأندلس وكثيرا من بلاد مصر وبعض الشام واليمن والسودان وبالبصرة وبغداد والكوفة وبعض خراسان ولكن هذا الإمام أي الإمام مالك الذي هو النجم الهادي قد أنصف وقال قولا فصلا حيث يقول كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم قال الشافعي العلم يدور على ثلاثة مالك والليث وبن عيينة قلت بل وعلى سبعة معهم وهم الأوزاعي والثوري ومعمر وأبو حنيفة وشعبة والحمادان وروي عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكر مالكا يقول عالم العلماء ومفت الحرمين وقال أبو يوسف ما رأيت أعلم من أبي حنيفة ومالك وبن أبي ليلا وذكر أحمد بن حنبل مالكا فقدمه على الأوزاعي والثوري والليث وحماد والحكم في العلم وقال هو إمام في الحديث وفي الفقه قال مالك ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك قال أبو العباس السراج سمعت البخارية يقول أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر من قول مالك في السنة قال مطرف بن عبد الله سمعت مالكا يقول سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها اتباع لكتاب الله واستكمال بطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا نظر في شيء خالفها من اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءة مصيرا وقال اسحاق بن عيسا قال مالك أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله وقال جعفر بن عبد الله كنا عند مالك فجاءه رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استوى فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسالته فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضى ثم رفع رأسه ورمى بالعود وقال الكيف منه غير معقول والاستواء منه غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج وروا عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن نافع قال قال مالك الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء وقال ابن أبي أويس سمعت مالك يقول القرآن كلام الله وكلام الله منه وليس من الله شيء مخلوق وروا ابن نافع عن مالك من قال القرآن مخلوق يجلد ويحبس قال القاضي وقال غير واحد عن مالك الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وبعضه أفضل من بعض قال ابن عدي في مسند مالك بإسناد صح عن ابن وهب قال مالك نشر نافع عن ابن عمر علما كثيرا أكثر مما نشر عنه بنوه وقال ابن وهب قال مالك كنت آتي نافعا وأنا غلام حديث السن فينزل من درجه فيقف معي ويحدثني وكان يجلس بعد الصبح في المسجد فلا يكاد يأتيه أحد وقال ابن وهب أيضا سمعت مالك يقول حق على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية وقال قال مالك بلغني أنه ما زهد أحد في الدنيا واتقى إلا نطق بالحكمة وقال قال مالك إن الرجل إذا ذهب يمدح نفسه ذهب بهاؤه قال ابن وهب قيل لأخت مالك ما كان شغل مالك في بيته قالت المصحف والتلاوة قال خالد بن زارن الأيلي بعث المنصور إلى مالك حين قدم المدينة فقال إن الناس قد اختلفوا بالعراق فضع كتابا نجمعهم عليه فوضع الموطة قال الشافعي ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من موطأ مالك قلت هذا قاله قبل أن يؤلف الصحيحان قال ابو مصعب كانوا يزدحمون على باب مالك حتى يقتتلوا من الزحام وكنا إذا كنا عنده لا يلتفت ذا إلى ذا قائلون برؤوسهم هكذا وكانت السلاطين تهابه وكان يقول لا ونعم ولا يقال له من أين قلت ذا قال مصعب بن عبد الله في مالك يدع الجواب فلا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقان عز الوقار ونور سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطاني قال ابن مهدي ما رأيت أحدا أهيب ولا أتم عقلا من مالك ولا أشد تقوى وقال ابن وهب ما نقلنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه قال القعنبي سمعتهم يقولون عمر مالك تسع وثمانون سنة مات سنة تسع وسبعين ومئة وقال اسماعيل ابن أبي أويس مرض مالك فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت فقالوا تشهد ثم قال لله الأمر من قبل ومن بعد توفي صبيحة أربع عشرة من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئة فصلى عليه الأمير عبدالله ابن محمد ابن إبراهيم ابن محمد ابن علي ابن عبدالله ابن عباس الهاشمي وغسله ابن أبي زنبر وابن كنانة وابنه يحيا وكاتبه حبيب يصبان عليهم الماء قلت ودفن بالبقيع هو محمد ابن إدريس ابن العباس ابن عثمان ابن شافع ابن السائب ابن عبيد ابن عبد يزيد ابن هشام ابن المطالب ابن عبد منافب ابن قصيب ابن كلاب ابن مرة ابن كعب ابن لؤي ابن غالب الإمام عالم العصر ناصر الحديث فقيه الملة أبو عبدالله القرشي ثم المطالبي الشافعي المككي الغزي المولد نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه أي أن بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم نسبا فالجد الثالث من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم وهو عبد مناف هو الجد التاسع من أجداد الشافعي رحمه الله فالمطالب هو أخو هاشم والد عبد المطالب ولد الإمام الشافعي بغزة ومات أبوه إدريس شابا فنشأ محمد يتيما في حجر أمه فخافت عليه الضيعة فتحولت به إلى محتده أي إلى أصله وهو ابن عامين فنشأ بمكة وأقبل على الرمي حتى فاق فيه الأقران وصار يصيب من عشرة أسهم تسعة ثم أقبل على العربية والشرع فبرع في ذلك وتقدم ثم حبب إليه الفقه فساد أهل زمانه وأخذ العلم ببلده عن مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة وأخذ عن عمه محمد بن علي بن شافع وهو ابن عم العباس جد الشافعي وسفيان بن عيينة وفضيل بن عياض وعدة وارتحل إلى المدينة وهو ابن نيف وعشرين سنة وقد أفتى وتأهل للإمامة فحمل عن مالك بن أنسن الموضط عرضه من حفظه وأخذ باليمن عن مطرف بن ماز وهشام بن يوسف القاضي وطائفة وبغداد عن محمد بن الحسن فقيه العراق ولازمه وحمل عنه وقرب عير وصنف التصانيف ودون العلم ورد على الأئمة متبعا الأثر وصنف في أصول الفقه وفروعه وبعد صيته وتكاثر عليه الطلبة حدث عنه الحميدي وأبو عبيدن القاسم بن سلام وأحمد بن حنبل والبويقي وأبو ثور وعبد العزيز المكي صاحب الحيدة وأسحاق بن راهوي والربيع بن سليمان المرادي والربيع بن سليمان الجيزي ومحمد بن عبدالله بن عبد الحكم وخلق سواهم وقد أفرد الدار قطني كتابا من له رواية عن الشافعي في جزئين وصنف الكبار في مناقب هذا الإمام قديما وحديثا ونال بعض الناس منه غضا فما زاده ذلك إلا رفعة وجلالة ولا حل المنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى وقل من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا وعودي نعوذ بالله من الهوى وهذه الأوراق تضيق عن مناقب هذا السيد فأما جدهم السائب المطلبي فكان من كبراء من حضر بدرا مع الجاهلية فأسر يومئذ وكان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقال إنه بعد أنفدا نفسه أسلم وابنه شافع بن السائب له رؤية وهو معدود في صغار الصحابة وولده عثمان تابعي لا أعلم له كبير رواية قال المزني ما رأيت أحسن وجها من الشافعي رحمه الله وكان ربما قبض على لحيته فلا يفضل عن قبضته قال إبراهيم بن برانة كان الشافعي جسيما طوالا نبيلا قال الربيع المؤذن سمعت الشافعي يقول كنت ألزم الرمي حتى كان الطبيب يقول لي أخاف أن يصيبك السل من كثرة وقوفك في الحر قال وكنت أصيب من العشرة تسعة وقال عمر بن سواد قال لي الشافعي كانت نهمتي في الرمي وطلب العلم فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة وسكت عن العلم فقلت أنت والله في العلم أكبر منك في الرمي قال الحميدي سمعت الشافعي يقول كنت يتيما في حجر أمي ولم يكن لها ما تعطيني للمعلم وكان المعلم قد رضي مني أن أقوم على الصبيان إذا غاب أو خفف عنه وعن الشافعي قال كنت أكتب في الأكتاف والعظام وكنت أذهب إلى الديوان فأستوهب الظهور فأكتب فيها قال الحميدي قال الشافعي كان منزلنا بمكة في شعب الخيف فكنت أنظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث أو المسألة وكانت لنا جرة قديمة فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرة قال المزني سمعت الشافعي يقول حفظت القرآن وأنا بن سبع سنين وحفظت الموطأ وأنا بن عشر قال الربيع بن سليمان ولد الشافعي يوم مات أبو حنيفة رحمهم الله تعالى قال ابن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول قرأت القرآن على إسماعيل بن قسطنطين قال الحميدي قال مسلم بن خالد الزنجي للشافعي أفتي يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي وكان الشافعي بن خمس عشرة سنة قال الربيع قال الشافعي لأن يلقى الله العبد بكل ذنب إلا الشرك خير من أن يلقاه بشئ من الأهواء قال ابن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد يقصد علم الكلام قال أبو عبيد ما رأيت أعقل من الشافعي وقال يونس الصدفي ما رأيت أعقل من الشافعي ناظرته يوما في مسأله ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسأله قلت هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه فما زال النظراء يختلفون قال معمر بن شبيب سمعت المأمون يقول قد امتحنت محمد بن إدريس في كل شي فوجدته كاملا قال أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي سمعت أبي وعمي يقولان كان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا التفت إلى الشافعي فيقول سلو هذا وقال سويد بن سعيد كنت عند سفيان بن عيينة فجاء الشافعي فسلم وجلس فروى بن عيينة حديثا رقيقا فغشي على الشافعي فقيل لسفيان يا أبا محمد مات محمد بن إدريس فقال سفيان إن كان مات فقد مات أفضل أهل زمانه قال الربيع سمعت الشافعي وسؤيل عن القرآن فقال أف إن أف القرآن كلام الله من قال مخلوق فقد كفر وهذا إسناد صحيح قال الربيع سمعت الشافعي يقول قراءة الحديث خير من صلاة التطوع وقال طلب العلم أفضل من صلاة النافلة قال المزني سمعت الشافعي يقول من تعلم القرآن عظمت قيمته ومن تكلم في الفقه نما قدره ومن كتب الحديث قوية حجته ومن نظر في اللغة رق طبعه ومن نظر في الحساب جزل رأيه ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه قال الربيع سمعت الشافعي يقول المراء في الدين يقس القلب ويورث الضغائن وقال