خلاصة مفاهيم أهل السنة خطورة أمراض القلوب إذا كان القلب ملك الأعضاء وبصلاحه يصلح الجسد كله كما سبق بيانه في أعمال القلوب ففساده أيضا فيه فساد الجسد كله كما ورد في الحديث لذا فكما وجبت العناية بأعمال القلوب الباطنة لإصلاح أعمال الجوارح الظاهرة فيجب كذلك الانتباه إلى أمراض القلوب الباطنة والحذر منها حتى لا تفسد الأعمال الظاهرة وحتى لا يهلك المرء رغم تورعه عن بعض الصغائر والمشتبهات لإهماله هذه الأمراض القلبية المهلكة النفاق ومرض القلب يعد النفاق من آكد وأخطر أمراض القلوب سواء أن أكان ذلك نفاقا أكبر اعتقاديا أو نفاقا أصغر عمليا وهما النوعان الذان سبق تفصيلهما في مفاهيم العقيدة والذي يعنينا هنا هو بيان أن النفاق من أخطر أمراض القلوب حتى أنك لا تكاد تجد آية في كتاب الله يذكر فيها مرض القلب إلا وكان ذلك في سياق الكلام عن النفاق وأهله سواء أن ذكر فيه لفظ النفاق صراحة أو لم يذكر فمما ذكر فيه اللفظ صراحة قول الله تعالى إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم وقوله تعالى وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ومما لم يذكر فيه لفظ النفاق قول الله تعالى في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وقوله تعالى فتر الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فخلاف المنافقين مع أهل الحق ليس خلافا في قضية فكرية واحدة وإنما جهاز العدالة عندهم القلب مريض معتل فهم في قلوبهم مرض الهوى الهوى هو ميل النفس لما تحبه وتهوى فإذا كان ذلك فيما يخالف ما أمر الله به أو أباحه فهو من أخطر أمراض القلوب وأكثرها تأثيرا سلبيا على النفس إذ هو الدافع الأساس لكل طريان وتجاوز وعصيان فلأحد أضل ممن كان هذا حاله كما قال تعالى ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين بل إن اتباع الهوى لا يزال يبعد بالمر عن أمر الله تعالى حتى يتخذه إلها من دون الله قال تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون يصبح الهوى إلها لأنه يصد المرأة عن الحق الذي يأمر به الله ويكون هو المتبع من دون الله تعالى الهوى يعمي ويصم ويوقع صاحبه في حماقات إذا تمكن الهوى من المر فإنه يعميه ويصمه كما ورد في الآية السابقة ويوقعه في تناقضات وحماقات لا يرتكبها صاحب عقل أبدا فقد أعمى الهوى بصيرة قريش فرفضت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بدعوى أنه بشر مع أنها تتخذ إلها من حجر الهوى يوقع في الكفر أو الفسق أو التعصب تتنوع أضرار اتباع الهوى ما بين الوقوع في الكفر أو الفسق أو التعصب والتحزب فالكفار يدفعهم هواهم إلى رفض الحق والتعصب لما كان عليه آباؤهم مع علمهم ببطلان ماهم عليه وأن ما تدعوهم إليه الرسل هو الحق المبين وأهل المعاصي والفسق يدفعهم هواهم إلى الدفاع عن فسقهم وفجورهم بتأويلات باردة وتبريرات زائفة وقد يوقع الهوى حتى بعض طلاب العلم في رد الحق في بعض المسائل رغم وضوحه وما ذلك إلا تعصب لآراء شيوخهم ومذهبهم ولو كانت باطلة مما يتسبب في التحزب والفرقة والخلاف بين أتباع الدين الواحد بدلا من الوحدة والاعتلاف من أقوال السلف في مجاهدة الهوى والتحذير منه قال الحسن البصري أفضل الجهاد جهاد الهوى وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه ويخالفه إذا خالف هواه فإذا أنت لا تثاب على ما وافقته من الحق وتعاقب على ما تركته منه لأنك إنما اتبعت هواك في الموضعين هناك أسباب عديدة تدفع المرأة للوقوع في الهوى ومخالفة الحق فمن ذلك أولا أن يرى الإنسان أن اعترافه بالحق يستلزم اعترافه بأنه كان على الباطل أو اقراره بأن آباءه أو شيوخه أو متبوعيه كانوا على الباطل وأن في ذلك انتقاصا لهم وله ومن الوجه السابق أيضا أو قريب منه الكبر يستكبر أن يتبع الحق بسبب أن الذي بينه له شخص آخر ولم يهتد إليه هو ببحثه ونظره ثالثا ويلحق بالكبر أيضا الحسد فيحسد غيره على اهتدائه للحق وبيانه له ويدفعه ذلك إلى