بسم الله الرحمن الرحيم خير القرون مواقفاً ومثالاً تبع الرسول إذا سعى أو قالا جمعية مودة تقدم صور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سعيد بن جبي رحمه الله كان فتاً وثيق الجسم مكتمل الخلق متدفقاً حيوية ونشاطا وكان إلى ذلك ذكي الفؤاد حاد الفطنة نزاعاً إلى المكارم متأثماً من المحارم ولم يكن سواد لونه وفلفلة شعره وحبشية أصله لتنال من شخصيته المتميزة الفذة وذلك على الرغم من حداثة سنه ولقد أدرك الفتا الحبشي أصلاً العربي ولاء أن العلم إنما هو طريقه القويم الذي يوصله إلى الله وأن التقى إنما هي سبيله الممهدة التي تبلغ به الجنة فجعل التقى في يمينه والعلم في شماله وشد عليهما يديه كلتيهما وانطلق يقطع بهما رحلة الحياة غيروان ولا متمهل فمنذ نعومة أظفاره كان الناس يرونه إما عاكفاً على كتابه يتعلم أو صافاً في محرابه يتعبد ذلكم هو رائعة المسلمين في عصره سعيد بن جبير رضي الله عنه وأرضاه أخذ الفتى سعيد بن جبير للعلم عن طائفة من جلة الصحابة من أمثال أبي سعيد الخدري وعدي بن حاتم الطائي وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة الدوسي وعبد الله بن عمر وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعنهم أجمعين بيد أن أستاذه الأكبر ومعلمه الأعظم كان عبدالله بن عباس حبر أمة محمد وبحر علمها الزاخر لزم سعيد بن جبير عبدالله بن عباس لزوم الظل لصاحبه فأخذ عنه القرآن وتفسيره والحديث وغريبة وتفقه على يديه في الدين وتعلم منه التأويل ودرس عليه اللغة فتمكن منها أعظم التمكن حتى غدا وما على ظهر الأرض أحد من أهل زمانه إلا وهو محتاج إلى علمه ثم طوف في ديار المسلمين بحثا عن المعرفة ما شاء الله أن يطوّف فلما اكتمل له ما أراد من العلم اتخذ الكوفة دارا له ومقاما وغدا لأهلها معلما وإماما كان يأم الناس في رمضان فيقرأ ليلة بقراءة عبدالله بن مسعود وأخرى بقراءة زيد بن ثابت وثارثة بقراءة غيرهما وهكذا وكان إذا صلى منفردا فربما قرأ القرآن كله وكان إذا مر بقول الله عز وجل مر بنحوها من آيات الوعد والوعيد إقشع رجلده وتصدع فؤاده وهمت عيناه ثم لا يزال يبدأ فيها ويعيد حتى يوشك أن يقضي نحبة وقد أب على شد رحاله إلى البيت الحرام كل عام مرتين مرة في رجب محرما محرما بعمرة وأخرى في ذي القعدة محرما بحج وقد كان طلاب العلم وشدات الخير والبر والنصح يتوافدون على الكوفة لينهلوا من مناهل سعيد بن جبير الثرات العذبة ويغترفوا من هديه القويم فهذا يسأله عن الخشية ماهي فيجيبه بقوله الخشية أن تخشى الله جل وعز حتى تحول خشيته بينك وبين معاصيك وذاك يسأله عن الذكر ماهو فيقول الذكر هو طاعة الله جل وعلا فمن أقبل على الله وأطاعه فقد ذكره ومن أعرض عنه ولم يطعه فليس بذاكر له ولو بات ليله يسبح ويتلو وقد كانت الكوفة حين اتخذها سعيد بن جبير دار إقامة له خاضعة للحجاج بن يوسف الثقفي إذ كان الحجاج يومئذ واليا على العراق والمشرق وبلاد ما وراء النهر وكان يتربع حينئذ على ذروة سطوته وسلطانه وذلك بعد أن قتل عبدالله بن الزبير وقضى على حركته وأخضع العراق لسلطان بن أمية وأخمد نيران الثورات القائمة هنا وهناك وأعمل السيف في رقاب العباد وأشاع الرعب في أرجاء البلاد حتى امتلأت القلوب رهبة منه وخشية من بطشه ثم شاء الله أن يقع صدام بين الحجاج بن يوسف الثقفي وبين عبد الرحمن بن الأشعث أحد كبار قواده وأن يتحول الصدام إلى فتنة أكلت الأخضر واليابس وتركت في جسم المسلمين جراحات غائرة وكان من خبر هذه الفتنة أن الحجاج سير بن الأشعث بجيش لغزو رتبيل ملك الترك على المناطق