الربيع أيضا سمعت الشافعي يقول وددت أن الناس تعلموا هذا العلم يعني كتبه على ألا ينسب إلي منه شيء وقال حرم له سمعت الشافعي يقول وددت أن كل علم أعلمه تعلمه الناس وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت محمد بن داوود يقول لم يحفظ في دهر الشافعي كله أنه تكلم في شيء من الأهوى ولا نسب إليه ولا عرف به مع بغضه لأهل الكلام والبدع قال الشافعي حكم في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر ينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام وقال أبو عبد الرحمن الأشعري صاحب الشافعي قال الشافعي مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط وتشريدهم في البلاد قلت لعل هذا متواتر عن الإمام قال المزني كان الشافعي ينهى عن الخوض في الكلام قال محمد بن إسحاق بن خزيمة سمعت الربيع يقول لما كلم الشافعي حفصني الفرد فقال حفص القرآن مخلوق فقال له الشافعي كفرت بالله العظيم قال البويطي سألت الشافعي أصلي خلف الرافضي قال لا تصلي خلف الرافضي ولا القدري ولا المرجع فقلت صفهم لنا قال من قال الإيمان قول فهو مرجع ومن قال إن أبا بكر وعمر ليس بإمامين فهو رافضي ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري قال الربيع قال لي الشافعي لو أردت أن أضع على كل مخالف كتابا لفعلت ولكن ليس الكلام من شأني ولا أحب أن ينسب إلي منه شيء قلت هذا النفس الزكي متواتر عن الشافعي قال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول قال الشافعي أنتم أعلموا بالأخبار الصحاح منا فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه وقال حرمله قال الشافعي كل ما قلته فكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما صح فهو أولى ولا تقلدوني وقال له رجل تأخذوا بهذا الحديث يا أبا عبد الله فقال متى رويت عن رسول الله حديثا صحيحا ولم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب وقال الحميدي روى الشافعي يوما حديثا فقلت أتأخذ به فقال هل رأيتني خرجت من كنيسة أو علي زنار حتى إذا سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لا أقول به ويروا أنه قال إذا صح الحديث فهو مذهبي وأذا صح الحديث فاضربوا بقول الحائط قال الربيع بن سليمان كان الشافعي قد جزأ الليل فثلثه الأول يكتب والثاني يصلي والثالث ينام قلت أفعاله الثلاثة عبادة بالنيه قال الكرابيسي بدت مع الشافعي ليلة فكان يصلي نحو ثلث الليل فما رأيته يزيد على خمسين آية فإذا أكثر فمائة آية وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله ولا بآية عذاب إلا تعوذ وكأنما جمع له الرجاء والرهبة جميعا قال الربيع بن سليمان من طريقين عنه بل أكثر كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمه قال عمر بن سواد كان الشافعي أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام وقال أبو ثور قال ما كان يمسك الشافعي الشيء من سماحته وقال الربيع أخذ رجل بركاب الشافعي فقال لي أعطيه أربعة دنانير وقال المزني كنت مع الشافعي يوما فخرجنا فإذا برجل يرمي بقوس عربية فوقف عليه الشافعي ينظر وكان حسناً رمي فأصاب بأسهم فقال الشافعي أحسنت وبرك عليه ثم قال أعطيه ثلاثة دنانير وقال الربيع كان الشافعي ماراً بالحذائين فسقط سوطه فوثب غلام ومسحه بكمه وناوله فأعطاه سبعة دنانير قال الربيع تزوجت فأسألني الشافعي كم أصدقتها قلت ثلاثين دينارا عجلت منها ستة فأعطاني أربعة وعشرين دينارا قال الربيع مشيت خلف الشافعي فناوله إنسان رقعة يقول فيها إنني بقال رأس مالي درهم وقد تزوجت فأعني فقال يا ربيع أعطيه ثلاثين دينارا فقلت إن هذا يكفيه عشرة درهم فقال ويحك وما يصنع بثلاثين دينارا أفي كذا أم في كذا وأخذ يعد ما يصنع في جهازه ثم قال أعطيه وروز زبير بن سليمان القرشي عن الشافعي قال خرج هرثمه فأقرأني سلام أمير المؤمنين هارون وقال قد أمر لك بخمسة آلاف دينار قال القرشي فحمل إليه المال فأخذ رقاعا فصر صررا وفرقها في القرشيين حتى ما رجع إلى بيته إلا بأقل من مائة دينار قال ابن عبد الحكم كان الشافعي أسخى الناس بما يجد وكان يمر بنا فإن وجدني وإلا قال قولوا لمحمد إذا جاء يأتي المنزل فإني لا أتغدى حتى يجي وعن الشافعي أنه قال بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد قال يونس الصدفي قال لي الشافعي ليس إلى السلامة من الناس سبيل فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه وعن الشافعي قال إذا خفت على عملك العجب فاذكر رضا من تطلب وفي أي نعيم ترهب ومن أي عقاب ترهب فمن فكر في ذلك صغر عنده عمله وقد كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن ويجمع قبول الأخبار وحجة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ فوضع له كتابا رسالة قال عبد الرحمن بن مهدي ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها وقال الحارث بن سريج سمعت يحيى القطان يقول أنا أدعو الله للشافعي أخصه به وقال أحمد بن حنبل ستة أدعو لهم سحرا أحدهم الشافعي وقال إني لأدعو للشافعي منذ أربعين سنة في صلاتي وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل قلت لأبي أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له قال يا بني كان كالشمس للدنيا وكالعافية للناس فهل لهاذين من خلف أو منهما عوض قال أبو داوود ما رأيت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يميل إلى أحد ميله إلى الشافعي قال قتيبة بن سعيد مات الثوري ومات الورع ومات الشافعي وماتت السنن ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع قال أحمد بن حنبل إن الله يقيد للناس في رأس كل مئة من يعلمهم السنن وينفع الرسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب ثم قال أحمد فنظرنا فإذا في رأس المئة عمر بن عبد العزيز وفي رأس المئتين الشافعي قال الشافعي إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جزاهم الله خيرا هم حفظوا لنا الأصل فلهم علينا الفضل قال أبو زرع ما عند الشافعي حديث فيه غالط قال أبو داوود السجستاني ما أعلم للشافعي حديثا خطى قلت هذا من أدل شيء على أنه ثقة حجة حافظ وناهيك بقول بقول مثل هذه وقد صنف الحافظ أبو بكر الخطيب كتابا في ثبوت الاحتجاج بالإمام الشافعي وما تكلم فيه إلا حاسد أو جاهل بحاله فكان ذلك الكلام الباطل منهم موجبا لارتفاع شأنه وعلو قدره وتلك سنة الله في عباده يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبروا الله مما قالو وكان عند الله وجيها قال أحمد بن حنبن كان الشافعي من أفصح الناس وقال يونس بن عبد الأعلى ما كان الشافعي إلا ساحرا كأن ألفاظه سكر وكان قد أوتي عذوبة منطق وحسن بلاغه وسيلان ذهن وكمال فصاحة وحضور حجة قال أحمد بن صالح كان الشافعي إذا تكلم كأن صوته صوت صنج وجرس من حسن صوته قال أبو نعيم بن عدي الحافظ سمعت الربيع مرارا يقول لو رأيت الشافعي وحسن بيانه وفصاحته لعجبت ولو أنه قام هذه الكتب على عربيته التي كان يتكلم بها معنا في المناظرة لم نقدر على قراءة كتبه لفصاحته وغرائب ألفاظه غير أنه كان في تأليفه يوضح للعوام وقال الربيع بن سليمان كان لسان الشافعي أكبر من كتبه لو رأيتموه لقلتم إن هذه ليست كتبه عبد الملك بن هشامن اللغوي طالت مجالستنا للشافعي فما سمعت منه لحنة قط قلت أنى يكون ذلك وبمثله في الفصاحة يضرب المثل كان أفصح قريش في زمانه وكان مما يؤخذ عنه اللغة قال أحمد بن أبي سريجن الرازي ما رأيت أحدا أفوه ولا أنطق وقال الأصمعي أخذت شعره ذيل عن الشافعي وقال الزبير بن بكار أخذت شعره ذيل ووقائعها عن عمي مصعب بن عبد الله وقال أخذتها من الشافعي حفظا قال ابن عبد الحكم ما رأيت الشافعي يناظر أحدا إلا رحمته ولو رأيت الشافعي يناظرك لظننت وهو سبع يأكلك وهو الذي علم الناس الحجج وعن هارون بن سعيد الأيلي قال لو أن الشافعي ناظر على أن هذا العمود الحجر خشب لغلب لاقتداره على المناظرة قال ابن وارة قدمت من مصر فأتيت أحمد بن حنبل فقال لي كتبت كتب الشافعي قلت لا قال فرت ما عرفنا العموم من الخصوص وناسخ الحديث من منسوخه حتى جالسنا الشافعي قال فحملني ذلك على الرجوع إلى مصر فكتبتها قال محمد بن يعقوب الفرجي سمعت علي بن المديني يقول عليكم بكتب الشافعي قلت ومن بعض فنون هذا الإمام الطب فقد كان يدريه قال الربيع سمعت الشافعي يقول لا أعلم علما بعد الحلال والحرام أم بل من الطب إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه وقال مصعب بن عبد الله ما رأيت أحدا أعلم بأيام الناس من الشافعي وقال يونس الصدفي كان الشافعي إذا أخذ في أيام الناس قلت هذه صناعته ونقل الإمام بن سريج عن بعض النسابين قال كان الشافعي من أعلم الناس بالأنساب لقد اجتمعوا معه ليلة فذاكرهم بأنساب النساء إلى الصباح وقال أنساب الرجال يعرفها كل أحد وعن الشافعي قال ما أردت بها يعني بالعربية أخبار إلا الاستعانة على الفقه قال يونس بن عبد الأعلى ما رأيت أحدا لقيا من السقم مالقيا الشافعي فدخلت عليه فقال اقرأ ما بعد العشرين والمائة من آل عمران فقرأت فلما قمت قال لا تغفل عني فإني مكروب قال يونس عنا بقراءتي مالقيا قال المزني دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت يا أبا عبد الله كيف أصبحت فرفع رأسه وقال أصبحت من الدنيا راحلا ولإخواني مفارقا ولسوء عملي ملاقيا وعلى الله واردا ما أدري روحي تصير لنا جنة فأهنيها أو إلى نار فأعزيها ثم بكى وأنشأ يقول ولما قسى قلبي وضاقة مذاهبي جعلت رجائي دون عفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منة وتكرغما قال أبو العباس الأصم حدثنا الربيع بن سليمان دخلت على الشافعي وهو مريض فقال لي بودي أن جميع الخلق تعلموا هذه الكتب يعني كتبة على ألا ينسب إلي منه شيء قال هذا يوم الأحد ومات يوم الخميس وانصرفنا من جنازته ليلة الجمعة فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومئتين وله نيف وخمسون سنة قال شيخ الإسلام علي بن أحمد بن يوسف الهكاري في كتاب عقيدة الشافعي له قال يونس بن عبد الأعلى سمعت أبا عبد الله الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله تعالى لله أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته