بسم الله الرحمن الرحيم مختصر كتاب رمضان أحداث وعبر وفاة الإمام المزني الزمان في شهر رمضان لست بقيين منه سنة 64 ومائتين للهجرة العلم النافع من الأعمال الصالحة التي تفيد صاحبها بعد وفاته ويأتي ذلك بترك كتاب مصنف أو موقوف أو تلاميذ يعلمون الناس ذلك العلم أو فتاوى يستفيد الخلق منها في بيان الأحكام وحل المشكلات ويدخل ذلك تحت قوله تعالى إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا مات الإنسان إنقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له قال النووي رحمه الله قال العلماء معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها فإن الولد من كسبه وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف وفيه فضيرة الزواج لرجاء ولد صالح وقد سبق بيان اختلاف أحوال الناس فيه وأوضحنا ذلك في كتاب النكاح وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه وبيان فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه والترغيب في توريثه بالتعليم والتصنيف والإيضاح وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع إن من الخير العظيم للعالم أن يكون له تلميذ نجيب صالح يحمل علمه عقب وفاة العالم فينفع الناس به ويخلد علمه وذكره والدعاء له من بعده فيكون بذلك حيا وإن كان في قبره وهذا مما يجعل العلماء يعنون باختيار تلاميذهم وكثرة العناية بفضلائهم رجاء تحقق تلك المنفعة المرجوة وقد كان من أولئك العلماء السعداء بطلابهم النجباء الإمام الشافعي الذي ورث من تلاميذه تلميذا نجيبا هو الإمام المزني الذي نقل للأمة علم شيخه وفقه حتى قال فيه الشافعي في حياته المزني ناصر مذهبه فتحققت مقولة الشافعي فيه بعد مماته قال أبو الحسن بن عبد السلام حدثن الفقيه أبو إسحاق قال فأما الشافعي رحمه الله فقد انتقل فقهه إلى أصحابه فمنهم أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيا بن إسماعيل بن عمر بن إسحاق المزني وقال الذهبي أخذ عنه خلق من العلماء وبه انتشر مذهب الإمام الشافعي في الأفاق اسم المزني ونسبه ومولده رحمه الله هو الإمام العلامة فقيه الملة علم الزهاد أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيا بن إسماعيل بن عمر بن مسلم المزني النصري تلميذ الشافعي والمزني هذه النسبة إلى مزينة بنت كلب وهي قبيلة كبيرة مشهورة ولد في مصر سنة موت الليث بن سعد عام 75 ومئة للهجرة علمه وثناء العلماء عليه رحمه الله كان الإمام المزني على علم جم وفقه عم قوي العارضة بالفهم وكانت عنايته بالفقه أكثر من غيره من العلوم فهو قليل الرواية ولكنه كان رأسا في الفقه ولم يكن له شيوخ كثر بل كانت ملازمته للشافعي هي الغالبة عليه وقد حدث عن الشافعي وعن علي بن معبد بن شداد ونعيم بن حماد ولكن كان له تلاميذ كثيرون أخذوا عنه منهم إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة وأبو الحسن بن جوصا وأبو بكر بن زياد النيسابوري وأبو جعفر الطحاوي ابن أخته وأبو نعيم بن عدي وعبد الرحمن بن أبي حاتم وأبو الفوارس بن الصابوني فلق كثير من المشارقة والمغاربة وكان رحمه الله ذا قدرة فائقة في المحاجة والمناظرة حتى نقل عن الشافعي قوله فيه لو ناظر الشيطان لغلبه وقال ابن خل كان عنه وكان زاهدا عالما مجتهدا محجاجا غواصا على المعاني الدقيقة وهو إمام الشافعيين وأعرفهم بطرقه وفتاويه وما ينقله عنه وكان رحمه الله عالما شكورا لله على فضله في تعليمه وتفهيمه فإنه كان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصرة قام إلى المحراب وصلى ركعتين شكرا لله تعالى ولعل هذا من أسباب جعل البركة في مختصره كما سيأتي وكهذا الصنع صنع البخاري ولكن قبل جعله الحديث في الصحيح فقد قال محمد بن يوسف الفربري قال لي محمد بن إسماعيل البخاري ما وضعت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين وقال أيضا ما أدخلت في الصحيح حديثا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحة وبهذه وغيرها بورك في صحيح البخاري رحمه الله عبادته وتألهه رحمه الله العلم النافع حينما يلامس شغاف فؤاد المر يورثه إقبالا على العمل به وتوظيفه فيما يدعو إليه من فعل الخير واجتناب الشر وهكذا كان الإمام أبو إبراهيم فإن علمه قد كساه نزوعا عن الدنيا وإقبالا على الآخرة فعرف بين الناس بزهده وورعه وتقواه قال عمر بن عثمان المكي ما رأيت أحدا من المتعبدين في كثرة من لقيت منهم أشد اجتهادا من المزني ولا أدوم على العبادة منه وما رأيت أحدا أشد تعظيما للعلم وأهله منه وكان من أشد الناس تضييقا على نفسه في الورع وأوسعه في ذلك على الناس وكان يقول أنا خلق من أخلاق الشافعي تصانيفه رحمه الله للإمام المزني رحمه الله مؤلفات متعددة غالبها في الفقه ومسائل المذهب فمن تلك المؤلفات الجامع الكبير والجامع الصغير والمنثور والمسائل المعتبرة والترغيب في العلم وكتاب الوثائق غير أن أشهر كتبه وأبعدها صيتا وأكثرها شروحا من علماء المذهب هو كتابه المختصر الذي عرف بمختصر المزني وقد أثنا عليه أهل العلم وتحدثوا عن ذيوعه بين الناس قال أبو العباس أحمد بن سريج يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفض وهو أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي رضي الله عنه وعلى مثاله رتبوا ولكلامه فسروا وشرحوا وقال الذهبي وامتلأت البلاد بمختصره في الفق وشرحه عدة من الكبار بحيث يقال كانت البكر يكون في جهازها نسخة بمختصر المزني وفاته رحمه الله امتد عمر المزني فانتفع الناس بعلمه وتصانيفه وبعد ذلك العمر المديد الذي قضاه في العلم والعمل به وافته المنية بمصر في رمضان لست بقيين منه سنة أربع وستين ومئتين للهجرة وله تسع وثمانون سنة ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي رضي الله عنه بالقرافة الصغرى بسفح المقطم رحمه الله تعالى رمضان أحداث وعبر