بسم الله الرحمن الرحيم يسر جمعية مودة أن تقدم لكم صورا من حياة الصحابة لعد الرحمن رأفة الباشا رحمه الله سلمة ابن الأكوع رضي الله عنه هل أتاك نبأ سلمة ابن الأكوع إنه أعجوبة من أعاجيب الدهر و نادرة من نوادر الزمان فهو عداء لا يسبق ورام لا يخطئ و مقدام لا يهاب و مغامر لا تنتهي عجائب مغامراته تقرأ أخبار بطولاته فيخيل إليك أنها ضرب من الأساطير وما هي بالأساطير فقد رواها الشيخان مسلم والبخاري وأثبتاها في صحيحيهما كان لسلمة ابن الأكوع في مكة أموال وعقار فاعتنق الإسلام فهاجر إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وخلف وراءه كل ما يملك وجعل يعمل في المدينة سائسا لفرس طلحة ابن عبيد الله لقاء طعامه فما كان يريد من الدنيا غير لقيمات يقيم بها صلبة ويستعين بها على طاعة الله والجهاد في سبيله ولعلك أيها المستمع الكريم قد نزع بك الشوق إلى سماع طرف من أخبار هذا الفارس والوقوف على بعض عجائبه فإليك شيئا منها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف وخمسمائة من أصحابه فيهم سلمة ابن الأكوع يريد العمر فلما بلغ قريشا نبأ خروجه قامت له تريد أن تصده عن البيت الحرام فنزل عليه الصلاة والسلام بمن معه في الحديبية وأوفد عثمان بن عفان إلى مكة سفيرا بينه وبين قريش لكن الأخبار ما لبثت أن جاءت بأن قريشا قتلت عثمان فعزم الرسول صلى الله عليه وسلم على حربهم ودع المسلمين الذين معه إلى مبايعته على القتال والموت قال سلمة ابن الأكوع لما دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مبايعته عند الشجرة بايعته أول الناس ثم طفق المسلمون يبايعونه حتى إذا بلغ نحو من نصف الناس التفت إلي وقال بايع يا سلمة فقلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس قال وأيضا فبايعته الثانية وعند ذلك رآني عليه الصلاة والسلام أعزل من السلاح فأعطاني ترسا أحتمي به ثم جعل المسلمون يبايعونه حتى إذا بلغ آخر الناس التفت إلي وقال ألا تبايعني يا سلمة فقلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي وسطهم قال وأيضا فبايعته الثالثة ثم نظر إلى يدي وقال أين الترس الذي أعطيتك فقلت يا رسول الله لقيني عمي عامر ووجدته أعزل فأعطيته إياه فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سلمة ثم إن المشركين راسلونا بالصلح فاصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض فأتيت شجرة وكنست ما تحتها من شوك واضطجعت في ظلها وما هو إلا قليل حتى آتاني أربعة من المشركين فعلقوا أسلحتهم على الشجرة واضطجعوا قريبا مني وجعلوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم وتحولت عنهم خوفا من أن أستثار فأبدأهم بالقتال وبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين لقد قتل المشركون ابن زنيم فامتشقت السيف في يميني ووثبت على أسلحتهم فجعلتها حزمة في يساري وشددت عليهم قبل أن ينهضوا كل ذلك في طرفة عين ثم بادرتهم قائلا والذي أكرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت عنقه ثم أوثقتهم وقرنت بعضهم إلى بعض وجئت بهم أسوقهم ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مضى بأصحابه ومعه سلمة بن الأكوع حتى بلغ المدينة وما إن استقر بها قليلا حتى أمر غلامه رباحا أن يخرج بإبله ليرعاها في البادية فعزم سلمة على أن يخرج معه ليرعى فرس طلحة بن عبيد الله أيضا توشح سلمة بن الأكوع قوسه وحمل نباله وانطلق هو وصاحبه حتى بلغ مكانا شمالي المدينة يقال له الغار فأراحى فيه سوائمهما وبات هناك ليلتهما وفي الهزيع الأخير من الليل استيقظ على كتيبة من فرسان غطفان عدتها أربعون فارسا أغارت على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقتها وقتلت ولدا لأبي ذرن الغفاري كان عند الإبل قال سلمة بن الأكوع عند ذلك قلت لرباح خذ هذا الفرس وأده إلى صاحبه وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين أغاروا على إبله ثم ارتقي أكمة فوق ثنية الوداع واستقبلت المدينة وناديت بأعلى صوتي وصباحاه ثلاثا ثم خرجت أعد في إثر القوم حتى غدوت غير بعيد منهم فوترت قوسي ورميت واحدا منهم بسهم فاستقر في كتفه فقلت خذ هو نبن الأكوع اليوم يوم الرضع ثم طفقت أطردهم وأرميهم وأنا أرتجز وكانوا في كل مرة يخلفون وراءهم بعضا من إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجعلها خلفي وأمضي في إثرهم فإذا رجع إلي فارس منهم يريد قتلي كففت عن العدو والتمست شجرة وتترست في جذعها وجعلت أرميه فيرتد عني ثم ما زلت أطردهم حتى دخلوا في طريق ضيق يكنفه جبلان فتسلقت أحدهما وجعلت أهيل عليهم الحجارة من أعلى فتتساقط فوقهم وبين أيديهم وأرجلهم ثم ما فتئت أتبعهم حتى لم يبق شيء من إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلوا بيني وبينه وجعلته ورائي لكن ذلك لم يثنيني عن مطاردتهم فأخذوا يرمون أثقالهم ليتخففوا منها فألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا فكانوا كلما طرحوا شيئا جعلت عليه علامة من الحجارة حتى يهتدي له رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفته ورائي ثم أدركهم وأدركني الإعياء فجلسوا يستريحون ويتغدون وجلست على رأس جبر غير بعيد عنهم أنظروا إليهم وأرقبهم وفيما هم كذلك أتاهم رجل من قومهم ونظر إلى ما حل بهم فقال ما هذا الذي أرى فأشاروا إلي وقالوا لقينا من شؤم هذا الرجل ما لقينا فوالله ما فارقنا منذ الغلس وهو يرمينا حتى انتزع منا كل شيء في أيدينا قال فليقم إليه نفر منكم أربعة فصعد إلي أربعة منهم فلما اقتربوا مني بحيث يسمعون كلامي قلت لهم هل تعرفونني قالوا لا ومن أنت قلت أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته ولا يطلبني رجل منكم فيدركني فقال أحدهم أنا أظن ذلك ثم رجعوا عني فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبلوا من المدينة فإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي فما إن رآهم القوم حتى هبوا وولوا مدبرين فهم الأخرم بأن يلحق بهم فأخذت بعنان فرسه ووقفت في وجهه وقلت له احذر يا أخرم أن تلحق بهم فيقطعوك عننا وينفردو بك وتريث حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فقال يا سلمة إن كنت تؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة قال سلمة فخليت سبيله فانطلق وراءهم حتى التقى مع مقدم القوم فعقر فرسه لكن هذا كر على الأخرم فطعنه طعنة أردته فخر صريعا شهيدا قال سلمة فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم إني تبعتهم بعد ذلك أعدوا على رجلي حتى انفصلت عن فرسان المسلمين فما أراهم ولا أرى من غبالهم شيئا فلما دنت الشمس إلى المغيب أرادوا أن يعدلوا إلى شعب فيهما يقال له ذو قرد ليرتو منه فلما رأوني في إثرهم تركوه فما ذاقوا منه قطرة ثم انطلقوا يسرعون وقد خلفوا وراءهم فرسين فجئت بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وصحبه على الماء الذي دفعتهم عنه وأذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ الإبل التي استنقذتها منهم ووضع يده على كل رمح وبردة خلفوها وراءهم وأذا بلال نحر ناقة وجعل يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها قال سلمة ولما أصبحنا نوذي بالرحيل فأردفني الرسول عليه الصلاة والسلام خلفه على ناقته العضباء ومضيت معه حتى بلغنا المدينة هنيئا لسلمة ابن الأكوع أنه غدا رديف رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فمس جسده جسد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وهنيئا للإسلام فتاه الجريء المقدام رضي الله عن سلمة ابن الأكوع أعجوبة الفرسان وسباق الخيول الصافنات كان سلمة ابن الأكوع من أشد الناس بأسا ويسبق الفرس عدوى المؤرخون