لا يسع أحدا قامت عليه الحجة ردها لأن القرآن نزل بها وصحع الرسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر فأما قبل ثبوت فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والفكر ولا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه كما نفاه عن نفسه فقال ليس كمثله شيء وهو السميع البصير قال المبرد كان الشافعي من أشعر الناس وآدب الناس وأعرفهم بالقراءات وقال يونس بن عبد الأعلى كان الشافعي إذا أخذ في التفسير كأنه شهد التنزيل قال الزعفراني قدم علينا الشافعي بغداد في سنة 95 فأقام عندنا شهرا ثم خرج وكان يخضب بالحناء وكان العارضين قال ابن ماجه جاء يحيى ابن معين إلى أحمد بن حنبل فبينما هو عنده إذ مر الشافعي على بغلته فوثب أحمد يسلم عليه وتبعه فأبطى ويحيا جالس فلما جاء قال يحيا يا أبا عبد الله ما هذا فقال دع عنك هذا إن أرد فلزم بغلة هذا الرجل قال أحمد بن العباس النسائي سمعت أحمد بن حنبل ما لا أحصيه وهو يقول قال أبو عبد الله الشافعي ثم قال ما رأيت أحدا أتبع للأثر من الشافعي قال يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول يا يونس الانقباض عن الناس سبة للعداوة والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء فكن بين المنقبض والمنبسط وقال الشافعي العلم ما نفع ليس العلم ما حفظ وقال اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل وقال لو أعلم أن الماء البارد ينقص مروأتي ما شربته رهيم ابن محمد الشافعي ما رأيت أحد أحسن صلاة من الشافعي وذاك أنه أخذ من مسلم ابن خالد وأخذ مسلم من ابن جريج وأخذ ابن جريج من عطاء وأخذ عطاء من ابن الزبير وأخذ ابن الزبير من أبي بكر الصديق وأخذ أبو بكر من النبي صلى الله عليه وسلم وقد عدد قال البغدادي علوم الإمام الشافعي ومناقبه وتعظيم الأئمة له وقال أبى الله إلا رفعه وعلوه وليس لما يعليه ذو العرش واضعو قلت لا نلامو الله على حب هذا الإمام لأنه من رجال الكمال في زمانه رحمه الله سير الأئمة الأربعة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله هو الإمام حقا وشيخ الإسلام صدقا أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل المروزي ثم البغدادي أحد الأئمة الأعلام كان محمد والد أبي عبدالله من أجناد مرو مات شابا له نحو من ثلاثين سنة وربي أحمد يتيما وقيل إن أمه تحولت من مرو وهي حامل به فقال صالح بن أحمد قال لي أبي ولدت في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة قال صالح جي أبي حمل من مرو فمات أبوه شابا فوليته أمه طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة في العام الذي مات فيه مالك وحماد بن زيد فسمع منه شيم بن بشير فأكثر وجود ومن سفيان بن عيينة الهلالي والقاضي أبي يوسف وجرير بن عبد الحميد وأبي بكر بن عياش وأبي معاوية الضرير وغندر وبن علية ويزيد بن هارون وسمع من وكيع فأكثر ويحيى القطان فبالغ وعبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن إدريس الشافعي إلى أن ينزل في الرواية عن قتيبة بن سعيد وعلي بن المديني وأبي بكر بن أبي شيبة وجماعة من أقرانه وعدد شيوخه الذين روا عنهم في المسند مئتان وثمانون ونيف وحدث عنه البخاري حديثا وعن أحمد بن الحسن عنه حديثا آخر في المغازي وحدث عنه مسلم وأبو داوود بجملة وافرة وحدث عنه أيضا ولدا صالح وعبد الله وبن عمه حنبل بن إسحاق وشيوخه عبد الرزاق والشافعي لكن الشافعي لم يسمه بل قال حدثني وحدث عنه علي بن المديني ويحي بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأمم سواهم صفته قال محمد بن عباس النحوي رأيت أحمد بن حنبل حسن الوجه ربعة يخضب بالحناء خضابا ليس بالقاني في لحيته شعارات سود ورأيت ثيابه غلاضا بيضا رأيته معتما وعليه إزار وقال المروذي رأيت أبا عبد الله إذا كان في البيت عامة جلوسه متربعا خاشعا فإذا كان برا لم يتبين منه شدة خشوع وكنت أدخل والجزء في يده يقرأ وقال الميموني ما أعلم أني رأيت أحد أنظف بدنا في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ولا أنقى ثوبا بشدة بيض من أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال عبد الله بن أحمد قال لي أبي خذ أي كتاب إن شئت من كتب وكيع من المصنف فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك أنا بالكلام قال عبد الله بن أحمد قال لي أبو زرعة أبوك يحفظ ألف ألف حديث فقيل له وما يدريك قال ذاكرته فأخذت عليه الأبواب فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله وكانوا يعدون ذلك في المكرر والأثر وفتوى التابعي وما فسر ونحو ذلك رفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك قال إبراهيم الحربي رأيت أبا عبد الله كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين وقال ابن راهوي كنت أجالس أحمد وبن معين ونتذاكر فأقول ما فقه ما تفسيره فيسكتون إلا أحمد قال أبو بكر الخلال كان أحمد قد كتب كتب الرأي وحفظها ثم لم يلتفت إليها قال إبراهيم بن شماس سمعت وكيعا وحفص ابن غياث يقولان ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتا يعنيان أحمد ابن حنبل قال يحيى القطان ما قدم علينا مثل هذين أحمد ويحيى ابن معين وما قدم علي من بغداد وحب إلي من أحمد بن حنبل وقال مهن بن يحيا قد رأيت ابن عيينة ووكيع وعبد الرزاق والناس ما رأيت رجلا أجمع من أحمد في علمه وزهده وورعه وذكر أشياء قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول قدمت صنعا أنا ويحيى بن معين فمضيت إلى عبد الرزاق وتخلف يحيا فلما ذهبت أدق الباب قال لي بقال تجاه داره مه لا تدق فإن الشيخ يهاب فجلست حتى إذا كان قبل المغرب خرج فوثبت إليه وفي يدي أحاديث انتقيتها فسلمت وقلت حدثني بهذه رحمك الله فإني رجل غريب قال ومن أنت قلت أنا أحمد بن حنبل قال فضمني إليه وقال بالله أنت أبو عبد الله ثم أخذ الأحاديث وجعل يقرأوها حتى أظلم الليل قال الرمادي سمعت عبد الرزاق ذكر أحمد بن حنبل فدمعت عيناه فقال بلغني أن نفقته نفدت فأخذت بيده فآقمته خلف الباب وما معنا أحد فأعطيته عشرة دنانير فقال لي يا أبا بكر لو قبلت من أحد شيئا قبلت منك وقال عبد الله قلت لأبي بلغني أن عبد الرزاق عرض عليك دنانير قال نعم وعطاني يزيد بن هارون خمسمائة درهم على ما أظن فلم أقبل قال الجوزجاني كان أحمد بن حنبل يصلي بعبد الرزاق فسهى فسأل عنه عبد الرزاق فأخبر أنه لم يأكل شيئا منذ ثلاثة أيام وقال أحمد بن سنان للقطان ما رأيت يزيد لأحد أشد تعظيما منه لأحمد بن حنبل ولا أكرم أحدا مثله كان يقعده إلى جنبه ويوقره ولا يمازحه وقال عبد الرزاق ما رأيت أحدا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل قلت قال هذا وقد رأى مثل الثوري ومالك وابن جريج وعن اسماعيل بن علية أنه أقيمة الصلاة فقال ها هنا أحمد بن حنبل قولوا له يتقدم يصلي بنا وقال الهيثم بن جميل الحافظ إن عاش أحمد سيكون حجة على أهل زمانه وقال قتيبة خير أهل زمان نبن المبارك ثم هذا الشاب يعني أحمد بن حنبل وإذا رأيت رجلا يحب أحمد فعلم أنه صاحب سنة ولو أدرك عصر الثوري والأوزاعي والليث لكان هو المقدم عليهم فقيل لقطيبة قلت أم أحمد إلى التابعين فقال إلى كبار التابعين قلت قد روى أحمد في مسنده عن قتيبة كثيرا قال المزني قال لي الشافعي رأيت ببغداد شاب إذا قال حدثنا قال الناس كلهم صدق قلت ومن هو قال أحمد بن حنبل وقال حرم له سمعت الشافعي يقول خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل وعن علي بن المديني قال أعز الله الدين بالصديق يوم الرده وبأحمد يوم المحنة وقال أبو عبيد إني لأتدين بذكر أحمد ما رأيت رجلا أعلم وقال ابن معين أرادوا أن أكون مثل أحمد والله لا أكون مثله أبدا قال ابن أبي حاتم سألت أبي عن علي بن المديني وأحمد بن حنبل أيهما أحفظ فقال كان في الحفظ متقاربين وكان أحمد أفقه إذا رأيت من يحب أحمد فعلم أنه صاحب سنة وقال أبو زرع أحمد بن حنبل أكبر من إسحاق وأفقه ما رأيت أحد أكمل من أحمد وقال النسائي جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث والفق والورع والزهد والصبر وقال أبو داوود كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا رأيته ذكر الدنيا قط قال ابن سلم سمعت محمد بن نصر المروزي يقول صرت إلى دار أحمد بن حنبل مرارا وسألته عن مسائل فقيل له أكان أكثر حديثا أم إسحاق قال بل أحمد أكثر حديثا وأورع أحمد فاق أهل زمانه قلت كان أحمد عظيم رأسا في الحديث وفي الفقه وفي التأله أثنى عليه خلق من خصومه فما الظن بإخوانه وأقرانه وكان مهيبا في ذات الله حتى قال أبو عبيد ماهبت أحدا في مسألة ماهبت أحمد بن حنبل فصل في فضله وتأله وشمائله قال صالح بن أحمد دخلت على أبي يوما أيام الواثق والله يعلم على أي حال نحن وقد خرج لصلاة العصر وكان له لبد يجلس عليه قد أتى عليه سنون كثيرة حتى بلي وإذا تحته كتاب كاغد أي قرطاس فيه بلغني يا أبا عبدالله ما أنت فيه من الضيق وما عليك من الدين وقد وجهت إليك أربعة آلاف درهم وما هي من صدقة ولا زكاه وإنما هو شيء ورثته من أبي فقرأت الكتاب ووضعته فلما دخل قلت يا أبي ما هذا الكتاب فحمر وجهه وقال قد رفعته منك ثم كتب إلى الرجل وصل كتابك إلي ونحن في عافية فأما الدين لا يرهقنا وأما عيالنا ففي نعمة الله فلما مضت سنة أو نحوها ذكرناها فقال لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت قال عبيدني القاري دخل على أحمد عمه فقال يا ابن أخي أيش هذا الغم وايش هذا الحزن فرفع رأسه وقال طوبا لمن أخمل الله ذكره قال صالح ربما رأيت أبي يأخذ الكسر ينفض الغبار عنها ويصيرها في قصعة ويصب عليها ماء ثم يأكلها بالملح وكان يأتدم بالخل كثيرا وربما اعتللت فيأخذ قدحا فيه ماء فيقرأ فيه ثم يقول اشرب منه واغسل بوجهك ويديك وكان ربما خرج إلى البقال فيشتري الحطب والشيء فيحمله بيده وكنت اسمعه كثيرا يقول اللهم سلم سلم وقال المروذي قلت لأبي عبدالله ما أكثر الداعي لك فقال أخاف أن يكون هذا استدراجا بأي شيء هذا قال المروذي رأيت طبيبا نصرانيا خرج من عند أحمد ومعه راهب فقال إنه سألني أن يجيأ معي ليرى أبا عبدالله وأدخلت نصرانيا على أبي عبدالله فقال له إني لأشتهي أن أراك منذ سنين ما بقاؤك