عدم اقراره به حتى لا يعترف بفضل صاحب الحق وعلمه رابعا أن يكون المرء قد صار له في الباطل جاهن وشهرة ومنافع دنيوية فيشق عليه أن يعترف بالباطل وتذهب عنه تلك الفوائد أكثر الناس يغلب عليهم الهوى من أوضح الأدلة على غلبة الهوى على أكثر الناس أنك تراهم على أديان مختلفة ومقالات متباينة ومذاهب متفرقة وآراء متدافعة ثم تراهم مع ذلك كما قال الله تعالى فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون من علامات مدعي العلم صاحب الهوى لمن يدعي العلم ولكنه يميل إلى هوى علامات يعرف بها فمن ذلك أولا الشغب بالباطل على الحق وأهله فكلما عرض عليه دليل يخالف رأيه وهوى اجتهد في رده بأي صورة كانت بالتشويش أو الافتراء أو الاحتيال ثانيا انتقاء الدليل الذي يوافق هوى وترك ما يخالفه فلولاح له من آية ما يراه شاهدا على صحة هوى تمسك بها ولولاح له من أخرى ما يخالف هوى تجاهلها وأعرض عنها ولو وجد حديثين لا يعرف صحتهما من ضعفهما وأحدهما يوافق هوى تمسك به وأهمل الآخر دون النظر إلى مسألة تصحيح الأحاديث وتضعيفها ثالثا تخصيص حكم المسألة أو تعميمه وفقا لهوى دون قواعد التعميم والتخصيص المعمول بها في علم الأصول فلو كان الحكم في موضع خاص ولكن التعميم يحقق هوى جعله عاما والعكس بالعكس كمن جعل آية الحجاب خاصة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم مع أن عمومها واضح من منطوقها يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما رابعا لو تنازع رجلان في قضية واستفتياه فيها وكان يعرف أحدهما ويميل إليه قلبه ولا يعرف الآخر أو يعرفه ويبغضه حكم لمن يميل إليه قلبه ولو لم يستحضر حكم المسألة المتنازع عليه وأدلتها وبالجملة فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى والواجب على العالم أو طالب العلم أن يفتش عن هوى نفسه حتى يعرفه ثم يحترز منه غاية الاحتراز ويمعن النظر في الحق من حيث هو حق في ذاته بمعزل عن هوى كيف يدفع المرء الهوى وثمرة هذه المدافعة أقوى ما يدفع المرء به الهوى عن نفسه هو تقوى الله عز وجل والخوف من عقابه واستحضار ثمرة هذه التقوى وجزاءها فإن ذلك هو الحاجز الصلب أمام هجمات الهوى العنيفة وليعلم أن الله لم يكلفه أن لا يشتجر الهوى في نفسه فإن ذلك خارج عن طاقته ولكنه كلفه أن ينهى نفسه عن هذا الهوى ويدفعه وكتب له بهذه المدافعة وهذا الجهاد الشاق الجنة مثابة ومأوى قال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى كما عليه أيضا أن يتذكر عاقبة طغيان الهوى ومآله فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ويندرج تحت ما سبق أيضا أن يتذكر شرف الحق وفضل أهله ووضاعة الباطل وسفالة أهله وما يستحقونه من مقت الله وعذابه ومما يعين على ترك الهوى الذي يميل به إلى رأي أسلافه وشيوخه مع مخالفته للحق أن يستحضر أن الذي يعنيه هو حاله هو في نفسه فلا يضره عند الله أن يخالف أشياقه مادام قد لاحله الحق في خلافهم بل الذي يضره هو متابعتهم على ما يعلم أنه خلاف الحق وشيوخه قد يكونون معذورون ومأجورون فيما ذهبوا إليه لعدم ثبوت دليل الحق لديهم في المسألة أو لتأويل سائغ لديهم مع عدم قيام الحجة عليهم فيما خالفوا فيه ومما يعين على مخالفة الهوى أيضا اعتماد الأخذ بالأحوط في المسألة لذلك هواه وما نشأ عليه فلو وجد من أهل العلم من ينكر بعض ما اعتادته نفسه وما لإليه هواه مع شرفهم وعلو مكانهم أخذ لدينه بالأحوط وترك ما اعتاد عليه صيانة لدينه وإيثارا للسلامة حب الدنيا والركون إليها حب الدنيا مركوز في فطر الناس كما قال تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ولا ضير في هذا الحب إن لم يتجاوز قدره المأذون فيه قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وإنما يتوجه الذم ويكمن الخطر حين يطغى هذا الحب في قلب المرء حتى يؤثر الدنيا على الآخرة كما قال تعالى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال قترفتموها وتجارة وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله وحين يصل الأمر إلى حد إيثار الدنيا على الآخرة يصبح ذلك مرضا قلبيا فإذا فشى في الأمة تسبب في ضياع كل من الدنيا والآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولا ينزعنا الله من صدور عدوكم المهابة منكم ولا يقذفن في قلوبكم الوهن قال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني وقال صلى الله عليه وسلم أيضا والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم متفق عليه وإيثار الدنيا على الآخرة يكون بالوقوع في الحرام لتحصيل متاعها كما يكون بتسببها في التقاعس عن أعمال الآخرة الواجبة وليعلم المر أن هناك تناسبا طرديا اليوم بين التكثر من أمور الدنيا وكثرة الوقوع في الشبهات والشهوات فليكن على وجل من ذلك كيف يعلم المر أنه مؤثر للدنيا على الآخرة على المر أن ينظر إلى همه للدنيا وما يشغله من حيز في نفسه وتفكيره وعمله وهمه للآخرة وأعمالها فإن وجد هم الدنيا والسعي لها من تجارة ووظيفة إلى آخر ذلك أكبر من هم الآخرة وسعيها وهذا هو حال غالب الناس اليوم إلا من رحم ربي فقد طغت دنياه على آخرته وآثرها عليها وأصبح قلبه مريضا بحب هذه الدنيا الفانية وكان على خطر كبير وأمر جلال مرير وليحذر المر والدعاة إلى الله خصوصا من الدعاء التوسع في الدنيا فذلك مسلك وعر خطير والله أعلم بالسرائر فكم رأينا من هؤلاء من توغلوا في الدنيا فأخذتهم بأمواجها وركنوا إليها ووضع لهم الشيطان في كل واد من أوديتها شغلا وهما نسأل الله الجليل العفو والعافية وأن يرزقنا هما العمل لهذا الدين ونصرته والدعوة في سبيله متجاوزين بذلك حب شهوات الدنيا في نفوسنا قسوة القلب وعدم رقته وخشوعه لقسوة القلب وعدم رقته أسباب عدة فالسبب الرئيس هو ضعف العلم بالله عز وجل وبأسمائه الحسنى مما ينشأ عنه ضعف تعظيم الله تعالى في القلب وقلة الخوف منه سبحانه فينتج عن ذلك سائر أمراض القلوب أيضا امتلاء القلب بحب الدنيا وشهواتها إذ كيف يمكن لقلب تفرق في شعب الدنيا وأوديتها أن يتدبر أو يرق ويخشع لجلال الله وعظمته فإذا ضاف إلى حب الدنيا كثرة استحكم تحجر القلب كما قال تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون أي غشت قلوبهم وغطتها معاصيهم قال صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر زادة زادت حتى يعلو قلبه الران الذي ذكر الله عز وجل في القرآن رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني فإذا تحجر القلب وذهب منه الخشوع فربما بدى على الجسد فحسب خشوع كاذب أجوف يسميه بعض السلف خشوع نفاق والقلب غير خاشع وصاحب القلب القاسي المتحجر لا تنفعه الآيات والمواعب ويصدق فيه قول الله تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ولا ترده البلايا والمحن بل يصبح من المعرضين كما قال تعالى في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون الشرك الخفي والرياء يقول الله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وهذه الآية كما تصدق على الشرك الأكبر المخرج من الملة فهي تتناول أيضا الشرك الأصغر الخفي الذي قد لا ينفك عنه كثير من الناس حيث يتسلل إلى قلوبهم دون أن يلحظوه فهو أخفى عليهم من دبيب نمل فمنهم من يشرك مع قدرة الله سببا من الأسباب ومن يشرك مع رجاء الله التعلق بغيره من عباده ومع الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى للصحابة يوم أحد منكم من يريد الدنيا وأكد أنواع الشرك الأصغر الخفي وأخطره الرياء وذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر إن الله يقول يوم تجاز العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون بأعمالكم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ويكفي في خطورة الرياء أنه محبط للعمل كما في الحديث السابق وكما في الحديث القدسي أيضا من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ولا