الواقعة وراء سجستان فغز القائد الباسل المظفر شطرا كبيرا من بلاد رتبيل واحتل حصونا منيعة من دياره وغنم مغانم كثيرة من مدنه وقراه ثم بعث إلى الحجاج رسلا زفوا له بشائر النصر الكبير وحملوا معهم خمس الغنائم لتستقر في خزائن بيت مال المسلمين وكتب له كتابا استأذنه فيه بالتوقف عن القتال مدة من الزمن ليختبر مداخل البلاد ومخارجها ويقف على طبيعتها وأحوالها وذلك قبل التوغول في شعابها القاصية المجهولة وتعريض الجيش الظافر للمخاطر فغتاض الحجاج منه وأرسل إليه كتابا يصفه فيه بالجبن والخنوع وينذره بالويل والثبور ويهدده بالتنحية عن قيادة الجيش فجمع عبد الرحمن وجوه الجند وقادة الكتائب وقرأ عليهم كتاب الحجاج واستشارهم فيه فدعوه إلى الخروج عليه والمبادرة إلى نبذ طاعته فقال لهم عبد الرحمن أتبايعونني على ذلك وتؤازرونني على جهاده حتى يطهر الله أرض العراق من رجسه فبايعه الجند على ما دعاهم إليه هب عبد الرحمن بن الأشعث بجيشه الممتلئ كراهة للحجاج ونشبت بينه وبين جيوش بن يوسف الثقافي معارك طاحنة انتصر فيها نصرا مؤزرا فتم له الاستيلاء على سجستان وجل بلاد فارس ثم أقبل يريد انتزاع الكوفة والبصرة من يدي الحجاج وفيما كانت نيران الحرب مشتعلة بين الفريقين وكان ابن الأشعث ينتقل من ضفر إلى ضفر وقع للحجاج خطب زاد خصمه قوة ذلك أن ولاة الأمصار كتبوا إلى الحجاج كتبا قالوا فيها إن أهل الذمة قد طفقوا يدخلون في الإسلام ليتخلصوا من دفع الجزية وقد تركوا القرى التي يعملون فيها واستقروا في المدن وإن الخراج قد اضمحل وإن الجبايات قد أفلست فكتب الحجاج إلى ولاته في البصرة وغيرها كتبا يأمرهم فيها بأن يجمعوا كل من نزح إلى المدن من أهل الذمة وأن يعيدوهم إلى القرى مهما طال نزوحهم عنها فصدع الولاة بالأمر وأجلوا أعدادا كبيرة من هؤلاء عن ديارهم وأبعدوهم عن موارد أرزاقهم وحشدوهم في أطراف المدن وأخرجوا معهم نساءهم وأطفالهم ودفعوهم دفعا إلى الرحيل إلى القرى بعد أن مضى على فراقهم لها حين من الدهر فأخذ النساء والولدان والشيوخ يبكون ويستصرخون ويستغيثون وينادون وا محمدا هو وا محمدا وحاروا فيما يفعلون وإلى أين يذهبون فخرج إليهم فقهاء البصرة وقراءها ليغيثوهم ويشفعوا لهم فلم يتمكنوا من ذلك فطفقوا يبكون لبكاءهم ويستغيثون لمصابهم اغتنم عبد الرحمن بن الأشعث هذه الفرصة ودع الفقهاء والقراء إلى مؤازرته فاستجابت له كوكبة من جلة التابعين وأئمة المسلمين وعلى رأسهم سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلا والشعبي وأبو البختري وغيرهم وغيرهم ودارت رحل حرب بين الفريقين وكان النصر فيها أول الأمر لابن الأشعث ومن معه على الحجاج وجنوده ثم بدأت كفة الحجاج ترجح شيئا فشيئا حتى هزم ابن الأشعث هزيمة منكره وفر ناجيا بنفسه واستسلم جيشه للحجاج وجنوده أمر الحجاج مناديه أن ينادي في المقاتلين المهزومين وأن يدعوهم لتجديد بيعته فاستجاب أكثرهم له وتوارى بعضهم عنه وكان بين المتوارين سعيد بن جبير رضي الله عنه وأرضاه فلما أخذ المستسلمون يتقدمون تباعا لبيعته فوجئوا بما لم يكن في حسبانهم فلقد جعل يقول للواحد منهم أتشهد على نفسك بأنك قد كفرت بنقض بيعتك روال أمير المؤمنين فإذا قال نعم قبل منه تجديد بيعته وأطلق سراحه وأذا قال لا قتله فكان بعضهم يخضع له ويقر على نفسه بالكفر لينقذ نفسه من القتل وكان بعضهم يستكبر ذلك ويستنكره فيدفع رقبته ثمنا لإبائه واستنكاره ولقد ذاعت أخبار تلك المجزرة الرهيبة التي قتل فيها بضعة آلاف من الرجال ونجا منها بضعة آلاف بعد أن دمغوا أنفسهم بالكفر من ذلك أن شيخا