صلاح للإسلام وحدهم بل للخلق جميعا وليس من أصحابنا أحد قلت لأبي عبدالله وقد رضي بك فقلت لأبي عبدالله إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار فقال يا أبا بكر إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس ومن آدابه قال عبدالله بن أحمد رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه ويقبلها وأحسب أني رأيته يضعها على عينه ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به ورأيته أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها ثم شرب فيها ورأيته يشرب من ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه قال أحمد بن سعيد الدانمي كتب إلي أحمد بن حنبل إلى أبي جعفر أكرمه الله من أحمد بن حنبل وقال عبد الرحمن الزهري مضى عمي إلى أحمد بن حنبل فسلم عليه فلما رآه وثب قائما وأكرمه وقال المروذي قال لي أحمد ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مر بي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دي نارا فأعطيت الحجام دي نارا حين احتجمت وقال حنبل رأيت أبا عبد الله إذا أراد القيام قال لجلسائه إذا شئتم وقال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول قال لي الشافعي يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا حتى نرجع إليه أنتم أعلموا بالأخبار الصحاح منا فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه قال يحيى بن معين ما رأيت مثل أحمد صحبناه خمسين سنة مفتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير قال عبد الله بن أحمد كان أبي يقرأ كل يوم سبعا يقوم بصفة خفيفة بعد العشاء ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو قال أحمد الدورقي لما قدم أحمد بن حنبل من اليمن من عند عبد الرزاق رأيت به شحوبا بمكة وقد تبين عليه النصب والتعب فكلمته فقال هذا هين فيما استفدنا من عبد الرزاق قال المروذي كان أبو عبد الله إذا ذكر الموت خنقته العبرة وكان يقول إذا ذكرت الموت هان علي كل أمر الدنيا إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وإنها أيام قلائل ما أعدل بالفقر شيئا ولو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر وقال أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أعرف قد بليت بالشهرة ومن سيرته قال الخلال قلت لزهير بن صالح حفيد الإمام أحمد هرأيت جدك قال نعم مات وأنا في عشر سنين كنا ندخل إليه في كل يوم جمعة أنا وأخواتي وكان بيننا وبينه باب وكان يكتب لكل واحد منا حبتين حبتين من فضة في رقعة إلى فامي يعامله وربما مررت به وهو قاعد في الشمس وظهره مكشوف فيه أثر الضرب بي وكان لي أخ أصغر مني اسمه علي فأراد أبي أن يختنه فاتخذ له طعام كثيرا ودعا قوما فوجه إليه جدي بلغني ما أحدثته لهذا وإنك أسرفت فبدأ بالفقراء والضعفاء فلما أن كان من الغد حضر الحجام وحضر أهلنا جاء جدي حتى جلس عند الصبي وأخرج صريرة فدفعها إلى الحجام وقام فنظر الحجام في الصريرة فإذا درهم واحد وكنا قد رفعنا كثيرا من الفرش وكان الصبي على مصطبة مرتفعة من الثياب الملونة فلم ينكر ذلك وقدم علينا من خراسان ابن خالة جدي فنزل على أبي فدخلت معه إلى جدي فجاءت الجارية بطبق عليه خبز وبقل وملح وبغضارة فيها لحم وصلق جواء كثير فأكل معنا واسأل ابن خالته عمن بقي من أهله بخراسان في خلال الأكل فربما استعجم عليه فيكلمه جدي بالفارسية ويضع اللحم بين يديه وبين يدي ثم أخذ طبقا إلى جنبه فوضع فيه تمرا وجوزا وجعل يأكل ويناول الرجل قال الميموني كثيرا ما كنت أسأل أبا عبد الله عن الشيء فيقول لبيك لبيك وعن المروذي قال لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد كان مائلا إليهم مقصرا عن أهل الدنيا وكان فيه حلم ولم يكن بالعجول وكان كثير التواضع تعالوه السكينة والوقار في مجلسه بعد العصر للفتياء لا يتكلم حتى يسأل وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر وكان أبو عبد الله شديد الحياة كريم الأخلاق يعجبه السخاء قال هارون المستملي لقيت أحمد بن حنبل فقلت ما عندنا شيء فأعطاني خمسة دراهم وقال ما عندنا قال حمدان بن علي لم يكن لباس أحمد بذاك إلا أنه قطن نظيف وقال الفضل بن زياد رأيت على أبي عبد الله في الشتاء قميصين وجبة ملونة بينهما وربما قميصا وفروا ثقيلا ورأيته عليه عمامة فوق القلنسوة وكساء ثقيلا فسمعت أبا عمران الوركاني يقول له يوما يا أبا عبد الله هذا اللباس كله فضحك ثم قال أنا رقيق في البرد وذكر محمد بن الحسين أن أبا بكرن المروذي حدثهم في آداب أبي عبد الله قال كان أبو عبد الله لا يجهل وأن جهل عليه حلم واحتمل يكفي الله ولم يكن بالحقود ولا العجول كثير التواضع حسن الخلق دائما البشر لين الجانب ليس بفض وكان يحب في الله ويبغض في الله وإذا كان في أمر من الدين اشتد له غضبه وكان يحتمل الأذى من الجيران وقال إبراهيم بن شماس كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام وهو يحيي الليل وقال المروذي رأيت أبا عبد الله يقوم لورده قريبا من نصف الليل حتى يقارب السحر وقال عبد الله ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم وكان يكثر الدعاء ويخفيه ويصلي بين العشاءين فإذا صلى عشاء الآخرة ركع ركعات صالحة ثم يوتر وينام نومة خفيفة ثم يقوم فيصلي قال الميموني قال لي القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي قال لي أحمد أبوك يعني الإمام الشافعي أحد الستة الذين أدعو لهم سحرا وكانت قراءته لينة وربما لم أفهم بعضها وكان يصوم ويدمن ثم يفتر ما شاء الله ولا يترك صوم الاثنين والخميس وأيام البيض فلما رجع من العسكر أدمن الصوم إلى أن مات قال الأثرم أخبرت أن الشافعي قال لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل إن أمير المؤمنين سألني أن ألتمس له قاضيا لليمن أنت تحب الخروج إلى عبد الرزاق فقد نلت حاجتك وتقضي بالحق فقال أحمد للشافعي يا أبا عبد الله إن سمعت هذا منك ثانية لم ترني عندك قال محمد بن موسى رأيت أبا عبد الله وقد قال له خراساني الحمد لله الذي رأيتك قال أقعد أي شيء ذا من أنا وعن رجل قال رأيت أثر الغم في وجه أبي عبد الله وقد أثنا عليه شخص وقيل له جزاك الله عن الإسلام خيرا فقال بل جزى الله الإسلام عني خيرا من أنا وما أنا وقال المنروذي سمعت أحمد بن حنبل ذكر أخلاق الورعين فقال أسأل الله أن لا يمقطنا أين نحن من هؤلاء وكان يحب الخمول ولنزواء عن الناس ويعود المريض وكان يكره المشي في الأسواق ويؤثر الوحدة قال الميموني قال أحمد رأيت الخلوة أروح لقلبي وقال محمد بن الحسن بن هارون رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد قلت إيثار الخمول والتواضع وكثرة الوجل من علامات التقوى والفلاح قال صالح بن أحمد كان أبي إذا دعى له رجل يقول الأعمال بخواتي مها المحنة الصدع بالحق عظيم يحتاج إلى قوة وإخلاص فالمخلص قوة يعجز عن القيام به والقوي بلا إخلاص يخذل فمن قام بهما كاملا فهو صديق ومن ضعف فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب ليس وراء ذلك إيمان ولا قوة إلا بالله كان الناس أمة واحدة ودينهم قائما في خلافة أبي بكر وعمر فلما استشهد عمر رضي الله قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذبح صبر وتفرقت الكلمة وتمت وقعة الجمل ثم وقعة صفين فظهرت الخوارج وكفرت سادة الصحابة ثم ظهرت الروافض والنواصب وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة والجهمية والمجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المائتين فظهر المأمون الخليفة وكان ذكيا متكلما له نظر في المعقول فاستجلب كتب الأوائل وعرب حكمة اليونان وقام في ذلك وقعد وخب ووضع ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها والشيعة فإنه كان كذلك وآل به الحال أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن وامتحن العلماء فلم يمهل وهلك لعامه وخلى بعده شرا وبلاء في الدين فإن الأمة ما زالت على أن القرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله لا يعرفون غير ذلك حتى نبغ لهم القول كلام الله مخلوق وأنه إنما يضاف إلى الله إضافة تشريف كبيت الله وناقة الله فأنكر العلماء ذلك ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين فلما ولي المأمون كان منهم وأظهر المقالة قال محمد بن نوح قال هارون الرشيد بلغني أن بشر بن غياث المريسي يقول إن القرآن مخلوق فلله علي إن أظفرني به لأقتلنه قال الدورقي وكان المريسي متواريا أيام الرشيد فلما مات الرشيد ظهر ودعى إلى الضلالة قلت ثم إن المأمون نظر في الكلام وناظر وبقي متوقفا في الدعاء إلى بدعته قال أبو الفرج بن الجوزي خالطه قوم من المعتزلة فحسنوا له القول بخلق القرآن وكان يتردد ويراقب بقايا الشيوخ ثم قوي عزمه وامتحن الناس قال ابن أكثم قال لنا المأمون لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت أن القرآن مخلوق فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين ومن يزيد حتى يتقى فقال ويحك إني أخاف إن أظهرته أن يرد علي فيختلف الناس وتكون فتنة وأنا أكره الفتنة فقال الرجل فأنا أستخبر ذلك منه فقال المأمون نعم فخرج إلى واسط فجاء إلى يزيد وقال يا أبا خالد يقرئك السلام ويقول لك إني أريد أن أظهر خلق القرآن فقال كذبت على أمير المؤمنين أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه فإن كنت صادقا فقعد فإذا اجتمع الناس في المجلس فقل قال فلما أن كان الغد اجتمعوا فقام فقال فقال يزيد كذبت على أمير المؤمنين إنه لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه وما لم يقل به أحد قال فرجع الرجل إلى المأمون وقال يا أمير المؤمنين كنت أنت أعلم وقص عليه الخبر قال صالح بن أحمد ثم امتحن القوم ووجه بمن امتنع إلى الحبس فأجاب جميعا غير أربعة أبي ومحمد بن نوح والقواريري والحسن بن حماد سجادة ثم أجاب هاذان وبقي أبي ومحمد بن نوح في الحبس أياما ثم جاء كتاب من طرسوس بحملهما مقيدين زميلين وقال أبو معمر القطيعي لما أحضرنا إلى دار السلطان أيام المحنة وكان أحمد بن حنبل قد أحضر فلما رأى الناس يجيبون وكان رجلا لينا فانتفقت أوداجه وحمرت عيناه وذهب ذلك