تنحصر أضرار إرادة الدنيا بعمل الآخرة في إحباط ثواب العمل يوم القيامة بل إنها تكون مع ذلك سببا في ضياع الدنيا أيضا على مستوى الأمة إذ لو جعل بعض المؤمنين الدنيا هي الموجه الرئيس للعمل كما حدث يوم أحد منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة إلا أنه سابق عليه ومسبب الله فالعجب هو أن ترى أن عندك شيئا ليس عند غيرك فيتسبب ذلك في احتقارك لمن تظنهم دونك وتتكبر عليهم فالعجب يكون النظر فيه أساسا إلى النفس وخصائصها وهو مرض قلبي رزي بينما يكون النظر في الكبر إلى الناس العجب في العبادة قد يؤدي إلى استكثارها وقطعها اكتفاء بما حصل منها وربما يحبطها قال الحسن في تفسير قول الله تعالى ولا تمنن تستكثر لا تمنن بعملك على ربك تستكثر وهو ما رجحه الطبري في تفسيره وقال مطرف بن عبد الله لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحب إلي من أن أبيت قائما وأصبح معجبا يشير بذلك إلى خطورة إعجاب المرء بنفسه وعمله الفرق بين العجب والفرح بالحسنة ينبغي أن لا يخلط المرء بين الفرح بحسنته وطاعته والعجب بها ففرح المؤمن بحسنته إنما هو فرح بتوفيق الله لأدائها واستبشار بثمرتها ورجاؤها من الله وقد قال صلى الله عليه وسلم من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن رواه الترمذي وصححه الألباني أما العجب يغتر فيه إلى نفسه ويغتر بها ويعتد بحسنته على أن له الفضل في القيام بها الوقاية من العجب وعلاجه العجب داء خفي قد يتسرب إلى النفس خلصة لذا فعلى المرء أن يعتصم منه بالآتي أولا أن يكون دائما التذكر والاعتراف بفضل الله عليه مع علمه بتقصيره تجاه ربه وعدم توفيته حقه من الشكر والعبادة مهما فعل وأنه لو وكل إلى نفسه ولو طرفت عين لضل وخسر ثانيا أن يتذكر سيئاته وعيوبه وينسى حسناته وطاعاته فلا تغتر بقوة إيمانك وكثرة عملك ثالثا أن ينظر إلى من يفضل نفسه عليه بأنه قد تكون له من خبايا الأعمال الصالحة ما لا يعلمها ولكن الله يعلمها وأنها ربما تكون أكثر وأجل مما يعمله أو أن من يظنه مفضولا عنده وأنه ينظر إلى نفسه وينسى حسناته أو أن من يظنه مفضولا عنده قد يكون فعلا لا يكثر من الأعمال الصالحة مثله ولكنه يحسن في أداء أعماله ويخلص فيها إخلاصا يفتقده المعجب بنفسه رابعا أن يتذكر أن إعجابه بعمله قد يحبطه فيصبح يوم القيامة هباءا منثورا أحوج ما يكون إليه الحسد هو كراهية نعمة الله على الغير وتمني زوالها وهو مرض قلبي عضال يصاب به كثير من الناس وحقيقته الاعتراض على قدر الله عز وجل وحكمته في المنع والعطار فعلى المرء أن يحذر أن يكون من الحاسدين دون أن يدري وليجاهد نفسه في ذلك أشد المجاهدة وليتسلح بإيمانه بقدر الله وحكمته ليدفع عن نفسه أي شعور بالغم وانقباض القلب من إضفاء الله النعمة على غيره أو شعوره بالفرح بزوالها عنه وليحرص بدلا من ذلك على الفرح والارتياح لإنعام الله على غيره من المسلمين سواء كانوا ممن يعرفهم أولا أقرانا له أو أعلى منه أو دونه أسباب الحسد ودوافعه يقع المرء في حسد الآخرين لسبب أو أكثر من الأسباب الآتية أولا العداوة المسبقة للمحسود وبغضه ثانيا أنفت الحاسد أن يرتفع المحسود عليه في دنيا أو دين ثالثا حب الرياسة وطلب الجاه والثناء أو الكبر واحتقار الآخرين والحرص على أن يكونوا دائما منقادين وتابعين له فإذا أصاب أحدهم نعمة حسده خشية أن يفقد تبعيته له رابعا أن يكون المحسود قرينا للحاسد في أمر من أمور الدنيا أو الدين فيحسده إذا سبقه فيه التنافس على تحصيل مصلحة معينة كوظيفة أو جائزة فيحسد منافسه على أي نعمة قد تعينه على الضفر بالمصلحة دونه أن يكون من طبع نفسه الخبث والشح بالخير لعباد الله والفرح بالشرور عليهم فليحرص المرء على أن لا يجعل الحسد يؤذي الحاسد قبل غيره لا يثمر الحسد في قلب الحاسد إلا الغل والحقد والضغينة لمن يحسده وهذا كله يوهن قلب الحاسد ويصيبه بالقلق والاضطراب ويبعده عن حقيقة الإيمان بالله بخلاف صاحب