بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ جَمْعِيَّةُ مَوَدَّةٍ تُقَدِّمْ حَدَثَ فِي رَمَدَانِ لِعَدِّ الرَّحْمَانِ رَأْفَةِ الْبَاشَى هَدْمُ الْأَصْنَابِ في رمضان سنة ثمان للهجرة وفي الخامس والعشرين من الشهر المعظم على الأرجح أمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بهدم أكبر صنم كان يُعبد من دون الله في جزيرة العرب كان صنم الذي هوا هو العزة وكانت اليد التي هدمته هي يد سيف الله خالد بن الوليد وللعزة وأترابه من الأصنام في جزيرة العرب قصةٌ مظلمةٌ سوداء طمس ظلامها نور الإسلام وأزال قتامها إشراق الإيمان تبدأ هذه القصة منذ عهد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ذلك أن إسماعيل استوطن مكة المكرمة وكثر فيها نسله واتسعت على مر الأيام ذريته حتى ضاقت بها مكة على رحبها عند ذلك تفسحت ذريته في البلاد وانطلقوا في جزيرة العرب يلتمسون الرزق وكان لا يضعن منهم ضاعن عن مكة إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيمًا لبيت الله فإذا حلوا في مكانٍ من الأمكنة وضعوا الحجر فيه وطافوا به كطوافهم بالكعبة صبابةً بها وأعظامًا لها وحنينًا إليها ثم غبر على ذلك زمنٌ طويل وتتابعت عليه أجيال فعبدت تلك الأحجار من دون الله واتخذها القوم أوثانًا وأربابًا هذا ما كان من شأن الأوثان أما الأصنام فقد اجتلبها إلى جزيرة العرب عمر بن ربيعة وكان حاجبًا للكعبة وسيدًا من سادات العرب مرض عمرٌ هذا مرضًا شديدًا فقيل له إن بالبلقاء من بلاد الشام حمّةً إن أتيتها برئت فآتاها فاستحمّ بها فبرئ ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال ما هذه فقالوا نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا فقدم بها إلى مكة ونصبها حول الكعبة وكان أقدم أصنام العرب مناه دعي كذلك لأن الدماء كانت تمنى عنده تقربًا إليه وإعظامًا له وكان منات منصوبًا على ساحر البحر بين مكة والمدينة وكانت العرب تجلّه وتهابه وتسمي أولادها به من ذلك عبد مناه وزيد مناه وكان أشدّ الناس إعظامًا له الأوس والخزرج ثم اتخذت العرب اللات بعد مناه وأصل اللات صخرة مربعة بالطائف كان يجلس عليها يهودي يلتّ السويق للناس ليأكلوه طريًّا وكان الناس ينادونه اللات فلما مات اليهودي بنت ثقيف فوق الصخرة لنفسها كعبة وصنمى وكانت قريش وسائر العرب تعظّم اللات وبها سمّوا أولادهم فقالوا زيد اللات وتيم اللات ثم اتخذت العرب العزّا بعد ذلك بنوها بأرض نخلة على بعد تسعة أميال من مكة وكانت العزّا أعظم الأصنام عند قريش بنت فوقها بيتًا ليضاهي الكعبة وحمت لها حرما يضاهون به الحرم المكّي وأقاموا عندها منحرا ينحرون فيه الهدي وكانت قريش تخص العزّا بالإعظام فإذا طافت بالكعبة قالت واللات والعزّا ومنات الثالثة الأخرى فإنهن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى وكانوا يقولون عن هذه الأصنام الثلاثة بالأصنام الثلاثة بنات الله تعالى الله عما يشركون علوا كبيرا ولما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين التوحيد عاب العزّا في جملة ما عابه من أصنام قريش فاشتد ذلك عليهم حتى أن سعيد بن العاص لما مرض المرض الذي مات فيه دخل عليه أبو لهب يعوده فقال ما يبكيك يا أبا أحيحة أمن الموت تبكي ولا بد منه قال لا ولكني أخاف ألا تعبد العزّا من بعدي قال أبو لهب والله ما عبدت في حياتك من أجلك حتى تترك عبادتها بعد موتك فقال أبو أحيحة الآن علمت أن لي خليفة يحميها من بعدي وكانت لقريش أصنام أخرى في جوف الكعبة وكان أعظمها هبل وكان هبل من عقيق أحمر على صورة إنسان وقد كان مكسور اليد اليمنى فجعلوا له يدا من ذهب وكان أمام هبل سبعة أقداح مكتوب في أولها صريح وفي الآخر ملصق فإذا شك أحد في مولود أهدوا له بل هدية ثم ضربوا بالقداح فإن خرج صريح ألحق المولود بأبيه وإن خرج ملصق نفوه عنه وكان لكل أهل دار من مكة صنام في دارهم يعبدونه من دون الله فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به فلما بعث الله محمدا بتوحيد الله وإفراده بالعبادة قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وكان الرجل من العرب إذا سافر فنزل في مكان أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا وجعل الثلاثة الباقية موقدا يضع فوقه قدره ويطهو عليه طعامة ولم تخلو عبادة العرب لهذه الأوثان من طرائف من ذلك أن أحدهم مر بصنم من هذه الأصنام المنصوبة فوجد ثعلبان يقف إلى جنب الصنم ويبول على رأسه فقال أرب يبول الثعلبان برأسه لقد هان من بالت عليه الثعلب ومنها أن أمرأ القيس بن حجر جاء الصنم يوم قتل أبوه فرمى القداح بين يديه ليستفتيه في الثأر لأبيه فخرج الزاجر الذي ينهاه عن الأخذ بثأر أبيه فلكز الصنم بقدمه وسبه وشتمه وقال له لو أن أباك قتل لقلت غير هذا وقدم رجل من بني ملكان بإبله على صنم لقومه كان يدعى سعدا وكان يريد أن يقفها عليه ابتغاء