اللين فقلت أبشر حدثن ابن فضيل عن الوليد بن عبدالله بن جميع عن أبي سلمة قال كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من إذا أريد على شيء رأيت حماليق عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون قال ابن أبي أسامة حكي لنا أن أحمد قيل له أيام المحنة يا أبا عبدالله أولا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل فقال كلا إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة وقلوبنا بعد لازمة قال أبو جعفر لما حمل أحمد إلى المأمون أخبرت فعبرت الفرات فإذا أحمد جالس في الخان فسلمت عليه فقال يا أبا جعفر تعنيت فقلت له أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك فوالله لإن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق وإن أنت لم تجب ليمتني عنا خلق من الناس كثير ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت لا بد من الموت فاتق الله ولا تجب فجعل أحمد يبكي ويقول ما شاء الله ثم قال يا أبا جعفر أعد علي فأعدت عليه وهو يقول ما شاء الله قال محمد بن إبراهيم جعلوا يذاكرون أبا عبد الله يعني الإمام أحمد في التقية وما روي فيها فقال لهم كيف تصنعون بحديث خباب إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار لا يصده ذلك عن دينه قال فأيسنا منه ثم قال أحمد لست أبالي بالحبس ما هو منزلي إلا واحد ولا قتلا بالسيف إنما أخاف فتنة السوط فسمعه بعض أهل الحبس فقال لا عليك يا أبا عبد الله فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي فكأنه سري عنه قال صالح بن أحمد حمل أبي ومحمد بن نوح من بغداد مقيدين وقعهما إلى الأنبار فسأل أبو بكر الأحوال أبي يا أبا عبد الله إن عرضت على السيف تجيب قال لا ثم سيرا فسمعت أبي يقول صرنا إلى الرحبة ورحلنا منها في جوف الليل فعرض لنا رجل فقال أيكم أحمد بن حنبل فقيل له هذا فقال له يا أحمد ما عليك أن تقتلها هنا وتدخل الجنة ثم قال أستودعك الله ومضى قال أحمد فسألت عنه فقيل لي هذا رجل من العربي من ربيعة يعمل الشعر في البادية يقال له جابر بن عامر يذكر بخير قال إبراهيم بن عبد الله قال أحمد بن حنبل ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق قال لي يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدا وإن عشت عشت حميدا فقوى قلبي قال صالح بن أحمد قال أبي فلما صرنا إلى أذنه ورحلنا منها في جوف الليل وفتح لنا بابها إذا رجل قد دخل فقال البشرة قد مات الرجل يعني المأمون قال أبي وكنت أدعو الله ألا أراه فلم أره مات بالبذندون قلت والبذندون هو نهر الروم وبقي أحمد محبوسا بالرقة حتى بويع المعتصم إثر موت أخيه فرد أحمد إلى بغداد قال صالح لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس رد في أقيادهما فلما صار إلى الرقة حمل في سفينه فلما وصل إلى عانة توفي محمد بن نوح وفك قيده وصلى عليه أبي وقال حنبل قال أبو عبدالله أحمد بن حنبل ما رأيت أحدا على أقوام بأمر الله من محمد بن نوح إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير قال لي ذات يوم يا أبا عبدالله الله الله إنك لست مثلي أنت رجل يقتدى بك قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحو هذا وصليت عليه ودفنته قال صالح وصار أبي إلى بغداد مقيدا فمكث بالياسرية أياما ثم حبس في دار نكتوريت عند دار عمارة ثم حول إلى حبس العامة في درب الموصلية قال أحمد كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد فلما كان في رمضان سنة تسع عشر قلت وذلك بعد موت المأمون بأربعة عشر شهرا حولت إلى دار إسحاق بن إبراهيم يعني نائب بغداد وأما حنبل فقال حبس أبو عبدالله في دار عمارة ببغداد في إصطبل الأمير محمد بن إبراهيم أخ إسحاق بن إبراهيم وكان في حبس ضيق ومرض في رمضان ثم حول بعد قليل إلى سجن العامة فمكث في السجن نحو من ثلاثين شهرا وكنا نأتيه فقرأ علي كتاب الإرجاء وغيره في الحبس ورأيته يصلي بهم في القيد قال صالح بن أحمد قال أبي كان يوجه إلي كل يوم برجلين أحدهما يقال له أحمد بن أحمد بن رباح والآخر سعي بن الحجام فلا يزالان يناظراني حتى إذا قام دعي بقيد فزيد في قيودي فصار في رجلي أربعة أقياد قال فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت وجئ بداب فأركبت وعلي الأقياد ما معي من يمسكني فكدت غير مرة فجئ بي إلى دار المعتصم فأدخلت حجرة ثم أدخلت بيتا وأقفل الباب علي في جوف الليل ولا سراج فلما كان من الغد أخرجت تكتي وشذدت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويل فجاء رسول المعتصم فقال أجب فأخذ بيدي وأدخلني وأنا أحمل الأقياد وأيضا هو جالس وأحمد بن أبي دواد حاضر وقد جمع خلقا كثيرا من أصحابه فقال لي المعتصم أدنه فلم يزل يدني حتى قربت منه ثم قال اجلس فجلست وقد أثقلتني الأقياد فمكثت قليلا ثم قلت أتأذن في الكلام قال تكلم فقلت إلى ما دع الله ورسوله فسكت هنية ثم قال إلى شهادة ألا إله إلا الله فقلت فأنا أشهد ألا إله إلا الله ثم قلت إن جدك بن عباس يقول لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الإيمان فقال أتدرون ما الإيمان قال الله ورسوله أعلم قال شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإيقام الصلاة وإيتاء الزكاه وأن تعطو الخمس من المغنم فقال المعتصم لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك ثم قال يا عبد الرحمن بن إسحاق ألم آمرك برفع المحنة فقلت الله أكبر إن في هذا لفرج للمسلمين ثم قال لهم ناظروه وكلموه يا عبد الرحمن كلمه فقال ما تقول في القرآن قلت ما تقول أنت في علم الله فسكت فقال لي بعضهم أليس قال الله تعالى الله خالق كل شيء والقرآن أليس شيئا فقلت قال الله تدمر كل شيء فهل دمرت إلا ما أراد الله فقال بعضهم ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث أفيكون محدث إلا مخلوقا فقلت قال الله والقرآن ذي الذكر فالذكر هو القرآن وتلك ليس فيها ألف ولام وذكر بعضهم حديث عمران بن حسين إن الله خلق الذكر فقلت هذا خطأ حدثنا غير واحد إن الله كتب الذكر واحتجوا بحديث بن مسعود ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء أعظم من آية الكرسي فقلت إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض ولم يقع على القرآن فقال بعضهم حديث خباب يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه فقلت هكذا هو وجعل ابن أبي دواد ينظر إلى أبيك المغضب قال أبي وكان يتكلم هذا فأرد عليه ويتكلم هذا فأرد عليه فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دواد فيقول يا أمير المؤمنين هو والله ضال مضل مبتدع فيقول كلموه ناظروه فيكلمني هذا فأرد عليه ويكلمني هذا فأرد عليه فإذا انقطعوا يقول المعتصم ويحك يا أحمد ما تقول فأقول يا أمير المؤمنين أعطوني شيء من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقول به قال حنبل قال أبو عبد الله لقد احتجوا علي بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني ان احكيه انكروا الاثار وما ظننتهم على هذا حتى سمعته قال محمد ابن إبراهيم البوشنجي حدثني بعض أصحابنا ان أحمد ابن أبي دواد اقبل على أحمد يكلمه فلم يلتفت الي حتى قال المعتصم يا أحمد ألا تكلم أبا عبد الله فقلت لست أعرفه من أهل العلم فأوكلمه قال صالح وجعل ابن أبي دواد يقول يا أمير المؤمنين والله لان أجابك له أحب إلي من ألف دينار ومئة ألف دينار فيعد من ذلك ما شاء الله أن يعد فقال لان أجابني لأطلق كن عنه بيدي ولأركبن إليه بجندي ولأطأن عقبه ثم قال يا أحمد والله إني عليك لشفيق وإني لأشفق عليك كشفقتي على ابني هارون ما تقول فأقول أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله فلما طال المجلس ضجر وقال قوموا وحبسني عنده وعبد الرحمن بن اسحاق يكلمني وقال ويحك أجبني فقال له عبد الرحمن يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والحج والجهاد معك فيقول والله إنه العالم وإنه لفقيه وما يسوءني أن يكون معي يرد عني أهل الملل ثم قال ما كنت تعرف صالحني قلت قد سمعت به قال كان مؤدبي وكان في ذلك الموضع جالس واشار إلى ناحية من الدار فسألني عن القرآن فخالفني فأمرت به فوطئ وسحب يا أحمد أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي قلت أعطوني شيئا في كتاب الله وسنة رسوله فطال المجلس وقام ورددت إلى الموضع فلما كان بعد المغرب وجه إلي رجلين من أصحاب ابن أبي داوود يبيتاني عندي ويناظراني ويقيماني معي حتى إذا كان وقت الإفطار جئ بالطعام ويجتهداني بي أن أفطر فلا أفعل قلت وكانت ليالي رمضان قال ووجه المعتصم إلي ابن أبي دواد في الليل فقال يقول لك أمير المؤمنين ما تقول فأرد عليه نحو مما كنت أرد فقال ابن أبي دواد إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضربا بعد ضرب وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس ويقول إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي ثم انصرف فلما أصبحنا جاء رسوله فأخذ بيدي حتى ذهب إليه فقال لهم ناظروه وكلموه فجعلوا يناظروني فأرد عليهم قال فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال فلما ضجر قال قوموا ثم خلا بي وبعبد فلم يزال يكلمني ثم قام ودخل ورددت إلى الموضع قال فلما كانت الليلة الثالثة قلت خليق أن يحدث غدا من أمري شيء فقلت للموكل بي أريد خيطا فجاءني بخيط فشددت به الأقياد ورددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرى فلما كان من الغد أدخلت إلى الدار فإذا هي غاصة فجعلت أدخل من موضع إلى موضع وقوم معهم السيوف وقوم معهم السياط وغير ذلك ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء فلما انتهيت إليه قال قعد ثم قال ناظروه كلموه فجعلوا يناظروني يتكلم هذا فأرد عليه ويتكلم هذا فأرد عليه وجعل صوتي يعلو أصواتهم فجعل بعض من هو قائم على رأسي يومئ إلي بيده فلما طال المجلس نححاني ثم خلى بهم ثم نحاهم وردني إلى عنده وقال ويحك يا أحمد احذني حتى أطلق عنك بيدي فردت عليه نحو ردي فقال خذوه اسحبوه خلعوه فسحبتو وخلعت قال وجلس المعتصم على كرسي ثم قال العقابين والسياط فجئ بالعقابين فمدت يداي فقال بعض من حضر خلفي خذ ناتي الخشبتين