القلب السليم المعافى من الحسد وغيره حيث تجده ساكن النفس مطمئن القلب راضيا بأقدار الله يحب الخير للمسلمين جميعا ويعلم الله ذلك من قلبه فيثيبه عليه نعيما وسكينة في الدنيا وعلوا ورفعة في الآخرة كيف يعالج الحاسد نفسه من هذا الداء العضال حتى يتخلص الحاسد وعلى هذا الداء العضال عليه أن يسلك مسلكين أحدهما علمي والآخر عملي فأما المسلك العلمي فهو أن يتعلم ويفهم معنى القضاء والقدر حق العلم والفهم ويتعمق في فهم أسماء الله الحسنى وصفاته العليا المتعلقة بهذا الباب مثل القدير والعليم والحكيم حقيقة قدرة الله ومشيئته النافذة في العطاء والمنع وعلمه التامة بما يستحقه كل إنسان وحكمته البالغة في ذلك الأمر وأما المسلك العملي فهو أن يداوي رغبته في الحسد بالعمل النافع وذلك بأن يكلف نفسه بنقيض قصده فإن دفعه الحسد إلى الرغبة في ذم المحسود اجتهد في مدحه والثناء عليه بدلا من الذم والقدح فيه وإن وجد في نفسه كبرى ألزمها التواضع والدعاء لمن كان يريد حسده وبذل الأسباب لإيصال الخير له ودفع الشرع سوء الظن بالله سوء الظن بالله مرض قلبي خطير وهو في الأصل سمة المشركين والمنافقين كما قال تعالى ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظنين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءة مصيرا ويلحق بهم في ذلك المرض أيضا حيث يدخلون في عموم قوله تعالى وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ويعد المبتدعة أيضا ممن يسيئون الظن بربهم كما سيتضح في صور سوء الظن بالله تعالى سبب سوء الظن بالله ما يقع من يقع في سوء الظن بالله إلا لانقطاع اتصال قلبه به سبحانه وعدم معرفته على وجه الحقيقة بربه سبحانه وبأسمائه الحسنى وما تقتضيه من محبته عز وجل والرضى به وبقضائه والخوف والرجاء منه وعدم إدراكه لقيمة دوام حسن الظن بالله في السراء والضراء وفي الأمور كلها وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي أنا عند ظن عبدي بي رواه البخاري ومسلم وزاد ابن حبان في آخره فليظن بي ما شاء ولكن من رواية واثرة ابن الأسقع رضي الله عنه رواه ابن حبان وصححه الألباني وسيء الظن بربه يتعلق قلبه بظواهر الأمور فقط ويبني عليها أحكامه فيتوقع الشر والسوء من غير اعتماد لسنن الله تعالى ولا ثقة بقدره وقدرته سبحانه وتدبيره الخفي اللطيف أكثر الخلق يسيئون الظن بربهم أكثر الخلق إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء والجاهلية فكثير من بني آدم يعتقد أنه مبخوص الحق وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله ولسان حاله يقول ظلمني ربي ومنعني حقي ونفسه تشهد عليه بذلك وإن أنكره لسانه ولم يتجاسر على التصريح به ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله حق المعرفة وفهم معاني أسمائه الحسنى وصفاته العليا فهما دقيقا صائبا من صور سوء الظن بالله كل ظن لا يليق بالله تعالى وحكمته ورحمته وعلمه وعدله ووعده الصادق الذي لا يخلفه فهو سوء ظن بالله وقدح في أسمائه الحسنى وصفاته العليا ولذلك عدة صور منها أولا القنوط من رحمة الله والإياس من روحه سوء ظن بالله تعالى ثانيا التشاؤم سوء ظن بالله كما أن التفاؤل حسن ظن بالله تعالى ثالثا ظن أن الله ترك خلقه سدا معطلين عن الأمر والنهي لم يرسل لهم رسلا ولا أنزل إليهم كتبا بل تركهم هملا كالأنعام ثم موت دون بعث ولا حساب فكل ذلك سوء ظن بالله عز وجل وهو قول الدهرية الذين يقولون ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إنهم إلا يظنون رابعا ظن أن الله لن ينصر رابه وعباده المؤمنين ولا يؤيد حزبه ولن يعليهم على عدوهم فكل ذلك سوء ظن بالله تعالى فقد قال الله عز وجل ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وغيرها من الآيات خامسا إنكار أو جهل أنما يقدره الله على أوليائه من محن أو بلايا إنما هو لحكمة بالغة وغاية محمودة وعاقبة حميدة وادعاء أن ابتلاءهم مشيئة مجردة عن