معمرا من قبيلة خثعم كان معتزلا للفريقين مقيما وراء الفرات فسيق إلى الحجاج مع من سيقوا إليه فلما أدخل عليه سأله عن حاله فقال ما زلت منذ شبت هذه النار معتزلا وراء هذا النهر منتظرا ما يسفر عنه القتال فلما ظهرت وظفرت أتيتك مبايعا فقال له تبا لك أتقعد متربصا ولا تقاتل مع أميرك ثم زجره قائلا أتشهد على نفسك بأنك كافر فقال بئس الرجل أنا إن كنت عبدت الله ثمانين عاما ثم أشهد بعد ذلك على نفسي بالكفر فقال له إذا أقتلك فقال وإن قتلتني فوالله ما بقي من عمري إلا ضمء حمار فإنه يشرب غدوة ويموت عشية وإني لأنتظر الموت صباح مساء ففعل ما بدالك فقال الحجاج لجلاده اضرب عنقه فضرب الجلاد عنقه فلم يبق أحد في المجلس من شيعة الحجاج أو من عدوه إلا أكبر الشيخ المعمر ورثا له وترحم عليه ثم إنه دعا بك ميل بن زياد النخعي وقال له أتشهد على نفسك بالكفر فقال والله لا أشهد فقال إذا أقتلك فقال اقضي ما أنت قاض وإن الموعد فيما بيننا عند الله وبعد القتل الحساب فقال له الحجاج ستكون الحجة يومئذ عليك لا لك فقال له ذلك إذا كنت أنت القاضي يومئذ فقال الحجاج اقتلوه فقدم وقتل ثم قدم إليه رجل آخر كان يكرهه ويشتهي أن يظفر بقتله لما كان ينقل إليه من سخريته به فبادره قائلا إني أرى أمامي رجلا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر فقال الرجل لا تورطني وتخدعني عن نفسي فأنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون ذي الأوتاد فخلى سبيله وهو يتحرق ضمأً لقتله ذاعت أخبار تلك المهلكة الرهيبة التي قتل فيها بضعة آلاف من المؤمنين الراسخين ونجى منها بضعة آلاف ممن أكره على دمغ أنفسهم بالكفر فأيقن سعيد بن جبير أنه إن وقع بين يدي الحجاج غدا بين اثنتين لا ثالثة لهما فإما أن تدق عنقه وإما أن يقر على نفسه بالكفر وهما أمران أحلى هما مر فآثر أن يخرج من بلاد العراق وأن يتوارى عن الأنظار وظل يضرب في أرض الله الواسعة مستخفيا عن الحجاج وعيونه حتى لجأ إلى قرية صغيرة في أراضي مكة وبقي على حاله هذه عشر حجج كاملات كانت كافية لأن تطفئ نيران الحجاج الحجاج المتقدة في قلبه وأن تزيل ما في نفسه من ضغن عليه بيد أنه حدث ما لم يكن يتوقعه أحد ذلك أنه قدم على مكة وال جديد من ولاة بني أمية هو خالد بن عبد الله القسري فتوجس أصحاب سعيد بن جبير خيفة منه لما كانوا يعرفون من سوء سيرته وتوقع الشر على يديه فجاء بعضهم إلى سعيد وقالوا له إن هذا الرجل قدم مكة وإنا والله لا نأمنه عليك فاستجب لطلبنا واخرج من هذا البلد فقال والله لقد فررت حتى صرت أستحي من الله ولقد عزمت على أن أبقى في مكاني هذا وليفعل الله بما يشاء لم يكذب خالد ظن السوء الذي ظنه الناس به فما إن علم بمكان سعيد بن جبير حتى أرسل إليه سرية من جنوده وأمرهم أن يسوقوه مقيدا إلى الحجاج في مدينة واسط فأطبق الجند على بيت الشيخ وألقوا القيد في يديه على مرأة من بعض أصحابه وأذنوه بالرحيل إلى الحجاج فتلقاهم هذه النفس مطمئن القلب ثم التفت إلى أصحابه وقال ما أراني إلا مقتولا على يدي ذلك الظالم ولقد كنت أنا وصاحبان لي في ليلة عبادة فاستشعرنا حلاوة الدعاء فدعونا الله بما دعونا وتضرعنا إليه بما شاء أن نتضرع ثم سألنا الله جل وعز أن يكتب لنا الشهادة وقد رزقها الله لصاحبي كليهما وبقيت أنا أنتظرها ثم إنه ما كاد ينتهي من كلامه حتى طلعت عليه بنية صغيرة له فرأته مقيدا والجند يسوقونه وشبثت به وجعلت تبكي وتنشج فنحها عنه برفق وقال لها قولي لأمك يا بنية إن موعدنا الجنة إن شاء الله تعالى ثم مضى بلغ الجند بالإمام الحبر العابد الزاهد التقي