وشد عليهما فلم أفهم ما قال فتخلعت يداي قال محمد بن إبراهيم البوشنجي ذكروا أن المعتصم آلان في أمر أحمد لما علق في العقابين ورأى ثباته وتصميمه وصلابته حتى أغراه أحمد بن أبي دواد وقال يا أمير المؤمنين إن تركته قيل قد ترك مذهب فقامون وسخط قوله فهاجه ذلك على ضربه ثم قال للجلادين تقدموا فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين فيقول له شد قطع الله يدك ثم يتنحى ويتقدم آخر فيضربني سوطين وهو يقول في كل ذلك شد قطع الله يدك قلت سبعة عشر سوطا قام إلي يعني المعتصم فقال يا أحمد على ما تقتل نفسك إني والله عليك لشفيق وجعل عجيف ينخصني بقائمة سيفه وقال أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم وجعل بعضهم يقول ويلك إمامك على رأسك قائم وقال بعضهم يا أمير المؤمنين دمه في عنقي أقتله وجعلوا يقولون يا أمير المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم فقال لي ويحك يا أحمد ما تقول فأقول أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله أقول به فرجع وجلس وقال تقدم وأوجع قطع الله يدك ثم قام الثانية وجعل يقول ويحك يا أحمد أجبني فجعلوا يقبلون علي ويقولون يا أحمد إمامك على رأسك قائم وجعل عبد الرحمن يقول من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع والمعتصم يقول أجبني إلى شيء أدنا فرج حتى أطلق عنك بيدي ثم رجع وقال للجلاد تقدم فجعل يضربني سوطين ويتنحى وهو في خلال ذلك يقول شد قطع الله يدك فذهب عقلي ثم أفقت بعد فإذا الأقياد قد أطلقت عني فقال لي رجل ممن حضر كببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك أي طرحنا على ظهرك حصيرة ثم جئ بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم فحضرت الظهر فتقدم ابن سماعة فصلى فلما انفتل من صلاته وقال لي صليت والدم يسيل في ثوبك قلت قد صلى عمر وجرحه يثعب دما قال صالح أخلي عنه فصار إلى منزله قال صالح وأخبرني رجل حضر أنه تفقده في الأيام الثلاثة وهم يناظرونه فما لحن في كلمة قال وما ظننت أن أحدا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول ذهب عقلي مرارا رجعني الضرب رجعت إلي نفسي وأذا استرخيت وسقط رفع الضرب أصابني ذلك مرارا ورأيته يعني المعتصم قاعدا في الشمس بغير مظلة فسمعته وقد أفقت يقول لابن أبي دواد لقد ارتكبت إثما في أمر هذا الرجل فقال يا أمير المؤمنين فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد وقد كان أراد تخليتي بلا ضرب فلم يدعه ولا إسحاق ابن إبراهيم قال حنبل وبلغني أن المعتصم قال لابن أبي دواد بعدما ضرب أبو عبد الله كم ضرب قال أربعة أو نيفا وثلاثين سوطا قال ابن أبي حاتم قال لما حمل أحمد ليضرب جاءوا إلى بشر بن الحارث الحافي وقالوا قد وجب عليك أن تتكلم فقال أتريدون مني أقوم مقام الأنبياء ليس ذا عندي حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه قال صالح فخلي عنه فصار إلى المنزل ووجه إلى المطبق فجئ برجل ممن يبصر الضرب والعلاج فنظر إلى ضربه فقال قد رأيت من ضرب الفسوط ما رأيت ضربا مثل هذا لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه ثم أخذ ميلا فأدخله في بعض تلك الجراحات فنظر إليه فقال لم ينقب وجعل يأتيه ويعالجه وكان قد أصاب وجهه غير ضرب ومكث منكب على وجهه كم شاء الله ثم قال له إنها هنا شيئا أريد أن أقطعه فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها فيقطعه بسكين معه وهو صابر لذلك يجهر بحمد الله في ذلك فبرأ ولم يزل يتوجع من مواضع منه وكان أثر الضرب بينا في ظهره إلى أن توفي قال صالح ودخلت يوما فقلت له بلغني أن رجلا جاء إليك فقال جعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك فقلت لا أجعل أحدا في حل فتبسم أبي وسكت وسمعت أبي يقول لقد جعلت الميت في حل من ضربه إياي ثم قال مررت بهذه الآية فمن عفا وأصلح فأجره على الله فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما أخبرنا هاشم بن القاسم أخبرنا المبارك بن فضالة قال أخبرني من سمع الحسن يقول إذا كان يوم القيامة جثت الأمم كلها بين يدي الله رب العالمين ثم نودي ألا يقوم إلا من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا قال فجعلت الميت في حل ثم قال وما على رجل ألا يعذب الله بسببه أحدا وقال أحمد بن سنان بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل في فتح عمورية فقال هو في حل من ضربي قال ابن أبي حاتم سمعت أبا زرعة يقول دع المعتصم بعم أحمد ثم قال للناس تعرفونه قالوا نعم هو أحمد بن حنبل قال فانظروا إليه أليس هو صحيح البدن قالوا نعم ولولا أنه فعل ذلك أخاف أن يقع شيء لا يقام له قال ولما قال قد سلمته إليكم صحيح البدن هدأ الناس وسكنوا قلت ما قال هذا مع تمكنه في الخلافة وشجاعته إلا عن أمر كبير كأنه خاف أن يموت من الضرب فتخرج عليه العامة ولو خرج عليه عامة بغداد لربما وقال حنبل لما أمر المعتصم بتخلية أبي عبدالله خلع عليه مبطنة وقميصا وطيل سانا وقلنسوة وخفا فبينا نحن على باب الدار والناس في الميدان والدروب وغيرها وغلقت الأسواق إذ خرج أبو عبدالله على دابة من دار المعتصم في تلك الثياب قام ابن أبي دواد عن يمينه وإسحاق ابن إبراهيم يعني نائب بغداد عن يساره فلما صار في الدهليز قبل أن يخرج قال لهم ابن أبي دواد اكشفوا رأسه فكشفوه يعني من الطيل سان وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس فقال لهم إسحاق خذو به ها هنا يريد دجلة فذهب به إلى الزورة وحمل إلى دار إسحاق ابن إبراهيم فأقام عنده إلى أنصلية الظهر وبعث إلى والدي وإلى جيراننا ومشايخ المحال فجمعوا وأدخلوا عليه فقال لهم هذا أحمد بن حنبل وإن كان فيكم من يعرفه وإلا فليعرفه قال ابن سماعة لهم حين دخل الجماعة هذا أحمد بن حنبل وإن أمير المؤمنين ناظره في أمره وقد خلى سبيله وها هو ذا فأخرج على فرس الإسحاق ابن إبراهيم عند غروب الشمس فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس وهو منحن فلما ذهب لينزل احتضنته ولم أعلم فوقعت يدي على موقع الضرب فصاح لحيت يدي فنزل متوكئا علي وأغلق الباب ودخلنا معه ورمى بنفسه على وجهه لا يقدر أن يتحرك إلا بجهد ونزع ما كان خلع عليه فأمر به فبيع وتصدق بثمنه وكان المعتصم أمر إسحاق بن إبراهيم ألا يقطع عنه خبره وذلك أنه ترك فيما من ياس منه وبلغنا أن المعتصم ندم واسقط في يده حتى صلح فكان صاحب خبر إسحاق بن إبراهيم يأتينا كل يوم يتعرف خبره حتى صح وبقيت إبهاماهم خلعتين يضربان عليه في البرد فيسخن له الماء ولما أردنا علاجه خفنا أن يدس أحمد بن أبي دواد فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا وسمعته يقول كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدع وقد جعلت أباء إسحاق في حل يعني المعتصم ورأيت الله يقول وليعفو وليصفحو ألا تحبون أن يغفر الله لكم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة مصطح قال أبو عبدالله وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك قال حنبل لما أردنا علاجه خفنا أن يدس ابن أبي دواد إلى المعالج فيلقي في دوائه سما فعملنا الدواء والمرهم عندنا فكان في برنية فإذا دواه رفعناها قال وكان لا أصابه البرد ضرب عليه محنة الواثق قال حنبل لم يزل أبو عبدالله بعد أن برئ من الضرب يحضر الجمعة والجماعة ويحدث ويفتي حتى مات المعتصم وولي ابنه الواثق فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى أحمد ابن أبي دواد وأصحابه فلما اشتد الأمر على أهل بغداد فقالت المحنة بخلق القرآن كان أبو عبدالله يشهد الجمعة ويعيد الصلاة إذا رجع ويقول تؤتى الجمعة لفضلها والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة وجاء نفر إلى أبي عبدالله وقالوا هذا الأمر قد فشى وتفاقم ونحن نخافه على أكثر من هذا وذكر ابن أبي دواد أن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في المكاتب القرآن كذا وكذا فنحن لا نرضى بإمارته فمنعهم من ذلك وناظرهم وأمرهم بالصبر قال فبينا نحن في أيام الواثق إذ جاء يعقوب ليلا برسالة الأمير إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبدالله يقول لك الأمير إن أمير المؤمنين قد ذكرك فلا يجتمعن إليك أحد ولا تساكنني بأرض ولا مدينة أنا فيها فاذهب حيث شئت من أرض الله قال فاختفى أبو عبدالله بقية حياة الواثق وكانت تلك الفتنة وقتل أحمد بن نصر الخزاعي ولم يزل أبو عبدالله مختفيا في البيت لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها حتى هلك الواثق وعن إبراهيم بن هانئ قال اختفى أبو عبدالله عندي ثلاثا ثم قال أطلب لي موضعا قلت لا آمن عليك قال فعل فإذا فعلت أفدتك فطلبت له موضعا فلما خرج قال اختفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام ثم تحول من أبي القاسم علي بن الحسن الحافظ يعني بن عساكر كيف ذكر ترجمة أحمد مطولة كعوائده ولكن ما أورد من أمر المحنة كلمة مع صحة أسانيدها فإن حنبل ألفها في جزئين وكذلك صالح بن أحمد وجماعة فصل في حال الإمام في دولة المتوكل قال حنبل ولي المتوكل فأظهر الله السنة وفرج عن الناس وكان أبو عبد الله يحدثنا ويحدث أصحابه في أيام المتوكل وسمعته يقول ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم إليه في زماننا ثم إن رافعا رفع إلى المتوكل إن أحمد ربص علويا في منزله يريد أن يخرجه وبايع عليه قال ولم يكن عندنا علم فبينا نحن ذات ليلة نيام في الصيف سمعنا الجلبة ورأينا النيران في دار أبي عبد الله فأسرعنا وأذا به قاعد في إزار ومظفر ابن الكلبي صاحب الخبر وجماعة معهم فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل ورد على أمير المؤمنين أن عندكم علويا ربصته لتبايع له وتظهره في كلام طويل ثم قال له مظفر ما تقول قال ما أعرف من هذا شيئا وإني لأرى له السمعة والطاعة في عسري ويسري ومنشطي ومكره وأثرة علي وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار في كلام كثير فقال مظفر قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلفك قال فأحلفه بالطلاق ثلاثا أن ما عنده طربة أمير المؤمنين ثم فتشوا منزل أبي عبد الله والسرب والغرف والسطوح وفتشوا تابوت الكتب وفتشوا النساء