الحكمة وقدر حتم لا يتبدل فذلك سوء ظن بالله سادسا ظن أنه يجوز على الله لأن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم وأنه يسوي في ذلك بينهم وبين أعدائه سابعا ظن أن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى به كما يحب الإيمان والبر والطاعة وذلك بدعوة أن الله خالق كل ذلك فهو مريده والله سبحانه يقول فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ثامنا ظن أن ما عند الله يمكن أن ينال بمعصيته ومخالفته كما ينال بطاعته والتقرب إليه تاسعا ظن أن الله يعاقب المرأة بما لا صنع له فيه عاشرا ظن أن الله قد يضيع عمل المرء الصالح الذي أخلص فيه الوجه له سبحانه وأنه يمكن أن يبطله بلا سبب من العبد والله سبحانه يقول وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم الحادي عشر ظن أن المرأة لو ترك شيئا لله فلن يعوضه الله خيرا منه الثاني عشر من ظن أنه يكون في ملك الله ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده فقد أساء الظن بالله الثالث عشر من ظن أن لله صاحبة وولدا أو شريكا أو أن أحدا يشفع عنده دون إذنه وأن بين الله وخلقه وسائط يرفعون الحوائج إليه وأنهم أولياء له من دون الناس والناس يتقربون ويتوسلون بهم إليه سبحانه فكل ذلك سوء ظن بالله سبحانه الرابع عشر من ظن أن الله أخبر عن نفسه أو أخبر عنه رسوله بما ظاهره وأنه ترك الحق في صفاته ولم يخبر به صراحة وإنما رمز إليه رموزا بعيدة لا يفهمها إلا الفلاسفة والمتكلمون بزعمهم من ظن ذلك الظن فعطل أسماء الله الحسنى وصفاته العليا عن حقيقتها ومعناها المراد منها فقد أساء الظن بالله تعالى وقد ظهر من المبتدعة من يدعي أن الله لا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا يسخط ولا يوالي ولا يعادي إلى آخر ذلك فتعالى الله عما يقول فكل من ظن بالله خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم أو عطل حقائق ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فقد أساء الظن بربه الخامس عشر ومن المبتدعة الذين يسيئون الظن بربهم الشيعة الروافض فمعتقداتهم كلها إساءة ظن بالله عز وجل كالدعائهم أن جل الصحابة رضوان الله عليهم قد تسلطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته واستبدوا بالأمر بعدما ماته دون وصيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما يزعمون وظلموا أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلبوهم حقوقهم فكل ذلك افتراء على الله ورسوله وصحابته الكرام الذين قال الله في حقهم والذين معه أشدا على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا وقال في آخر الآية وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ونفضة منهم في الآية حتى يتمسك بها المبتدعون فالمقصود بيان أن هذه المغفرة وذلك الأجر العظيم هما للصحابة دون سائر المؤمنين فأجرهم لا كأجر غيرهم ومغفرة الله لهم تفوق مغفرته لمن سواهم ومن سوء ظنهم بربهم افتراؤهم الإفكى على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مكذبين بذلك تبرئة الله تعالى لها حيث سما مفتري به عليها إفكى فقال إن الذين جاءوا بالإفكى عصبة منكم وبرأها سبحانه بقوله والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرأون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ورغم ذلك يصر الروافض على إفكهم منتقصين بذلك قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسيئين الظن بالله بالدعاءهم عدم إكرامه لنبيه بالزوجات الطيبات بل وبإجازتهم أن يدفن بجواره صلى الله عليه وسلم الجبت والطاغوت حيث يزعمون أن أبا بكرين الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وهما خير أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هما الجبت والطاغوت فنعوذ بالله من ضلال أهل البدع ونبرأ إليه سبحانه من إساءتهما الظن به سبحانه خلاصة مفاهيم أهل السنة