من جماليات السيرة النبوية الزهادة العجيبة الزهد ليس دعوى باللسان أو خطبا تردد أو تمنيات صادحة كلا ولكنه واقع يحتمله المر ويعيشه ولا يبالي والسبب أنه يتطلع إلى ما عند الله والدار الآخرة ويخشى الدنيا ومفاتنها ويقول ذلك والدنيا تأتيه من كل مكان فيصنفها في سبيل الله فليس هو عديما منها حتى يتزهد أو يتواضع قال عمر رضي الله عنه في حديث الإيلاء الطويل فرأيت أثر الحصير في جنبه صلى الله عليه وسلم فبكيت فقال ما يبكيك فقلت يا رسول الله إن كسر وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله فقال أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة وحقا فإن الدنيا بثرواتها المتضخمة وفتنها العابثة ليست لأهل الإيمان لما فيها من الصرف والفتنة ولكن دنياه ما يقربهم إلى الله ويستمتعون بها بدون إسراف ولا مخيلة ولذلك وعاها الأنبياء والعقلاء فما خلدوا لها ولن شغلوا بزهرتها حفاظا على دينهم ورسالتهم وفي حديث آخر عند الترمذي اختصر الدنيا وقلل مكثه فيها وأن هدفه فيها هداية الناس وليس المتعة الخالدة والعبث الفاني نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها وهذه صورة رائعة للعظيم المتواضع والوجيه الزاهد الذي يستوي عنده الوطاء الفاره مع الحصير الخشم وتبقى قضيته أسمى بالذلك كله فقد جاء رسولا عظيما محملا بقيام سامية لا تأتلف ولنشغال الدنيوي الفاقر وفائدة ذلك للنفس والعمل والدعوة التواضع والتفكير فيما عند الله والاستعداد للآخرة ورحمة الضعفاء وبعرفة قدر النفس وتهذيم السلوك ومن فتح برؤ على الدنيا إلا تعالى واغتر والسلام