بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ إنَّهَ الْجَنَّةِ صِفَةُ بُنْيَانِ الْجَنَّةِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد يا أصحاب الجنة انظرو حولكم سترون عامة بناء الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وبين اللبنة والأخرى المزك الأذفر شديد الرائحة الزكية مساكنكم في الجنة هي الغرف والقصور والخيام وهي مساكن طيبة حسنة قال الله تعالى عنها ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم فمساكن الجنة وصفها لا يخطر ببال أحد والوصف لا يقرب من الحقيقة إلا مجرد تخيلات وليس الخبر كالمعاينة يعني مهما سمعت الآن من أوصاف فإنك لا تستطيع أن تدرك ذلك الجمال وتلك الفخامة أما غرف الجنة فهي غرف مبنية طبقات بعضها بعضها فوق بعض جمال يعلو جمالا وبهاء فوقه بها غرفات ليست كغرفات الدنيا فهذه الغرف من زبرجد وياقوت يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها مبنيات محكمات مزخرفات عاليات يحار الإنسان في وصف حسنها ويكفينا قول ربنا تعالى عنها لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد وأهل الجنة يترىون أهل الغرف من فوقهم كما يترىون الكوكب الدريا الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم وهم في الغرف آمنون مطمئنون منعمون هانئون قال تعالى عنهم وهم في الغرفات آمنون وتتلقاهم الملائكة مسلمة عليهم مرحبة بهم أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلام سأل الصحابة رسولنا صلى الله عليه وسلم فقالوا لمن هذه الغرف فقال لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وبات لله قائما والناس نيام أما الخيام فهي غير الغرف والقصور هي خيام في البساتين وعلى شواطئ الأنهار الخيمة الواحدة من درة مجوفة ارتفاعها في السماء ثلاثون ميلا وطولها ستون ميلا والعرض كذلك ستون ميلا خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة هذا لا يمكن أن تجد له في الدنيا نظيرا ولا شبيه هذه الخيام تسكنها الحور العين في كل زاوية من زواياها له أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضا لبعد ما بينهن قال تعالى حور مقصورات في الخيام وإذا كان هذا حال الغرف والخيام فلك أن تتخيل كيف تكون القصور يعجز اللسان عن وصفها لكن يكفي أن تعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الجنة فرأى فيها قصرا أعجبه وأراد أن يدخله من شدة إعجابه به وظن أنه له فسأل جبريل عليه السلام لمن هذا القصر فقال هو لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه طعام فإذا هي أتتك فقرأ عليها السلامة من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب أي لا صياح ولا صراح ولا تعب ولا عناء فيه قال تعالى تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا فيا أصحاب الجنة هنيئا لكم إن قصوركم تزخرف لكم الآن وستدخلونها خالدين فيها أبدا بلا تعب ولا نصب نعيم دائم ليس يخالطه ملل أو كلل وأنتم يا أصحاب الجنة يعرف كل واحد منكم قصرة ويعرف أملاكه كلها لا يحتاج أن يسأل عنها أو يدله عليها أحد فكما تنصرفون من يوم الجمعة إلى بيوتكم دون أن تضلوا في معرفتها فكذلك بيوتكم تعرفونها جيدا كأنكم قد خلقتم وتربيتم فيها قال تعالى ويدخلهم الجنة عرفها لهم يا أصحاب الجنة لكن هذه القصور والغرف وهذه الخيامة من اللؤلؤ المجوف ما هو أثاثها وماذا بداخلها من الفرش قال الله تعالى متكئين على فرش بطائنها من استبرق تلك الفرش لا