والمنازل فلم يروا شيئا ولم يحسوا بشي ورد الله الذين كفروا وكتب بذلك إلى المتوكل فوقع منه موقعا حسنا وعلم أن أبا عبد الله مكذوب عليه وكان الذي دس عليه رجل من أهل البدع ولم يمت حتى بين الله أمره للمسلمين فلما كان بعد أيام بينا نحن جلوس بباب الدار إذا يعقوب أحد حجاب المتوكل قد جاء تأذن على أبي عبد الله فدخل ودخل أبي وأنا ومع بعض غلمانه بدرة على بغل ومعه كتاب المتوكل فقرأه على أبي عبد الله إنه صح عند أمير المؤمنين براءة ساحتك وقد وجه إليك بهذا المال تستعين به فأبا أن يقبله وقال مالي إليه حاجة فقال يا أبا إقبل من أمير المؤمنين ما أمرك به فإنه خير لك عنده فإنك إن رددته خفت أن يظن بك سوءا فحينئذ قبلها فلما خرج قال يا أبا علي قلت لبيك قال ارفع هذه الإنجانة وضع البدرة تحتها ففعلت وخرجنا فلما كان من الليل إذا أم ولد أبي عبد الله تدق علينا الحائط فقالت مولاي يدعو عمه فأعلمت أبي وخرجنا فدخلنا على أبي عبد الله وذلك في جوف الليل فقال يا عم ما أخذني النوم قال ولمى قال لهذا المال وجعل يتوجع لأخذه وأبي يسكنه ويسهل عليه وقال حتى تصبح وترا فيه رأيك فإن هذا ليل والناس في المنازل فأمسك وخرجنا فلما كان من السحر وجه إلى عبدوس بن مالك وأيل الحسن بن البزار فحضر وحضر جماعة منهم هارون الحمال وأحمد بن منيع وبن الدورقي وأبي وأنا وصالح وعبد الله قلنا نكتب من يذكرونه من أهل الستر والصلاح ببغداد والكوفة فوجه منها إلى أبي كريب وللأشج وإلى من يعلمون حاجته ففرقها كلها ما بين الخمسين إلى المئة وإلى المئتين فما بقي في الكيس درهم فلما كان بعد ذلك جاء رسول إلى أبي عبد الله فذهب إليه ومتوكل وقال له يأمرك بالخروج يعني إلى سام الرا فقال أنا شيخ ضعيف عليل فكتب عبد الله بما رد عليه فورد جواب الكتاب إن أمير المؤمنين يأمره بالخروج فوجه عبد الله أجنادا فباتوا على بابنا أياما حتى تهيأ أبو عبد الله للخروج قال حنبل فأخبرني أبي قال دخلنا إلى العسكر فإذا نحن بموكب عظيم مقبل فلما حاذا بنا قالوا هذا وصيف وأذا بفارس قد أقبل فقال لأبي عبد الله الأمير وصيف يقرئك السلام ويقول لك إن الله قد أمكنك من عدوك يعني ابن أبي دواد وأمير المؤمنين يقبل منك فلا تدع شيئا إلا تكلمت به فما رد عليه أبو عبد الله شيئا وجعلت أنا أدعو لأمير المؤمنين ودعوت لوصيف ومضينا فأنزلنا في دار إيتاخ ولم يعرف أبو عبد الله فاسأل بعد لمن هذه الدار قالوا هذه دار إيتاخ فقال حولوني اكتروا لي دارا قالوا هذه دار أنزلكها أمير المؤمنين قال لا أبيتها هنا ولم يزل حتى اكترينا له دارا وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمر بها المتوكل والثلج والفاكهة وغير ذلك فما ذاق منها أبو عبد الله شيئا ولا نظر إليها وكان نفقة المائدة في اليوم مئة وعشرين درهما ووجه إليه المتوكل بمال عظيم فرده فقال له عبيد الله ابن يحيا فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفعها إلى ولدك وأهلك قال هم مستغنون فردها عليه فأخذها عبيد الله فقسمها على ولده حجر المتوكل على أهله وولده في كل شهر أربعة آلاف فبعث إليه أبو عبد الله إنهم في كفاية وليست بهم حاجة فبعث إليه المتوكل إنما هذا لولدك فما لك ولهذا فأمسك أبو عبد الله فلم يزل يجري علينا حتى مات المتوكل وجرى بين أبي عبد الله وبين أبي كلام كثير وقال يا عم ما بقي من أعمارنا كأنك بالأمر قد نزل فالله الله فإن أولادنا إنما يريدون أن يأكلوا بنا وإنما هي أيام قلائل وإنما هذه فتنة قال أبي فقلت أرجو أن يؤمنك الله مما تحذر فقال كيف وأنتم ترون طعامهم ولا جوائزهم لو تركتموها لتركوكم ماذا ننتظر إنما هو الموت فإما إلى جنة وإما إلى نار فطوبا لمن قدم على خير وبلغ المتوكل ما هو فيه وأخبره أنه رجل لا يريد الدنيا فأذن له في الانصراف فجاء عبيد الله ابن يحيا وقت العصر فقال إن أمير المؤمنين قد أذن لك وأمر أن يفرش لك حراقة تنحدر فيها فقال أبو عبدالله أطلبوا لي زورق أن حدر الساعة فطلبوا له زورق فانحدر لوقته قال حنبل فما علمنا بقدومه حتى قيل إنه قد وافى فاستقبلته بناحية القطيع وقد خرج من فمشيت معه فقال لي تقدم لا يراك الناس فيعرفوني فتقدمته قال فلما وصل ألقى نفسه على قفاه من التعب والعيار وكان ربما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده فلما صار إلينا من مال السلطان ما صار امتنع من ذلك حتى لقد وصف له في علته قرعة تشوى فشويت في تنور صالح فعلم فلم يستعملها ومثل هذا كثير وقد ذكر صالح قصة خروج أبيه إلى العسكر ورجوعه وتفتيش بيوتهم على العلوي وورود يعقوب بالبدرة وأنه بكى وقال سلمت منهم حتى إذا كان في آخر عمري بوليت بهم عزمت عليك أن تفرقها غدا فلما أصبح جاءه حسن بن البزار فقال جئني يا صالح بميزان وجهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار وأيلا فلان حتى فرق الجميع ونحن في حالة الله بها عليم فأعطيته فكتب صاحب البريد إنه تصدق بالكل ليومه حتى بالكيس وقال قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان التي فرقها وأن لا يعلم شيخكم بذلك فيغتم وأمر المتوكل أن تشترى لنا دار فقال يا صالح قلت لبيك قال لأن أقررت لهم بشراء دار لتكونن القطيعة بيني وبينكم إنما يريدون أن يصيروا هذا البلد لي مأوى فلم يزل يدافع بشراء الدار حتى اندفع وجعلت رسل المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره ويرجعون فيقولون هو ضعيف وفي خلال ذلك يقولون يا أبا عبدالله لا بد من أن يراك وجاءه يعقوب فقال أمير المؤمنين مشتاق ويقول أقر يوما تصير فيه حتى أعرفه فقال ذاك إليكم فقال يوم الأربع وخرج فلما كان من الغد جاء فقال البشرة يا أبا عبدالله إن أمير المؤمنين يقرأوا عليك السلام ويقول قد أعفيتك من لبس السود والركوب إلى ولاة العهود وإلى الدار فالبس فجعل يحمد الله على ذلك ثم قال يعقوب إن لي ابنا به معجب وإن له في قلبي موقعا فأحب أن تحدثه بأحاديث فسكت فلما خرج قال أتراه لا يرى ما أنا فيه وكان يختم القرآن من جمعة إلى جمعة وإذا ختم دعا ونحن نؤمن فلما فكان غداة الجمعة وجه إلي وإلى أخي فلما ختم جعل يدعو ونحن نؤمن فلما فرغ جعل يقول أستخير الله مرات فجعلت أقول ما يريد ثم قال إني أعطي الله عهدا إن عهده كان مسؤولا وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود إني لا أحدث بحديث تمام أبدا حتى ألقى الله ولا أستثني منكم أحدا فخرجنا وجاء علي بن الجهم فأخبرناه فقال إنا لله وإنا إليه راجعون وأخبر المتوكل بذلك وقال إنما يريدون أحدث ويكون هذا البلد حبسي وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد لما أعطو فقبلوا وأمروا فحدثوا والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان وإني لأتمنى الموت في هذا وذاك إن هذا فتنة الدنيا وذاك كان فتنة الدين ثم جعل يضم أصابعه ويقول لو كان نفسي في يدي لأرسلتها وكان المتوكل يكثر السؤال عنه وفي خلال ذلك يأمر لنا بالمال ويقول لا يعلم شيخهم فيغتم ما يريد منهم إن كان هو لا يريد الدنيا فلم يمنعهم وقالوا للمتوكل إنه لا يأكل من طعامك ولا يجلس على فراشك ويحرم الذي تشرب فقال المتوكل لو نشر لي المعتصم وقال فيه شيئا لم أقبل منه قال صالح ثم انحدرت إلى بغداد وخلفت عبدالله عنده فإذا عبدالله قد قدم فقلت ما لك قال أمرني أن أنحدر وقال قل لصالح لا تخرج فأنتم كنتم آفتي والله لو استقبلت من أمري ما ما أخرجت واحدا منكم معي لولاكم لمن كانت توضع هذه المائدة وتفرش الفرش وتجرى الأجراء فكتبت إليه أعلمه بما قال لي عبدالله فكتب إليه بخطه أحسن الله عاقبتك ودفع عنك كل مكروه ومحذور الذي حملني على الكتاب إليك الذي قلت لعبدالله وقال رجاء أن ينقطع ذكري ويخمل وإذا كنتم هاهنا فشا ذكري وكان يجتمع إليكم قوم ينقلون أخبارنا ولم يكن إلا خير فإن أقمت فلم يأتني أنت ولا أخوك فهو رضائي ولا تجعل في نفسك إلا خيرا والسلام عليك قال ولما سافرنا المائدة والفرش وكل ما أقيم لنا قال صالح وبعث المتوكل إلى أبي بألف دينار ليقسمها فجاءه علي بن الجهم في جوف الليل فأخبره بأنه يهيئ له حراقه ثم جاء عبيد الله بألف دينار فقال إن أمير المؤمنين قد أذن لك وأمر لك بهذا فقال أعفاني أمير المؤمنين مما أكره فردها فقدم علينا ثم قال يا صالح قلت لبيك قال أحب أن تدع هذا الرزق فإنما تأخذونه بسببي فسكت فقال ما لك قلت أكره أن أعطيك بلساني أو خالف إلى غيره وليس في القوم أكثر عيال مني ولا أعذر وقد كنت أشكو إليك وتقول أمرك منعقد بأمري ولعل الله أن يحل عني هذه العقدة وقد كنت تدعو لي فأرجو أن يكون الله قد استجاب لك فقال لا تفعل فقلت لا قال فهجرنا أبي وسد الأبواب بيننا وبينه وتحامى منازلنا ثم ذكر قصة في دعائه صالحا ومعاتبته له ثم في كتابته إلى يحيى بن خاقان ليترك معونة أولاده وأن الخبر بلغ المتوكل فأمر بحمل مجتمع لهم من عشرة أشهر إليهم فكان أربعين ألف جرهم وأن أبا عبدالله أخبر بذلك فسكت قليلا وأطرق ثم قال ما حيلتي إن أردت أمرا وأراد الله أمرا وأيل الإمام أحمد المنتهى في معرفة السنة علما وعملا وفي معرفة الحديث وفنونه ومعرفة الفقه وفروعه وكان رأسا في الزهد والورع والعبادة والصدق قال المرروذي قال لي أبو عبدالله ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مربي أن النبي سلم احتجم وأعطى أبا طيبة دينارا فاحتجمت وأعطيت الحجام دينارا وقال قلت لأبي عبدالله من مات على الإسلام والسنة مات على الخير فقال بل مات على الخير كله وقال الميموني قال لي أحمد يا أبا الحسن إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك وقال الفضل بن زياد سمعت أحمد بن حنبل يقول من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفاه لك وقال محمد بن اسماعيل الترمذي كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند أحمد بن حنبل فقال له أحمد يا أبا عبدالله ذكروا لابن أبي قتيلة قلت أصحاب الحديث فقال أصحاب الحديث قوم سوء فقام أبو عبدالله ينفض ثوبه ويقول زنديق زنديق ودخل البيت ومن سيرته قال عبد الملك الميموني ما رأيت عمامة أبي عبدالله قط إلا تحت ذقنه ورأيته يكره غير ذلك وقال الميموني أعلم أني رأيت أحدا أنظف بدنا ولا أشد تعاهدا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ولا