بركته فلما رأت الإبل الصنم نفرت من الدم الذي كان يراق عنده وتفرقت في كل مكان فغضب الأعرابي وتناول حجرا فرمى به الصنم وقال أتينا إلى سعد ليجمع شملنا فشتتنا سعد فلا نحن من سعدي وهل سعد إلا صخرة بتنوفة من الأرض لا يدعو لغي ولا رشدي ومن ذلك أن عمر بن الجموح وهو سيد من سادات سلمة كان قد اتخذ في داره صنم فلما أسلم فتيان سلمة وشهدوا مع آبائهم بيعة العقبة وعادوا إلى يثرب كانوا إذا أظلم الليل يدخلون دار عمر ويحملون صنم ويطرحونه في حفرة يجتمع فيها غائط بني سلمة فإذا أصبح عمر قال ويلكم من عدا على آلهتنا هذه الليلة ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه ثم يقول له والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزيته فإذا أمسى ونام غدوا عليه وفعلوا بصنمه مثل ذلك فيغدو يبحث عنه فيجد به مثل ما كان من الأذى فيغسله ويطهره ويطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال له والله إني لا أعلم من يصنع بك ما ترى فإن كان فيك خير فادفع عن نفسك وهذا السيف معك فلما أمسى ونام عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذو كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فغدا عمر فلم يجده في مكانه وإنما وجده في البئر منكسا مقرونا بكلب ميت فكلمه من أسلم من قومه ودعوه إلى الإسلام فأسلم وحسن إسلامه ثم قال يشكر الله إذ أنقذه مما كان فيه من العما والضلالة والله لو كنت إله لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن الحمد لله العلي ذلمنا الواهب الرزاق ديان الدين هو الذي أنقذني من قبل أن أكون في ظلمة قبر مرتهن ظلت جل هذه الأصنام تعبد من دون الله في جزيرة العرب حتى فتح الله على نبيه الفتح المبين فكان ذلك إيذانا بإيدالة دولة الأصنام وأزالة معالم الشرك وكان من فضل رمضان أن هدمت في أيامه الغر سائر الأصنام ففي العشرين من رمضان سنة ثمان للهجرة دخل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه مكة فاتحا فيمم وجهه شطر المسجد الحرام وكانت الأصنام منصوبة حول الكعبة فأخذ طرف رمحه وجعل يطعنها في عيونها ووجوهها فتهوي تحت قدميه وهو يردد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ثم أمر بها فكفئت على وجوهها وأخرجت من المسجد وأضرمت فيها النار وكان على رأسها هبل وفي الرابع والعشرين من رمضان سنة ثمان للهجرة بعث الرسول عليه الصلاة والسلام سعد ابن زيد الأشهلي إلى مناه فهدمها ولم يجد في خزانتها شيئا وفي الخامس والعشرين من رمضان أرسل النبي صلوات الله وسلامه عليه خالد ابن الوليد في ثلاثين فارسا من أصحابه وأمرهم بهدم العزة وكان سدنتها وحجابها من بني شيبان فلما سمع سادنها بمسير خالد إليه علق سيفا عليها وأنشدها قوله أيا عز شذي شدة لا شوالها على خالد ألق القناع وشمري أيا عز إن لم تقتل المرأة خالدا فبوئي بإثم عاجل أو تنصري فلم انتهى إليها خالد هدمها وهو يردد يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك ثم عاد خالد إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه فأخبره بهدم العزة وقال له الحمد لله الذي أكرمنا بك وأنقذنا من الهلكة لقد كنت أرى أبي يأتي العزة وهو يحمل إليها خير ماله من الإبل والغنم فيذبحها للعزة ثم يقيم عندها ثلاثة ثم ينصرف إلينا مسرورا ونظرت إلى ما مات عليه أبي وكيف خدع حتى صار يذبح لما لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع فقال عليه الصلاة والسلام إن هذا الأمر إلى الله فمن يسره للهدى تيسر له ومن يسره للضلالة كان فيها وفي رمضان سنة تسعي للهجرة وفدت ثقيف صاحبة اللات على الرسول صلوات الله وسلامه عليه تعرض إسلامها عليه ويسألونه أن يترك لهم اللات ثلاث سنين لا يهدمها فأبى الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فما برحوا يسألونه سنتا سنة ويأبى عليهم ذلك حتى سألوا شهرا واحدا فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى وأصر على هدمها فسألوه أن لا يهدموها بأيديهم فقال عليه الصلاة والسلام أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه ثم أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم اللات فلما بلغ الطائف خرجت نساء ثقيف حسرا يبكين آلهتهن ويندوا ابنها ويزرين على رجالهن الذين أسلموها ولما هم المغيرة بهدمها قال لأبي سفيان ألا أضحك من ثقيف قال بلى فأخذ الفأس وضرب به اللات ضربة واحدة ثم صاح وخر على وجهه كأنه صعق فارتجت الطائف بالصياح سرورا بأن اللات قد صرعت المغيرة وأقبلوا عليه يقولون ويحك كيف رأيتها إنها تهلك من عاداها إنها تهلك من عاداها فقام المغيرة يضحك من القوم ويهزأ من حمقهم ثم أقبل على اللات يضربها بمعوله وهو يقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحد فرد صمد فهنيئا للمسلمين برمضان هنيئا لهم بأيامه الغر ففيها استخزت الأوثان وفيها جتثت الأصنام