النقي الورع مدينة واسط وأدخلوه على الحجاج فلما صار عنده نظر إليه في حقد وقال مسمك فقال سعيد بن جبير فقال بل شقي بن كسير فقال بل كانت أمي أعلم باسمي منك فقال ما تقول في محمد قال تعني محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه فقال نعم قال سيد ولد آدم النبي المصطفى خير من بقي من البشر وخير من مضى حمل الرسالة وأدى الأمانة ونصح لله ولكتابه ولعامة المسلمين وخاصتهم قال فما تقول في أبي بكر قال هو الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب حميدا وعاش سعيدا ومضى على منهاج النبي صلوات الله وسلامه عليه لم يغير ولم يبدل قال فما تقول في عمر قال هو الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل وخيرة الله وخيرة رسوله ولقد مضى على منهاج صاحبي فعاش حميدا وقتل شهيدا قال فما تقول في عثمان قال هو المجهز لجيش العسرة الحافر بئرى رومة المشتري بيتا لنفسه في الجنة صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتي ولقد زوجه النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من السماء وهو المقتول ظلما قال فما تقول في علي قال ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من أسلم من الفتيان وهو زوج فاطمة البتول وأبو الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة قال فأي خلفاء بني أميت أعجب لك قال قال أرضاهم لخالقهم قال فأيهم أرضا للخالق قال علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم قال فما تقول في قال أنت أعلم بنفسك قال بل أريد علمك أنت قال إذن يسوؤك ولا يسرك قال لا بد من أن أسمع منك قال إني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله تعالى تقدم على أمور تريد بها الهيبة وهي تقحمك في الهلكة وتدفعك إلى النار دفعا قال أما والله لأقتلنك قال إذن تفسد علي دنياي وأفسد عليك آخرتك قال اختر لنفسك أي قتلة شئت قال بل اخترها أنت لنفسك يا حجاج فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة قال أفتريد أن أعفو عنك قال إن كان عف فمن الله تعالى أما أنت فلا براءة لك ولا عذر فاغتاض الحجاج وقال السيف والنطع يا غلام فتبسم سعيد فقال له الحجاج وما تبسمك قال عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عليك فقال أقتله يا غلام فاستقبل سعيد للقبلة وقال وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين فقال احرفوا وجهه عن القبلة فقال فأينما تولو فثم وجه الله فقال كبوه على الأرض فقال منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى فقال اذبحوا عدو الله فما رأيت رجلا أدعى منه لآيات القرآن فرفع سعيد كفيه وقال اللهم لا تسلط الحجاج على أحد بعد لم يمضي على مصرع سعيد بن جبير غير خمسة عشر يوما حتى حم الحجاج واشتدت عليه وطأة المرض فكان يغفو ساعة ويفيق أخرى فإذا غفى غفوة صغيرة استيقظ مذعورا وهو يصيح هذا سعيد بن جبير آخذ بخناقي هذا سعيد بن جبير يقول فيما قتلتني ثم يبكي ويقول ما لي ولسعيد بن جبير ردوا عني سعيد بن جبير فلما قضى نحبه ووري ترابة رآه بعضهم في الحلم فقال له ما فعل الله بك في من قتلتهم يا حجاج فقال قتلني الله بكل امرئ قتلة واحدة وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتله قتل سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه أحمد بن حنبن يقول إذا سعى أو قال كانوا هنا يسقون غيم حياتنا فما مو فينا ذكرهم يتعالى رحلوا وألقوا في الظمير سؤالا هل مثلهم نجم سما وتلالا ملأوا الحياة مفاخراً بالفعلهم وزهت فيهم دلأنا