يعلم وصفها وحسنها إلا الله تعالى فبطائنها التي ترى الأرض من استبرق وهو أحسن الحرير وأفخره فكيف بظواهرها نبها سبحانه على شرف الظاهر بشرف الباطن أن العادة جرت أن الظاهر أحسن من الباطن وأنتم عليها تجلسون وتتكئون جلوس تمكن واستقرار وراحة كجلوس الملوك على الأسرة وقد وصف الله تعالى هذه الفرش فقال وفرش مرفوعة يعني مرفوعة فوق الأسرة ارتفاعا عظيم عالية وطيئة ناعمة وتلك الفرش من الحرير والذهب واللؤلؤ وما لا يعلمه إلا الله تعالى أما الأسرة في القصور وفي الخيام فإليكم خبرها من كرامتكم عند ربكم أنكم تكونون على السرور وهي المجالس المرتفعة المزينة بأنواع الأكسية الفاخرة المزخرفة المجملة تتكئون عليها على وجه الراحة والطمأنينة والفرح متقابلين فيما بينكم قد صفت قلوبكم وزادت المحبة فيما بينكم تتناعمون باجتماعكم مع بعضكم البعض كما قال تعالى على سرور متقابلين فمقابلة الوجوه تدل على مقابلة القلوب وتأد ببعضكم مع بعض فلا ينظر بعضكم إلى قفى بعض تدور بكم الأسرة كيف شئتم وهذه السرور موضونة أي منسوجة من الذهب قد أدخل خيوط بعضها في بعض مشبكة بالدر والياقوت إذا جلس عليها المؤمن ارتفعت به إلى الأعالي أما قال الله تعالى وسرور مرفوعة وقال أيضا على سرور موضونة فإذن هكذا هي بهذا البهاء والجمال والراحة ولكم في الجنة يا أصحاب الجنة نمارق وزرابي هذا مما أعده الله تعالى لكم فيها قال تعالى ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة فالنمارق هي الوسائد أي وسائد من الحرير والاستبرق وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله قد صفت للجلوس والاتكاء عليها وقد أريحوا عن أن يضعوها أو يصفوها بأنفسهم ما تحتاج إلى صف مبسوطة ما تحتاج إلى فرش موضوعة ما تحتاج إلى أن يحملوها ويتعب في فرشها وطيها وإعادة تخزينها لا تبلا والزرابي هي البسط الحسام مبثوثة أيها هنا وها هنا موجودة في كل مكان لمن أراد الجلوس عليها مملوأة بها مجالسهم من كل جانب فعندما تذهب للتنزه في بساتينك وحدائق بصحبة من تحب من الحور والولدان والأبناء لا تحتاج إلى فرش ووسائد ستجدها جاهزة لك ومعدة من أجلك في كل مكان وتأمل يا صاحب الجنة كيف وصف الله تعالى الفرش بأنها مرفوعة والزرابي بأنها مبثوثة والنمارق بأنها مصفوفة فرفع الفرش دال على سمكها ولينها وبث الزرابي دال على كثرتها وأنها في كل موضع وصف المساند دال على أنها مهيئة للاستناد إليها دائما ليست مخبأة تصف في بعض الأوقات وبناؤها اللبنات من ذهب وأخرى فضة نوعان مختلفان وقصورها من لؤلو وزبرجد أو فضة أو خالص العقيان وكذلك من در وياقوت بها نظم البناء بغاية الإتقان غرفاتها في الجو ينظر بطنها من ظهرها والظهر من بطنان سكانها أهل القيام مع الصيام ودخل بالكرمات والإحسان ثنتان خالص حقه سبحانه وعبيده أيضا لهم ثنتان للعبد فيها خيمة من لؤلو قد جوفت هي صنعة الرحمن ستون ميلا طولها في الجو في كل الزوايا أجمل النسوان يغش الجميع فلا يشاهد بعضهم بعضا وهذا للتساع مكاني فيها مقاصير بها الأبواب من ذهب ودر زين بالمرجان وخيامها منصوبة برياضها وشواطئ الأنهار ذي الجريان ما في الخيام سوى التي لو قابلت للنيرين لقلت منكسفاني لله هاتيك الخيام فكم بها للقلب من علق ومن أشجاني فيهن حور قاصرات الطرف خيرات حسان هن خير حساني فيها الأرائك وهي من سرر عليهن الحجال كثيرة الألواني اللهم ارزقنا الجنة ونعيمها اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب اللهم آمين وللرحلة بقية إنها الجنة