أنقى ثوبا بشدة بياض من أحمد بن حنبل رضي الله عنه وقال عاصم بن عصام البيهقي بيت ليلة عند أحمد بن حنبل فجاء بماء فوضعه فلما أصبح نظر إلى الماء بحاله فقال سبحان الله رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل وقال عبد الله سمعت أبي يقول ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثوبي وتقول حتى يؤذن المؤذن قال الكديمي حدثنا علي بن المديني قال لي أحمد بن حنبل إني لأشتهي أن أصحبك إلى مكة وما يمنعني إلا خوف أن أملك أو تملني فلما ودعته قلت أوصني قال إجعل التقوى زادك وانصب الآخرة أمامك قال عبد الله بن أحمد رأيت كثيرا من العلماء والفقهاء والمحدثين وبني هاشم وقريش والأنصار يقبلون أبي بعضهم يده وبعضهم رأسة ويعظمونه تعظيما لم أرهم يفعلون ذلك بأحد من الفقهاء غيره ولم أره يشتهي ذلك ومن تواضع قال أحمد بن الحسن الترمذي رأيت أبا عبد الله يشتري الخبز من السوق ويحمله في الزنبيل ورأيته يشتري الباق اللاء غير مرة ويجعله في خرقة فيحمله ومن جهاده قال عبد الله بن محمود بن الثرج سمعت عبد الله بن أحمد يقول خرج أبي إلى طرسوس ورابط بها وغزى وقال لرجل عليك بالثغر عليك بقزوين وكانت ثغرا قال الحسين بن اسماعيل قال أبي كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء يكتبون الحديث والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت وقال أبو بكر بن المطوعي اختلفت إلى أبي عبد الله ثنتي عشرة سنة وهو يقرأ المسند على أولاده فما كتبت عنه حديثا واحدا إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه قال عبد الله بن محمد الوراق قال أحمد بن حنبل فقال من أين أقبلتم قلنا من مجلس أبي كريب فقال اكتبوا عنه فإنه شيخ صالح فقلنا إنه يطعن عليك فقال فأي شيء حيلتي شيخ صالح قد بلي بي قال أبو جعفر كان أحمد من أحيى الناس وأكرمهم وأحسنهم كثير الاطراق لا يسمع منه إلا المذاكرة للحديث وذكر الصالحين في وقار وسكون ولفظ حسن وإذا لقيه إنسان بش به وأقبل عليه وكان يتواضع للشيوخ شديدا وكانوا يعظمونه وكان يفعل بيحي بن معين ما لم أره يعمل بغيره من التواضع والتكريم والتبجيل كان يحيا أكبر منه بسبع سنين وقال عبدالله ابن أحمد كان أبي إذا أتى البيت من المسجد ضرب برجله حتى يسمع صوت نعله وربما تنحنح ليعلموا به وقال عبدوس العطار وجهت بابني مع الجارية يسلم على أبي عبد الله فرحب به وأجلسه في حجره وساء له واتخذ له خبيصا وقال للجارية كلي معه وجعل يبسطه وقال الميموني كان أبو عبد الله حسن الخلق دائما البشر يحتمل الأذى من الجار معيشته قال ابن الجوزي خلف له أبوه طرزا ودارا يسكنها فكان يكري تلك الطرزة ويتعفف بها ما نسخ بأجره وربما عملت تكك وأجر نفسه لجمال رحمة الله عليه قال ابن عقيل من عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون أحمد بن حنبل ليس بفقيه لكنه محدث قال وهذا غاية الجهل لأن له اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه وربما زاد على كبارهم قلت أحسبهم يظنونه كان محدثا وبس بل يتخيلونه من بابة محدثي زماننا ووالله لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث ومالك والشافعي وأبي يوسف وفي الزهد والورع رتبة الفضل وإبراهيم بن أدهم وفي الحفظ رتبة شعبة ويحيى القطان وبن المديني ولكن الجاهل لا يعلم رتبة نفسه فكيف يعرف رتبة غيره قال ابن الجوزي كان الإمام لا يرى وضع الكتب وينهى عن كتبة كلامه ومسائله ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة وصنف المسند وهو ثلاثون ألف حديث وكان يقول لابنه عبد الله احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماما والتفسير وهو مئة وعشرون ألف والناسخ والمنسوخ والتاريخ وحديث شعبة والمقدمة والمؤخر في القرآن وجوابات القرآن والمناسك الكبير والصغير وأشياء أخر قلت وكتاب الإيمان وكتاب ورأيت له ورقة من كتاب الفرائض وتفسيره المذكور شيء لا وجود له ولو وجد لاجتهد الفضلاء في تحصيله ولشتهر ثم لو ألف تفسيرا لما كان يكون أزيد من عشرة ألاف أثر ولقتضى أن يكون في خمس مجلدات فهذا تفسير ابن جرير الذي جمع فيه فأوعى لا يبلغ وما ذكر تفسير أحمد أحد سوى أبي الحسين بن المنادي فقال في تاريخه لم يكن أحد أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله بن أحمد لأنه سمع منه المسند وهو ثلاثون ألفا والتفسير وهو مئة وعشرون ألفا قال ابن الجوزي وله من المصنفات يعني أبا عبد الله كتاب نفي التشبيه مجلدة وكتاب الإمامة مجلدة صغيرة وكتاب الرد على الزنادقة ثلاثة أجزاء وكتاب الزهد مجلد كبير وكتاب فضاء للصحابة مجلدة وكتاب الرسالة في الصلاة قلت هو موضوع على الإمام وقد دون عنه كبار تلامذته مسائل وافرة كالمروذي والأثرم وحرب وبن هانئ والكوسج وأبي طالب وفوران ومهن الشامي وصالح بن أحمد وآخيه وبن عمه ما حنبل وجمع ابو بكر الخلال سائر ما عندها أولاء من أقوال أحمد وفتاويه وكلامه في العلل والرجال والسنة والفروع حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرة ورحل إلى النواحي في تحصيله وكتب عن نحو من مئة نفس من أصحاب الإمام ثم كتب كثيرا من ذلك عن أصحاب أصحابه ثم أخذ في ترتيب ذلك وتهذي به وتبوي به وعمل كتاب العلم وكتاب العلل وكتاب السنة كل واحد من الثلاثة في ثلاث مجلدات وألف كتاب الجامع مجلدة أو أكثر وقد قال في كتاب أخلاق أحمد بن حنبل لم يكن أحد فيما علمت عني بمسائل أبي عبدالله قط ما عنيت بها أنا ومولد الخلال كان في حياة الإمام أحمد يمكن أن يكون رآه وهو صبي زوجات الإمام أحمد وآله قال زهير بن صالح زوج جدي بأم أبي عباسة فلم يولد له منها سوى أبي ثم توفيت ثم تزوج بعدها ريحانة امرأة من العرب فما ولدت له سوى عمي عبدالله قال المروذي سمعت أبا عبدالله ذكر أهله فترحم عليها وقال مكثنا عشرين سنة مختلفنا في كلمة وقال زهير لما توفيت أم عبدالله اشترى جدي حسن فولدت له أم علي زينب والحسن والحسين توأما وماتا بالقرب من ولادتهما ثم ولدت الحسن ومحمدا فعاشا نحو الأربعين وولدت بعدهما سعيدا وكان آسن بني أحمد بن حنبل صالح فولي قضاء أصبهان ومات بها سنة خمس وستين ومائتين عن نيف وستين سنة وأما الولد الثاني فهو الحافظ أبو عبد الرحمن عبدالله بن أحمد راوية أبيه من كبار الأئمة مات سنة تسعين ومائتين عن سبع وسبعين سنة وله ترجمة أفرتها والولد الثالث سعيد بن أحمد فهذا ولد لأحمد قبل موته بخمسين يوما فكبر وتفقه ومات قبل أخيه عبدالله وأما حسن ومحمد وزينب فلم يبلغنا شيء من أحوالهم وانقطع عقب أبي عبدالله فيما نعلم مرضه قال عبدالله سمعت أبي يقول استكملت سبعا وسبعين سنة ودخلت في ثمان وقال صالح لما كان أول ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين حم أبي ليلة الأربع وبات وهو محموم يتنفس تنفسا شديدا وكثر الناس فقال فما ترى قلت تأذن لهم فيدعون لك قال استخير الله ويدخلون عليه أفواجا حتى تمتلئ الدار فيسألونه ويدعون له ويخرجون ويدخلوا فوج وكثر الناس وامتلأ الشارع وأغلقنا باب الزقاق وجاء جار لنا قد خضب فقال أبي إني لأرى الرجل يحيي شيء من السنة فأفرح به فقال لي وجه فاشتري تمرا وكفر عني كفارة يمين وكنت أنام إلى جنبه فإذا أراد حاجة حركني فأناوله وجعل يحرك لسانه ولم يزل يصلي قائما أمسكه فيركع ويسجد وأرفعه في ركوعه قال واجتمعت عليه أوجاع الحصم وغير ذلك ولم يزل عقله ثابتا فلما كان يوم الجمعة الاثنتين عشرة خلت من ربيع الأول لساعتين من النهار توفي وقال المروذي مرض أحمد تسعة أيام وكان ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجا يسلمون ويرد بيده وتسامع الناس وكثر وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل السلطان ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب الأخبار ثم أغلق باب الزقاق فكان الناس في الشوارع والمساجد حتى تعطل بعض الباعة وجاءه حاجب بن طاهر فقال إن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهي أن يراك فقال هذا مما أكره وأمير المؤمنين أعفاني مما أكره وجاء بن هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون عليه وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم ودخل عليه شيخ فقال اذكر وقوفك بين يدي الله فشهق أبو عبد الله وسال الدموع فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال جعلوا لي الصبيان بلسان ثقيل قال فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمهم ويمسح رؤوسهم وعينه تدمع واشتدت علته يوم الخميس ووضأته فقال خل للأصابع فلما كانت ليلة الجمعة ثقلا وقبض صدر النهار فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت وامتلأت السكك والشوارع قال المروذي فأخرجت الجنازة بعد منصرف الناس من الجمعة قال صالح ابن أحمد وجه ابن طاهر يعني نائب بغداد بحاجبه مظفر ومعه غلامان معهما مناديل فيها ثياب وطيب فقالوا يقرئوك السلام ويقول قد فعلت ما لو كان أمير المؤمنين حاضره كان يفعله فقلت أقرئ الأمير السلام وقل له إن أمير المؤمنين قد أعفى أبا عبدالله في حياته مما يكره ولا أحب أن أتبعه بعد موته بما كان يكره فعاد وقال يكون شعارة قولي وقد كانت غزلت له الجارية ثوبا عشاريا قوم بثمانية وعشرين جرهما ليقطع منه قميصين فقطعنا له لفافتين وآخذنا من فوران لفافة أخرى فأدرجناه في ثلاث لفائف واشترينا له حنوطا وفرغ من غسله وكفناه وحضر نحو مئة ونحن نكفنه وجعلوا يقبلون جبهته حتى رفعناه على السرير قال عبد الوهاب الوراق ما بلغنا أن جمعا في الجاهلية ولا الإسلام مثله يعني من شهد الجنازة حتى بلغنا أن الموضع مسح وحزر على الصحيح فإذا هو نحو من ألف ألف يعني مليون رجل حد الذين شهدوا جنازة الإمام أحمد قال موسى بن هارون الحافظ يقال إن أحمد لما مات مسحت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها فحزر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف أو أكثر سوى ما كان في الأطراف والحوالي والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب ينادون من أراد الوضوع قال الخلال سمعت بن أبي صالح القنطري يقول شهدت الموسم يعني الحج أربعين عاما فما رأيت جمعا قطو مثل هذا يعني مشهد أبي عبد الله رحمه الله سير الأمة الأمة الأربعة